مجلة العالمية
|
الأقلام الغربية وسيرة المصطفي صلى الله عليه وسلم
سيرة خاتم النبيّـين صلى الله عليه و سلم واضحة المثاليّـة في كل أحوالها |
 |
|
|
|
د. سعد
المرصفي - أستاذ الحديث وعلومه |
محمد صلى الله عليه و سلم ظل منذ بعثـته المثـل النموذجي الإنساني الكامل لكل من أراد أن يعيش
سعيداً كريماً في نفسه وأسرته وبيئته وصدق
مهما حاولت بعض الأقلام الغربية الإساءة إلى الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله
عليه وسلم ، فلن تستطيع النيل منه ، ولن تنجح في تشويه سيرته العطرة ، هذه
الأقلام المسمومة المأجورة لم تكلف نفسها البحث عن الحقيقة ، بل كبدت نفسها
البحث عن الأكاذيب والأراجيف من الكتب الصفراء المعادية للإسلام والمسلمين ،
والى أصحاب هذه الأقلام وغيرهم نقدم خصائص سيرة أعظم البشر وسيد المرسلين .
ولهذا فان الحياة التي يجدر بالناس أن يتخذوا منها قدوة لهم في حياتهم ، ينبغي
أن تتوافر فيها أربع خصال
:
الأولى : أن تكون (تاريخيّـة) أي أن التاريخ الممحص الصحيح يصدّقها ويشهد لها
!
الثانية : أن تكون (جامعة) أي محيطة بأطوار الحياة ومناحيها وجميع شؤونها
!
الثالثة : أن تكون (كاملة) أي متـسلسلة لا تـنقص شيئاً من حلـقات الحيـاة
!
الرابعة : أن تكون (عمليّـة) أي أن تكون الدعوة إلى المبادئ والفضائل والواجبات
بعمل الداعي وأخلاقه ، وأن يكون كل ما دعا إليه بلسانه قد حققه بسيرته ، وعمل
به في حياته الشخصيّـة والعائليّـة والاجتماعيّـة ، فأصبحت أعماله مثلاً للناس،
ومن تكون الأسوة
!
وكل
هذه الأمور موجودة في سيرة خاتم النبيّـين صلى الله عليه و سلم ، وليس معنى هذا أن سير الأنبياء
قد صفرت من تلك الخصال مدة وجودهم في الحياة الدنيا ، بل إن سيرتهم التي توجد
الآن بين أيدي الناس قد أصابها التبديل والتحريف ، ودخلها التزييف والتخريف ،
ومن ثم فهي لا تنص على هذه الأمور
!
ولعل الحكمة في ذلك ترجع إلى أن أولئك الأنبياء إنما بعثوا لأزمانهم وشعوبهم ،
فكان الموفّـقون للخير من شعوبهم في أزمانهم يرون سيرتهم ، ومن ثم تكون الأسوة
، ولم يكن هناك حاجة إلى أن تبقى سيرتهم معلومة للأجيال التالية بعدهم ، لأن
النبوات ستختم برسالة خاتم النبيّـين صلى الله عليه و سلم الكاملة إلى الناس كافة ، في كل زمان
ومكان ، وجيل وقبيل ، فكانت الحاجة ماسة إلى أن تكون سيرته صلى الله عليه و سلم معلومة على
حقيقتها في كل زمان ومكان ، وجيل وقبيل ، وعصر ومصر ، إلى أن تقوم الساعة ،
ليتـيسّـر التأٍسّي بها لجمع أمم الأمم ، وهذا من أصدق البراهين العمليّـة
والسلوكيّـة على كون الرسول صلى الله عليه و سلم لا نبيّ بعده
!
