مجلة العالمية
|
الرسوم المسيئة والصراع بين الحق والباطل
الجرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم نتاج
حالة
ضعف الأمة وقابليتها للاستعمار كما قال مالك بن نبي |
 |
|
المرحلة الراهنة من أشدّ المراحل دقّـة وتشابكاً ومن أهمّـها في تنوّع أساليب
الحرب على الاسلام |
|
|
|
د. سعد
المرصفي - أستاذ الحديث وعلومه |
الحياة صراع بين الحق والباطل .. وليس أدل على ذلك من تكالب الأمم على امتنا
الاسلامية وتنوع أساليبها ومناهجها في إعلان الحرب على الإسلام والمسلمين
واتهام رموز الاسلام بأبشع الاتهامات ، والنموذج الصارخ في هذا الشأن تلك
الرسومات الوقحة التي نشرها عدد من الجهلاء في الصحف الدنماركية وأعادوا نشرها
بين الفينة والأخرى في ظل صمت مطبق من الأمة وحكوماتها ، وما ذلك إلا دليل حقد
الغرب على هذه الشخصية العظيمة التي ملأت الدنيا خيرا وتسامحا
.
ان هؤلاء الذين أساؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو علموا حقيقة تعاليمه وعظمة
رسالته لتغير موقفهم ، وهنا تقع مسؤولية كبيرة على المسلمين وتحديدا العلماء
والحكام الذين من واجبهم أن يعكسوا الصورة الحضارية للإسلام
.
المسلمون أهملوا الأخذ بأسباب التقدّم العلمي رغم أن
الاسلام يدعوهم إلى بذل
أقصي الجهد في التميز والريادة
وليس خافياً ان هذه الجرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم نتاج حالة الضعف
الذي تعيشه الأمة وحالة الانبطاح التي أصبحت أشبه بالثقافة العامة والسائدة في
كل أرجاء المجتمع فضلا عن الدرك الهابط جاء نتيجة تفوّق أعداء المسلمين في
التقنيّـة العسكريّـة ، والقوة الماديّـة .. في الوقت الذي أهمل المسلمون فيه
الأخذ بأسباب التقدّم العلمي .. مع أن الدّين القيّـم دين التقدّم في كل مجالات
الحياة ، وبذل أقص غاية الجهد في حدود الطاقة إلى
أقصاها ، بحيث لا يقعد المؤمنون عن سبب من أسباب القوة يدخل في الطاقة
!
ومن ثم ينبغي للمؤمن ألا يتمتم ولا يجمجم وهو يعلن هذه الحقيقة ، وألا يستشعر
الخجل من ذلك ، لأنه ينطلق في الأرض لإعلان تحرير الإنسان بتقرير ألوهيّـة الله
وحده ، وتحطيم ألوهيّـة العبيد !
والعلماء هم الذين يعرفون الله عز وجلّ معرفة حقيقيّـة ، بآثار صنعته، وآثار
قدرته ، ويستشعرون حقيقة عظمته برؤية حقيقة إبداعه ، ويكون ذلك بالمعرفة الحقة
والعلم المباشر ، في كل شؤون الحياة !
والدّين القيّـم يدعو إلى ثـقافة تواجه الجاهليّـة في
معاقلها ، ومن ثم كان همّ كثير من الأمم الأخرى الوقوف في وجه انتشار
هذا الدّين ، ومحاربة المؤمنين ، وقد سجل التاريخ ذلك
!
وعاد المعتدون من هؤلاء وقد فتحوا أعينهم على ما لم يكن لهم به علم، ومن ثم ثار
الكثيرون على الأغلال والآصار التي طالما عانوا منها
!
موكب الإيمان يتجمّـع من فجاج شتى :
ونبصر موكب الإيمان يتجمع .. على الرغم من موجة
الإلحاد الباغية التي تغمر الكثيرين .. ونبصر هذه الموجة العاتية
تنحسر.. ونبصر أفواجاً شتّى تتجمع من
جديد ، وتعتنق هذا الدّين القيّـم .. وقد أبصرت بنفسي هذه الأفواج في
العصر الحاضر من هنا وهناك .. وعلى
أصحاب البصائر أن يدركوا هذه الحقيقة عبر التاريخ
ويبصروا معالم الطريق إلى الله !
