مجلة العالمية
| د. طارق السويدان: نهضة الأمة تتطلب غرس روح التحدي والتحليل والإبداع في نفوس المسلمين أزمات الأمة ومعوقات النهوض تتمثل في أربع أزمات هي أزمة الهوية والفاعلية والتخلف وأزمة القيادة |  |
مهدي عبدالستار:
حدد الداعية الاسلامي الدكتور طارق السويدان أزمات الأمة ومعوقات النهوض في أربع أزمات هي أزمة الهوية والفاعلية والتخلف وأزمة القيادة وقال إن مناهجنا التعليمية قمة في التخلف وتكرس المأساة الحضارية التي تعيشها أمتنا، مؤكدا انه مع تغيير المناهج بما يناسب التطور لا كما يريد الغرب. وبين د. السويدان أن فساد الإعلام والتعليم جزء من مشكلات الأمة، موضحا أنه أحصى عدد المحطات الفضائية العربية التي تتخصص في الرقص فوجدها 46 محطة كلها تعرض العري والتفسخ، وتساءل مستنكرا: فهل الأمة لن تنهض إلا بالرقص؟ وماذا ستقدم هذه الفضائيات لنهضة الأمة؟
وطالب السويدان بإزالة الفكر المتخلف المبني على عقلية الهدم والصدام، لأن ذلك لن يزيد الأمة إلا تخلفا.
وحمَّل السويدان 400 سنة من التاريخ مسؤولية التخلف التي تعيشها الأمة وقال: أنا لم أوجد المشكلة لكنني ولدت فيها ودوري الآن كيفية الخروج والتخلص من موروث سنوات التخلف الطويلة.
وأوضح أن عريضة العلماء التي وجهوها للبابا وكان أحد الموقعين عليها كانت تبرئة للذمة ودعوة للحوار على منهج القرآن وتأكيد السلام الذي يدعو اليه الإسلام، مبينا ان كثيرا من المفاهيم محيت من قاموس البشرية كعقلية التصادم والفتح والاقتحام والرق وغيرها.
كثير من القضايا التي تناولها المفكر الاسلامي د. طارق السويدان في حواره.
بداية بعد قراءاتك لتاريخ الأمة ومعاصرتك للمرحلة الراهنة.. في اعتقادك ما أهم المعوقات التي تحول بين الأمة ونهضتها لتمارس دورها في الريادة والقيادة لشعوب الأرض كما كانت من قبل؟
- إن الأمة تعاني أربع أزمات رئيسة تعوق نهضتها وقيامها من جديد: الأزمة الأولى هي أزمة الهوية.. نحن نريد أن نتطور نريد أن ننهض، وكثير من قادتنا وسياسيينا ورموز المجتمعات للأسف يظنون أن النهضة من تقليد الغرب في الوقت الذي يظن فيه الاسلاميون أن النهضة لا تكون إلا بالرجوع الى الماضي، وكلاهما لن ينهض بنا، لأن الرجوع للماضي فقط لن يجعلنا نعاصر الحياة ولا نعيش الواقع من تقنيات وتطور اداري وتكنولوجيا حديثة وصلت اليها البشرية، ويجب أن نبدأ فيها من حيث انتهى الآخرون، وايضا تقليدنا للغرب سيفقدنا هويتنا ويكون حالنا كحال الحمامة التي حاولت تقليد مشية الغراب، ومن هنا استطيع القول إن أزمتنا الأولى هي أزمة هوية بالدرجة الأولى ولا يمكن التغلب عليها إلا إذا أدركنا كيفية التطوير والابداع مع المحافظة على الأصالة والثوابت في ديننا.