ولقد شهدت الدنيا أصدق شهادة ، ثم ازداد ذلك ثبوتاً على الأيام ، بأن الديّن
القيّـم لم يقتصر على حفظ سيرة خاتم النبيّـين صلى الله عليه و سلم ، بل توسّـع في ذلك إلى ما
يتعلّق بها من كل النواحي ، وصان هذه الأمانة القدسيّـة ، فلم تقترب منها يد
الضياع ، ولم تعبث بها عوامل الدهر ، إلى درجة أن العالم كله يقف من ذلك موقف
الإقرار بذلك ، وإن شابه هذا الإقرار استغراب
!
والذين وقفوا حياتهم منذ العصر النبوي على حفظ أقوال النبي صلى الله عليه و سلم ، ورواية أحاديثه
، وكل ما يتعلق بحياته ، أدوها إلى من ضبطوها بعدهم وكتبوها ، وهم طبقات معروفة
من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان
!
فلما تمّـت هذه الذخيرة التاريخيّـة جمعاً وكتابة وتدويناً ، وفق أصول التحديث
رواية ودراية ، جعل العلماء يكتبون سير هؤلاء الرواة ، ومن بعدهم من العلماء
الذين رووا شيئاً مما يتعلق بحياة الرسول صلى الله عليه و سلم ، فكتبوا أسماءهم وكناهم، وأنسابهم
وأخلاقهم وعاداتهم .. وبالجملة سجلوا شؤون حياتهم ، حتى أصبح ما كتبوا في هذا
الباب علماً مستقلاً سمّي فيما بعد (علم أسماء الرجال)
!
وقد ادّعى الألماني المعروف الدكتور (سبرتكر) أنه أول أوروبي كتب سيرة محمد
صلى الله عليه و سلم
، معتمداً على المصادر العربيّـة الأولى ، ولم يعتمد في تأليفه إلا عليها ، مع
أنه في الحقيقة لم يكتب دفاعاً عن صاحب الرسالة صلى الله عليه و سلم ، بل كان متحاملاً عليه ،
ومخالفاً له ، إلا أنه قال في مقدمته على كتاب (الإصابة) المطبوع في (كلكتا)
سنة 1853- 1864م
:
(لم
تكن فيما مضى أمة من الأمم المعاصرة أتت من علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به
المسلمون في هذا العلم العظيم الخطر
.. ) !
وقد بلغ عدد الصحابة رضي الله عنهم في آخر حياة الرسول صلى الله عليه و سلم أكثر من مائة ألف
إنسان ، من رجل وامرأة ، كلهم قد روى عنه سماعاً أو رؤيةً
!
ومن هؤلاء عشرة آلاف صحابي ، مذكورة أسماؤهم وأحوالهم في الكتب التي أفردت
لتدوين أحوالهم خاصة
!
ونبصر التاريخ الإسلاميّ قد اهتم بتدوين أحوالهم ، وحفظ لنا شؤونهم ، لأن كل
واحد منهم حفظ شيئاً من أقوال النبي صلى الله عليه و سلم وأفعاله وتصرّفاته وهديه وسيرته
!
وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم بقي فريق من كبار الصحابة بعده إلى سنة (40) هـ، وبقي بعد
ذلك من الصحابة الذين كانوا أحداثاً في حياة النبي صلى الله عليه و سلم عدد غير قليل ، ولما انقرض
ذلك الجيل لم يبق من الصحابة أحد ، وانطفأ كل سراج أوقد بنور النبوّ ة
!
وجاء دور التابعين الذين هم تلاميذ الصحابة ، والذين ينزلون المنزلة الثانية
بعدهم في تبليغ الدعوة ، وحمل الرسالة المحمديّـة إلى الأنحاء النائية ،
والبلاد المترامية الأطراف ، ولم يكن لهم همّ في الدنيا إلا حفظ الدين ، ونشر
أحكامه ، وتبليغ الإسلام ، وتعميم سننه وآدابه ، والتعريف بسيرة الرسول صلى
الله عليه و سلم وهديه
، وقد ذكر ابن سعد في الطبقات (139) من التابعين أهل الطبقة الأولى الذين كانوا
في المدينة
!