استعلاء الإيمان على الطغيان :
ونبصر استعلاء الإيمان ونحن نذكر موقف موسى عليه السلام حين قبل التحدّي من
فرعون
:
(
فَاجْعَلْ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً
سُوًى) !
(آية
58 سورة طه)
واختار الموعد يوم عيد من الأعياد الجامعة ، يأخذ
فيه الناس في مصر زينتهم ، ويتجمعون في الميادين ، والأمكنة المكشوفة
:
(قَالَ
مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)
! (آية
59 سورة طه)
طلب أن يتجمع الناس ضحى ، ليكون المكان مكشوفاً ، والوقت ضاحياً ، فقابل
التحدّي بمثله ، وزاد عليه اختيار الوقت في أوضح فترة من النهار وأرشدها تجمعاً
في يوم العيد .. لا في الصباح الباكر ، حيث لا يكون
الجميع قد غادروا البيوت .. ولا في الظهيرة ، فقد يعوقهم الحر .. ولا في المساء
، حيث يمنعهم الظلام من التجمّـع أو من وضوح الرؤية .. وصادف هذا الرأي هوى في
نفس فرعون ، وهو الذي يتعلّق بخيوط واهية ، ويستمسك
بالأمل الكاذب، ويستند إلى أوهن أساس ، لعلّ فيه الخلاص والنجاة.. وجدّ في جمع
السحرة من كل مكان :(
فَتَوَلَّى
فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى)!
(آية
60 سورة طه)
كل ذلك ، والهواجس والوساوس تتنازع نفسه ، خوفاً على صولته ، وفرقاً على دولته
.. تتمشّى في نفسه بقيّـة من الأمل ، ورغبة شديدة
ملحّـة من الحرص والسلطة، يدفعانه دفعاً إلى مساجلة موسى عليه السلام والنيل من
دعواه .. ولكن هيهات هيهات أن يدنّس الشمس غبار ثائر
، أو يحطّ من قدر العدالة سلطان جائر !
كـناطح صخرة يوماً ليوهـنا فلم يضرها وأوهى قرنه
الوعل
وتلفّـت موسى عليه السلام فوجد حشداً هائلاً من السحرة ، ورآى قبل الدخول في
المباراة أن يبذل لهم النصيحة ، وأن يحذرهم عاقبة الكذب والافتراء على الله ،
لعلهم يثوبون إلى الهدى ، ويدعون التحدّي بالسحر .. والسحر افتراء
:
(
قَالَ
لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ
بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى)!
(آية
61 سورة طه)
الويل لكم إن افتريتم الكذب على الله ، فدعوتم
معجزته سحراً ، ولم تصارحوا فرعون بالنور الساطع ، والحق القاطع ، فتظهروا له
ما بين السحر والإعجاز ، وتفرقوا بين الحق والباطل ، ومن احتال منكم ليبطل
حقّـاً ، أو يحقّ باطلاً ، فقد خاب وباء بالخسران المبين
!
كان كلام موسى عليه السلام نداء الحق رنّ في آذان الساحرين ، فأفاق بعضهم من
غشية الضلال ، وأزال عن أفئدتهم حلك المحال ، وفتق أغشية قلوبهم لتصيح لدعوة
الحق ، ولتستبـين طريق الرشاد .. ولمست الكلمة الصادقة بعض القلوب ونفذت فيها
.. في الوقت الذي أخذ المصرّون على المباراة يجادلونهم
همساً ، خيفة أن يسمعهم موسى عليه السلام
!
(فَتَنَازَعُوا
أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ
لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا
وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ
ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى)
!
(آية
62-64 سورة طه)
وهكذا تنزل الكلمة الصادقة الصادرة عن عقيدة كالقذيفة في معسكر المبطلين
وصفوفهم ، فتزعزع اعتقادهم في أنفسهم ، وفي قدرتهم ، وفيما هم عليه من عقيدة
وفكر ، وتحتاج إلى مثل هذا التحميس والتشجيع
!