وذكر (129) من الطبقة الثانية الذين أدركوا عامة الصحابة ، ورووا عنهم
!
أما الطبقة الثالثة من التابعين ، فهم الذين حظي الواحد منهم برؤية صحابيّ واحد
أو عدد من الصحابة وعدد هؤلاء (87)
!
فمجموع عدد التابعين (355) في مدينة واحدة ، وهي مدينة الرسول صلى الله عليه و
سلم ، فقيسوا على
ذلك عدد الذين أخذوا عن الصحابة في بقيّـة المدن الإسلاميّـة ، التي انتشر
الصحابة فيها من مكة إلى الطائف ، والبصرة ، والكوفة ، ودمشق ، واليمن ، ومصر ،
وغيرها ، وهؤلاء لم يكن لهم همّ إلا نشر رسالة الإسلام ، وتبليغ أقوال النبي
صلى الله عليه و سلم
وهديه وسيرته
!
وهنا نبصر اهتمام المؤرّخين باستيعابهم ، واستقصاء أحوالهم ، في إحصاء الأحاديث
المرويّـة عن الصحابة ، وتلك الروايات الكثيرة التي حفظت لنا سيرة الرسول صلى
الله عليه و سلم ،
مع مراعاة التبليغ إلى الجيل الذي بعدهم كل ما رأوه بأعينهم ، وسمعوه بآذانهم ،
من أحوال النبي صلى الله عليه و سلم ، وأقواله وسيرته ، ومن ثم كانوا يُعلمون أولادهم وإخوانهم
وأقرباءهم من الدّين والعلم كل ما كانوا يعلمونه ، بحيث كان ذلك الشغل الشاغل
آناء الليل وأطراف النهار ، وفي الغدوّ والآصال
!
ونبصر أيضاً تعلّم النشء الإسلاميّ الأول حقائق رسالة الإسلام ، وتفاصيل حياة
الرسول صلى الله عليه و سلم ، منذ ترعرعوا في بيئاتهم التي كانت ساحات للعلم والعمل ، ومدارس
يتقلّبون في فصولها ، وما لبثوا أن قاموا مقام الصحابة رضي الله عنهم ، وسدّوا
مسدّهم في حفظ الأحاديث ، ووعي هذه المرويات التي كانوا يحفظونها كلمة كلمة ،
ويعيدون روايتها بألفاظها دون أن يبدّلوا منها كلمة
!
كان الرسول
صلى الله عليه و سلم يحرّض أصحابه على أن
يبلّغوا عنه ويفقهوا رسالته وينصروا دعوته
ويعرفوا سننه
وكما كان الرسول صلى الله عليه و سلم يحرّض أصحابه على أن يبلّغوا عنه ، ويفقهوا رسالته ، وينصروا
دعوته ، ويعرفوا سننه ، كان ينهى أن يتقوّلوا عليه ما لم يقل ، أو ينسبوا إليه
ما لم يفعل ، وكان ينذر من يتعمّد الكذب عليه بأنه سيتبوأ مقعده من النار
!
ومن المعروف أن ذاكرة العرب كانت قويّـة ، وأنهم يحفظون آلافاً من الشعر ،
وينشدونها عن ظهر قلب بلا زيادة ولا نقص ، ومن طبيعة البشر أنهم إذا أكثروا
استعمال قوة من قواهم تزداد هذه القوة قوّة وحيويّـة ، وقد مرن الصحابة
والتابعون على حفظ الأحاديث ، حتى بلغوا في ذلك شأواً بعيداً ، والمحدّ ثون
كانوا يحفظون ألوفاً من أحاديث الرسول صلى الله عليه و سلم ، ويكتبون بعد ذلك ما كانوا يسمعون
ويحفظون
!