وموسى وأخوه رجلان اثنان ، والسحرة كثيرون ،
ووراءهم فرعون وملكه وجنده وجبروته وطغيانه .. ولكن موسى وهارون معهما ربهما
يسمع ويرى !
ولعل هذا هو الذي يفسّـر لنا تصرّف فرعون الطاغية
المتجبّـر ، وموقف السحرة .. ومن ثم نادى في قومه حاثّـاً لهم على
الإسراع والبدار، ليشهدوا كيف يتبارى الفريقان ، ويتساجل الخصمان
!
وجاء القوم مدفوعين بالرجاء في نصرة الساحرين ، لما رسخ في نفوسهم من الضلالة،
وران على قلوبهم من الجهالة ، فسلبهم سلامة التقدير ، وصحة التصوير .. وأقبل
السحرة مدلّين بسحرهم ، مزهوّين بغرورهم
:
(
قَالُوا
لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأََجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41)
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)
! (آية
41-42 سورة الشعراء)
طلبوا الأجر إن غَلبوا ، فأجابهم فرعون بأن لهم
أجراً وقربى ، ينعمون في حماه ، ويسعدون بجواره ، وينزلون موارد الترف والنعيم
!
إنها لمسة تصادف العصب الحسّـاس فينتفض الجسم كله .. لمسة الإيمان للقلب البشري
تحوّله في لحظة من الكفر إلى الإيمان !
أنّى وهم قد جهلوا لطول ما ظلموا وبغوا ، ورأوا الأتباع ينقادون لإشارة منهم،
أن الله هو مقلّب القلوب ، وأنها حين تتصّـل به ، وتستمدّ منه ، وتشرق بنوره ،
لا يكون لأحد عليها من سلطان ؟!
ومن ثم غلت مراجل الحقد والحفيظة ، في صدر فرعون ، واحتدم غيظه لتلك المفاجأة
التي فجأته ، مستطيرة الشرر ، شديدة الضرر ، على حين كان يرجو من ورائها تقويةً
لسلطانه ، وتدعيماً لبهتانه ، فإذا هي عاصفة هوجاء تقوّض ذلك الذي أسّـس على
الزور والبهتان ، والضلال والطغيان !
ومن هنا لم يجد فرعون في كنانته إلا أن يشبع نهم غيظه ،
ويستر مرارة خجله ، حين قال ما قال في وقاحة وبهتان ، وحين هدّد التهديد الغليظ
بالعذاب الغليظ الذي يعتمد عليه الطغاة البغاة العتاة .. ويسلطونه على الأجسام
، حين يعجزون عن قهر القلوب والأرواح ، وحين استعلى بالقوة الغاشمة .. قوة
الوحوش في الغابة .. القوة التي تمزّق الأحشاء والأوصال
، ولا تفرق بين إنسان يقرع بالحجة ، وحيوان يقرع بالناب
!
ولكن اللمسة الإيمانيّـة قد وصلت الذرة الصغيرة بمصدرها الهائل ، فإذا هي
قويّـة قويمة ، وإذا القوة الأرضيّـة كلها ضئيلة ، وإذا الحياة الأرضيّـة كلها
زهيدة !
إن قوة الإيمان ربطت على قلوب هؤلاء المؤمنين ،
فأزال الله عن قلوبهم غشاوة الباطل وغمرة البهتان
!
ومن ثم كان استعلاء الإيمان الواثق الذي نقل هؤلاء الذين كانوا منذ لحظة يخضعون
لفرعون ويطلبون الأجر ، ويدورون في فلك الطغيان ، إلى مؤمنين يهزأون بتهديد
الطغيان الجائر، ويواجهونه بكلمة الإيمان القويّـة ، وبتحذير الإيمان الناصع ،
وبرجاء الإيمان العميق !