وصدق شبلي نعماني حيث قال : إلى يوم الدين لن يستطيع أحد أن ينافس المسلمين في
فخرهم بحفظ أدق تفاصيل كل حادث في حياة الرسول صلى الله عليه و سلم ، بطريقة دقيقة واعية ، لا يصل
إلى مستواها تسجيل حياة أي إنسان آخر من قبل ، ولا يمكن أن ينتظر من بعد، فمن
أجل تسجيل هذه الحياة بأدق تفاصيلها قام علماؤنا بتسجيل أسماء وخصائص نحو ثلاثة
عشر ألفاً من الصحابة ، وتمّ هذا في وقت كان فجر نظام التأليف
!
ولنرجع إلى كتب الطبقات وعلم الرجال ، لنرى فيها هذه الصورة الفريدة في التراث
الإنسانيّ ، إنه جهد لا نظير له في تاريخ الإنسانيّـة ، من أجل حياة الرسول
صلى الله عليه و سلم !
الوضوح في جميع مراحل الحياة
ويطالعنا بعد ذلك الوضوح في جميع مراحل الحياة ، فحياة الرسول صلى الله عليه و
سلم واضحة كل
الوضوح في جميع مراحل تلك الحياة المباركة الطيّـبة ، مما يجعل سيرته صلى الله
عليه و سلم واضحة
وضوح الشمس ، حتى قال بعض الغربيّـين
:
إن محمداً هو الوحيد الذي ولد على ضوء الشمس ! وهذا ما لم يتيسّـر مثله ولا
قريب منه لرسول من رسل الله السابقين
!
فموسى عليه السلام لا نعرف شيئاً عن طفولته وشبابه وطرق معيشته قبل النبوّة ،
إلا ما أشار إليه القرآن الكريم ، ونعرف الشيء القليل عن حياته بعد النبوّة ،
مما لا يعطينا صورة مكتملة لشخصيّـته
!
ومثل ذلك يقال في عيسى عليه السلام ، فنحن لا نعرف شيئاً عن طفولته ، إلا ما
تذكره الأناجيل المعاصرة من أنه دخل هيكل اليهود ، وناقش أحبارهم ، فهذه هي
الحادثة الوحيدة التي يذكرونها عن طفولته ، ثم نحن لا نعرف من أحواله بعد
النبوّة إلا قليلاً مما يتصل بدعوته ، وقليلاً من أسلوب معيشته ، مع ما يصاحب
ذلك من تحريف في النصوص ، مما هو معروف ، وما عدا ذلك فأمر يغطيه الضباب الكثير
!
وما من حياة أحد يصح أن يكون منها للناس أسوى تتّـبع ، ومثال يقـتدى به، إلا
إذا كانت متّـصفة بالكمال .. ولا تكون حياة أحد كاملة ومنزّهة عن العيوب
والمثالب إلا إذا كانت معلومة للناس بجميع أطوارها ، ومتجلّـية لهم دخائلها من
كل مناحيها ، وواضحة كل الوضوح في جميع مراحلها
!
حياة الرسول
صلى الله عليه و سلم من ميلاده إلى
وفاته معلومة للذين عاصروه وشهدوا عهده
و
حفظها التدوين عنهم لمن بعدهم
وحياة الرسول صلى الله عليه و سلم من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة للذين عاصروه وشهدوا عهده ،
وقد حفظها التدوين عنهم لمن بعدهم
!
وسجّـل التاريخ أن جميع شؤونه وأطوار حياته ، من ولادته ورضاعه وطفولته، إلى أن
صار يافعاً وشابّـاً .. كل ذلك ظاهر أمره ، معلومة تفاصيله .. وقد علم الناس
سجاياه في صدقه وفي وفائه للناس قبل النبوّة ، واتصلوا به حين اتخذوه أميناً ،
وأقاموه حكماً فيما اختلفوا فيه من وضع الحجر الأسود في موضعه من الكعبة .. ثم
وقفوا على أمره حين حبّـب إليه الخلاء في غار حراء .. ثم علموا حاله حين نزل
عليه الوحي .. وحين بدأ أمر الإسلام يظهر للوجود ، فأخذ يدعو الناس ، ويبلّغ ما
أنزل عليه .. وقد رآى التاريخ كيف خالفوه وعاندوه
!
وهل غاب عن التاريخ ما لقي الرسول صلى الله عليه و سلم في نشر الإسلام من جهد وعناء ، وما قابله
به أهل الطائف ، حين سار إليهم يدعوهم إلى عبادة الرحمن ؟!
وهل نسي التاريخ كيف أخبر أهل مكة ، وهم أقليّـة قليلة من المسلمين ، وأكثريّـة
ساحقة من المشركين ، بخبر العروج إلى السماء ؟!
ثم هل خفي عن التاريخ أمر هجرته ، ومن هاجر ، والغزوات التي غزاها ، والأسباب
الباعثة عليها ، وموقفه من الهدنة إذا هادن ، وعهوده إذا عاهد ؟!
وما صلح الحديبـية بسر
!
والذين طالعوا كتب السيرة النبويّـة يعلمون ذلك وغيره ، وقد وقفوا على كتبه صلى
الله عليه و سلم
إلى الملوك وغيرهم ، يدعوهم فيها إلى دين الله ، دين السلام والوئام ، وعرفوا
جهاده في سبيل الحق ، وما بذله في تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس ، إلى أن أكمل
الله للإنسانيّـة دينها ، وحج صلى الله عليه و سلم حجة الوداع ، وتوفاه الله إليه
!
فهل في شيء من ذلك ما يجهله التاريخ ؟!
وهل فيما يتعلّق بحياة الرسول صلى الله عليه و سلم ورسالته ما أسدل عليه ستار من خفاء ؟!
وقد سجّـلت مصادر السيرة أدق التفاصيل في حياة خاتم النبيّـين صلى الله عليه و
سلم ، كأكله ،
وقيامه ، وقعوده ، ولباسه ، وشكله ، وهيئته ، ومنطقه ، ومعاملته لأسرته ،
وتعبّـده ، وصلاته ، ومعاشرته لأصحابه ، بل بلغت الدقة في رواة سيرته أن يذكروا
لنا عدد الشعرات البيض في رأسه ولحيته
صلى الله عليه و سلم !
المثاليـّـة في كل ما يتصل بالسيرة
:
وتطالعنا المثاليّـة في كل ما يتصل بحياة النبي صلى الله عليه و سلم ، فحياته إنما هي سيرة إنسان
أكرمه الله عزّ وجلّ بالرسالة ، ولم تخرجه عن إنسانيّـته ، ولم تلحق حياته صلى
الله عليه و سلم
بالأساطير ، ولم تضف عليه الألوهيّـة قليلاً ولا كثيراً
!
وإذا قارنّـا هذا بما يذكره المسيحيّـون عن سيرة عيسى عليه السلام ، وما يرويه
غيرهم عن آلهتهم المعبودة ، اتضح لنا الفرق جليّـاً بين سيرة خاتم النبيّـين
صلى الله عليه و سلم
وسيرة غيره
!
ولهذا أثر بعيد المدى في السلوك الإنسانيّ والاجتماعيّ ، فادعاء النصارى
الألوهيّـة لعيسى عليه السلام جعله أبعد منالاً من أن يكون قدوة نموذجيّـة
للإنسان في حياته الشخصيّـة والاجتماعيّـة ، بينما ظل محمد صلى الله عليه و سلم منذ بعثـته المثـل
النموذجي الإنساني الكامل لكل من أراد أن يعيش سعيداً كريماً في نفسه وأسرته ،
وبيئته ، وصدق الله العظيم
:
]
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراًصلى الله عليه و
سلم !(آية 21 سورة
الأحزاب)
وهنا نبصر أن هذا الدّين قدّم للناس أعمال خاتم النبيّـين صلى الله عليه و سلم ، وطلب منهم
التأسّـي به في سيرته ، وجعل الاتباع لتلك السيرة والتأسّـي بصاحبها وسيلة لهم
في الحصول على رضى الله ومحبته ، وهذه السيرة الجامعة ، تجد فيها كل طائفة من
طوائف البشر المثل الأعلى الذي تقـتدي به ، والأسوة التي يأتسي بها
!