طمـأنينـة ودعـاء
:
وإذا ما كان استعلاء الإيمان إعلاناً لحريّـة القلب البشري باستعلائه على قيود
الأرض ، وسلطان الأرض ، وعلى الطمع في المثوبة ،
فإن هذا الإعلان هو المقدمة الضروريّـة لانتصار الحق على الباطل ، والهدى على
الضلال ، والإيمان على الطغيان !
النفس البشريّـة حين تعلي من شأن الإيمان
تستعلي
على قوة الأرض وتستهين ببأس الطغاة
وما يتحقق النصر في عالم الحياة إلا بعد تمامه في
عالم الضمير !
وما
يستعلي أصحاب الحق في الظاهر إلا بعد أن يتحقق هذا الاستعلاء في الباطن
!
إن للحق حقيقة متى تجسمت في المشاعر أخذت طريقها فاستعلنت ليراها الناس في
صورتها الواقعيّـة !
وحين يظل الإيمان مظهراً لم يتجسّـم في القلب ، وحين يظل الحق شعاراً لا ينبع
من الضمير ، فإن الطغيان والباطل قد يغلبان ، لأنهما يملكان قوة ماديّـة
واقعيّـة ، لا مقابل لها ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان
!
ومن ثم يجب أن تتحقق حقيقة الإيمان في النفس ، وفي
القلب ، حتى تكون أقوى من حقيقة القوى الماديّـة التي يستعلي بها الباطل ،
ويصول بها الطغيان !
إن النفس البشريّـة حين تستعلي فيها حقيقة الإيمان ،
تستعلي على قوة الأرض ، وتستهين ببأس الطغاة البغاة العتاة أينما وجدوا ،
وتنتصر فيها العقيدة على الحياة ، وتحتقر الفناء الزائل إلى جوار الخلود المقيم
!
وماذا ستلقى في الطريق من صعاب وأشواك وتضحيات ؟!
إن الأفق المشرق الوضيء أمامها هناك .. إنها لا
تنظر إلى شيء في الطريق !
نبصر ذلك ونحن نذكر انتصار العقيدة أمام التهديد
الوحشي الفظيع الذي أطلقه فرعون:
(
فَسَوْفَ
تَعْلَمُونَ (123) لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ
ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا
مُنقَلِبُون َ(125) وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ
رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا
مُسْلِمِينَ ) ! (آية
123-126 سورة الأعراف)
إنه الإيمان الذي يدفع صاحبه إلى أن يقابل الشدائد والأهوال بقوة
وثبات ، فلا يفزع ولا يتزعزع ، ولا يخضع أو يخنع
!
الإيمان الذي يطمئن صاحبه إلى النهاية فيرضاها ، ويجعله يستيقن من الرجعة إلى
ربّـه فيطمئن ويقر !
والذي يعرف أين يتجه في المعركة ، وإلى من يتجه ،
لا يطلب من خصمه السلامة والعافية ، إنما يطلب من ربّـه الصبر على الفتنة ،
والوفاة على الإسلام !
ويقف الطغيان عاجزاً كل العجز أمام الإيمان ، وأمام
الاطمئنان !
يقف عاجزاً أمام القلوب التي خيّـل إليه أنه يملك الولاية
عليها ، كما يملك الولاية على الرقاب ، ويملك التصرّف فيها ، كما يملك
التصرّف في الأجسام ، فإذا هي مستعصية عليه ، لأنها من أمر الله ، ولا يملك
أمرها إلا الله !
موقف حاسم في تاريخ البشريّـة :
إنه موقف من المواقف الحاسمة في تاريخ البشريّـة ،
هو الذي كان بين فرعون وملئه والمؤمنين !
موقف حاسم في تاريخ البشريّـة ، بانتصار العقيدة على الحياة ، وانتصار العزيمة
على الألم ، وانتصار الإيمان على الطغيان
!
موقف حاسم في تاريخ البشريّـة بإعلان ميلاد الحريّـة الحقيقيّـة ، فما الحريّـة
إلا الاستعلاء بالعقيدة على جبروت المتجبّـرين وطغيان الطغاة البغاة العتاة ،
والاستهانة بالقوة الماديّـة التي تملك أن تتسلّط على الأجسام والرقاب ، وتعجز
عن استذلال القلوب والأرواح !