ومن الظاهر الواضح أن الناس لا يزالون مختلفين في معايشهم ، ومن ثم كانت حياة
خاتم النبيّـين صلى الله عليه و سلم واضحة ، مثاليّـة كاملة ، يجد فيها الناس كلهم على اختلاف
طوائفهم المثاليّـة الكاملة في جميع ألوان الحياة وأطوارها
!
وأعظم من الأسوة في الأعمال الظاهرة ، الأسوة فيما يتعلّق بخطرات القلوب ،
ومجالات الفكر ، ونزعات العواطف ، فنحن نشعر بين كل حين وآخر بنزعات وعواطف
تخالج قلوبنا وأفكارنا ، فنرضى ونسخط ، ونفرح ونحزن ، وتعترينا السكينة
والطمأنينة ، ويعترينا القلق والضجر ، وتترتّـب على هذه الأحوال عواطف مختلفة ،
ونوازع متعدّدة ، وليس الخُلق الحسن إلا التعديل بين هذه الأحوال ، وإقامة
الوزن بالقسط بين العواطف القويّـة ، والنوازع الثائرة
!
ولا يحظى بنصيبه من مكارم الأخلاق إلا الذي يعرف كيف يكبح النفس عند جموحها ،
ويحسن التصرّف فيها وقت ثورتها ، ومن ثم لابد للإنسان من إمام تكون له فيه
الأسوة التامة في هذه الأمور ، حتى يأتمّ به في قهر هذه القوّة الثائرة ،
والعواطف المتوثّـبة ، إلى أن تسكن ثورة النفس ، ويسلك في ذلك مسلك صاحب السيرة
الذي يحمل بين جنبيه قلباً زكيّـاً ، ونفساً طاهرةً ، وروحاً عالية نزيهة ،
وتلك هي المثاليّـة الكاملة
!
الشمول والتـكامل
الرسول صلى الله عليه وسلم وضع لدولته أقوم النظم وأصحّـها
وحماها بيقظته
وإخلاصه وصدقه بما يكفل لها النجاح
والسيرة النبويّـة شاملة لكل النواحي الإنسانيّـة في الإنسان ، فهي تصوّر لنا
سيرة محمد الشاب الأمين المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة ، كما تصوّر سيرة
الرسول الداعي إلى الله ، الملتمس أجدى الوسائل لقبول دعوته ، الباذل منتهى
طاقته وجهده في إبلاغ رسالته
!
وتصوّر سيرته صلى الله عليه و سلم كرئيس دولة يضع لدولته أقوم النظم وأصحّـها ، ويحميها بيقظته
وإخلاصه وصدقه بما يكفل لها النجاح ، وتصوّر سيرة الزوج والأب في حنوّ العاطفة
، وحسن المعاملة ، والتمييز الواضح بين الحقوق والواجبات لكل من الزوج والزوجة
والأولاد ، وتصوّر سيرة الرسول المربيّ المرشد الذي يشرف على تربية أصحابه
تربية مثاليّـة ينقل فيها من روحه إلى أرواحهم ، ومن نفسه إلى نفوسهم ، ما
يجعلهم يحاولون الاقتداء به في دقيق الأمور وكبيرها ، وتصوّر سيرة الرسول الذي
يقوم بواجبات الصحبة ، ويفي بالتزاماتها وآدابها ، مما يجعل أصحابه يحبّـون
أكثر من حبّـهم لأنفسهم ، والسياسي الناجح ، والجار الأمين ، والمعاهد الصادق
!
ان سيرة خاتم النبيّـين صلى الله عليه و سلم هي الواضحة المثاليّـة في كل أحوالها ، الشاملة
الكاملة في كل مراحل الحياة
!