ومتى عجزت القوة الماديّـة عن استذلال القلوب فقد ولدت الحريّـة الحقيقيّـة في
هذه القلوب !
إنه موقف حاسم في تاريخ البشريّـة ، بإعلان إفلاس المادة بكل صورها وأشكالها
!
نبصر ذلك حين نتصوّر هذه القـلّة التي كانت منذ لحظة تسأل فرعون الأجر على
الفوز ، وتُمنّى بالقرب من السلطان ، هي ذاتها التي تستعلي على فرعون ، وتستهين
بالتهديد والوعيد ، وتقبل صابرة محتسبة على التنكيل والتصليب
!
وما تغيّـر في حياتها شيء .. ولا تغيّـر من حولها شيء .. إنما وقعت اللمسة
الإيمانيّـة التي تجمع الذرة التائهة إلى المحور الثابت ، وتصل الفرد الفاني
بقوة الأزل والأبد !
وقعت اللمسة التي تجعل الجَـنان يلتقط إيقاعات القدرة ، وتجعل الضمير يتسمّـع
أصداء الهداية ، وتجعل البصيرة تتلقّـى إشراقات النور
!
وقعت اللمسة التي لا تنـتظر أيّ تغيير في الواقع المادي بكل صوره وأشكاله ،
ولكنها هي التي تغيّـر الواقع المادي .. وترفع الإنسان في عالم الواقع والسلوك
إلى الآفاق التي لم يكن يطمح إليها الخيال ، ويذهب
التهديد ، ويتلاشى الوعيد ، ويمضي المؤمن في طريقه ، لا يتلفت ولا يتردّد ، ولا
يحيد !
انتصار العقيدة على الحياة :
ونقف أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان هؤلاء يمثل خطراً على نظام فرعون
وملئه ، لتعارض القاعدة التي يقوم عليها الإيمان ،
مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك الكفران
!
إنه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع الدعوة إلى الله ربّ العالمين ، وهم
إنما يقوم ملكهم على تنحية ربوبيّـة الله للعباد بتنحية شريعته ، وإقامة أنفسهم
أرباباً من دون الله !
إنهما منهجان لا يجتمعان ، ومن ثم فزع فرعون وملؤه
من دعوة موسى عليه السلام إلى ربّ العالمين ، وأولى بهم أن يفزعوا الآن ، وقد
ألقي السحرة ساجدين مؤمنين في يوم العيد!
ونذكر مرة من بعد مرة موقف إدراك الذين كانوا سحرة ، بعد أن أشرق نور الإيمان
في قلوبهم ، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم ، لندرك أن المعركة بينهم وبين فرعون
وملئه هي معركة العقيدة ، وأنه لا ينقم منهم إلا أنهم آمنوا بربّ العالمين ،
لأن هذا الإيمان على هذا النحو هو الذي يهدّد عرش فرعون وملكه وسلطانه ، ويهدّد
مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمدّ من سلطان فرعون
!
وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروريّ لكل من يتصدّى للدعوة إلى
الله ، فهو وحده الذي أهلّ هؤلاء المؤمنين
للاستهانة بما يلقونه في سبيل الله !
إنهم يقدمون على الموت مستهينين ، ليقينهم بأنه
الطريق إلى الحياة المباركة الطيّـبة ، وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق
الدعوة إلى الله – على ما ينتظرهم من التعذيب والتنكيل – إلا بمثل هذا اليقين
!
إنها لروعة باهرة لانتصار العقيدة على الحياة ، وانتصار العزيمة على الألم ،
وانتصار الإيمان على الكفران ، وانتصار اليقين على الطغيان
!
حقًّـا ،
إنه انتصار العقيدة ، واستعلاء الإيمان ، وهذا يمثل ثبات المؤمن على الحق ،
ويمثل الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن وتصوره وتقديره
للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء !
يمثل حالة الاستعلاء التي يجب أن تستقر عليها نفس المؤمن إزاء كل
شيء ، وكل وضع ، وكل قيمة ، وكل مخلوق
!
الاستعلاء
بالإيمان وقيمه على جميع القيم المنبثـقة من أصل غير أصل الإيمان
!
الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان ،
وعلى قيم الأرض التي لم تنبثـق من أصل الإيمان ، وعلى تقاليد الأرض التي لم
يصنعها الإيمان !
الاستعلاء مع ضعف القوة الماديّـة وقلة العدد كالاستعلاء مع القوة والكثرة
والغنى سواء !
الاستعلاء الذي لا يتهاوى أمام قوة باغية ،
وجاهليّـة طاغية !
والاستعلاء بالإيمان ليس مجرد عزمة واحدة ، ولا
نخوة دافعة ، ولا حماسة فائرة، إنما هو الاستعلاء القائم على الحق الثابت
المركوز في هذا الوجود .. الحق الباقي وراء منطق القوة ، وتصوّر البيئة ،
واصطلاح المجتمع ، وتعارف الناس ، لأنه موصول بالله الحيّ الذي لا يموت!
هذا ،
وللمجتمع منطقه السائد ، وعرفه العام ، وضغطه الساحق ، ووزنه الثـقيل ، على من
ليس يحتمي منه بركن ركين ، وعلى من يواجهه بلا سند متين
!
وللتصورات السائدة ، والأفكار الشائعة ، إيحاؤهما
الذي يصعب التخلّص منه بغير الاستقرار على حقيقة تصغر في ظلّها تلك التصوّرات
والأفكار !
تتمثّـل هذه الحقيقة في الاستمداد من مصدر أعلى من مصدرها
، وأكبر وأقوى !
ومعلوم أن الذي يقف في وجه الجاهليّـة يشعر بالغربة ،
كما يشعر بالقوة ، ما دام يستند إلى سند أقوى من الناس ، وأثبت من الأرض ،
وأكرم من الحياة !
والله عزّ وجلّ لا يترك المؤمن وحيداً يواجه الضغوط ، وينوء به الثقل ، ويهدّه
الوهن والحزن، ومن ثم يجيء هذا التوجيه :
(وَلاَ
تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
) !
(آية
139 سورة آل عمران)
يجيء هذا التوجيه ليواجه الوهن والحزن .. وهما الشعوران
المباشران اللذان يساوران النفس في هذا المقام .. يواجههما بالاستعلاء ،
لا بمجرد الصبر والثبات !
الاستعلاء الذي ينظر من قمته السامقة الشامخة إلى القوى الطاغية ، والقيم
السائدة، والتصورات الشائعة ، والاعتبارات والأوضاع والتقاليد والعادات التي
تخالف منهج الحق ، والجماهير المتجمعة على الضلال ، كـتلك التي تجمعت حول فرعون
!
ونبصر المؤمن أعلى سنداً ومصدرًا ، لأنه يتلقّـى من
الله ، وإلى الحق يرجع ، وعلى نهجه يسير
!
ما تكون كل هذه ، والمؤمن أعلى إدراكاً وتصوراً
لحقيقة الوجود ؟!
وحين تقاس هذه الصورة المشرقة الواضحة الجميلة المتناسقة إلى ذلك الركام وهذا
التيه ، تتجلّى عظمة العقيدة الإسلاميّـة
!
وما من شك أن الذين يعرفون هذه الحقيقة هم الأعلون
على كل ما هنالك ، وأن المؤمن أعلى تصوّرًا للقيم والموازين التي توزن بها
الحياة الدنيا .. ومن ثم نبصر المؤمن أعلى ضميراً وشعوراً ، وخُلقاً وسلوكاً ،
وأن عقيدته في الله موحية بالرفعة والنظافة والطهارة والعفة والتقوى والعمل
الصالح ، والخلافة الرائدة ، فضلاً عن إيحاء الجزاء في الآخرة .. الجزاء الذي
تهون أمامه متاعب الحياة الدنيا وآلامها جميعاً ، ويطمئن إليه ضمير المؤمن ،
ولو خرج من الحياة الدنيا بغير نصيب ، فهو يرجو الله واليوم الآخر
!