أزمــة الفـاعليـة

الأزمة الثانية التي نواجهها هي أزمة الفاعلية، والواقع يؤكد أن أمتنا غير فاعلة لا على مستوى الفرد ولا على مستوى المجتمع ولا على مستوى المؤسسات، حتى أننا وجدنا أن انتاجية الفرد المسلم خصوصا في القطاع الحكومي في دول الخليج وفق إحدى الدراسات لا تتجاوز الربع ساعة في يوم العمل الكامل، واذا حسبنا حجم البطالة المقنعة في مؤسساتنا الرسمية فسنجد أن لدينا مشكلة كبيرة، والمعضلة الآن: كيف نحول القطاع الحكومي إلى قطاع فعال؟ وكيف نجعل من الانسان العاطل فردا منتجا له مكانته؟ وكيف نصل الى اقتناع بأن العمل الذي يتطلب شخصا واحد لا نجعل معه عشرين شخصا كلهم محسوب عليه؟ وهذا جزء من الأزمة الرئيسة التي تواجهنا.
أزمــة التخـــلف
ولابد من تغيير مناهج التعليم بما
يناسب التطور لا كما يريد الغرب
الأزمة الثالثة التي نعيشها هي أزمة التخلف، نحن نستعمل طرقا وأدوات في أعمالنا اليومية قمة في التخلف والرجعية في الواقع، فمثلا، مناهج التعليم عندنا متخلفة عن المناهج في العالم بأكثر من عشرين سنة للوراء، التكنولوجيا المستعملة لدينا نحصل عليها بعد أن تنتهي الدول المتقدمة منها، وتحاول التخلص منها فنحصل عليها لنعيش واقعنا المتخلف عن العالم، ويظهر ذلك جليا في القطاع العسكري، ولا يمكن أن تقوم أمة وتنهض، وهي تستخدم هذه الأدوات المتخلفة! وغيرها يمتلك التكنولوجيا المتطورة.
أزمة القيادة
الأزمة الرابعة التي تعيشها الأمة هي أزمة القيادة ولا أعني بذلك القيادة السياسية فقط، بل أعني القيادة في كل قطاعات الحياة السياسية والعسكرية والفكرية والعلمية والادارية والصحية، وكثير منا يتكلم عن الأزمة القيادية، وعن الديكتاتورية، وهو يمارس الديكتاتورية كل يوم في بيته، وفي عمله وشركته ووزارته، ولن ننهض إلا بالشورى وإطلاق الطاقات الابداعية عند الناس حتى تنتج، وتعمل وهذه أربع أزمات رئيسة يتبعها بعد ذلك أزمات فرعية تتوالد عنها، أهمها أزمة الاعلام وأزمة التعليم.
وأزمة التعليم واضحة وضوح الشمس في مخرجات التعليم وأدواته، سواء كان المعلم أو الطالب أو المنهج، وهذا يدل على حجم المأساة التعليمية التي تعيشها الأمة، والدليل على ذلك هذه المخرجات السيئة التي نراها، والتعليم العربي عندما يقاس عالميا في آخر التقارير العالمية عن التعليم تأتي أول دولة عربية وهي لبنان لتحتل المرتبة 31، وهذا يدل على حجم كارثة التعليم في بلادنا وفي أمتنا.
أما أزمة الاعلام فحدث ولا حرج، فلقد أحصيت عدد المحطات الفضائية الاعلامية العربية فوجدت ان لدينا 46 قناة عربية متخصصة في تقديم الرقص! فبالله عليك ماذا تقدم هذه القنوات لنهضة الأمة؟ وهل الأمة ستنهض بالرقص؟ وهل لو زيد عدد هذه القنوات لـ 120 قناة لتقديم الرقص فما الذي ستضيفه إلى الأمة؟ وهذا مؤشر خطير على أزمة الإعلام التي تعيشها الأمة بجانب أخواتها من الأزمات.
قضية المناهج
مناهجنا التعليمية قمة في التخلف
وتكرس المأساة الحضارية التي تعيشها أمتنا
مادمت تحدثت يا دكتور عن أزمة التعليم فأنت أدرى بما يدور في الدهاليز اليوم عن تغيير المناهج، فما قراءتك لقضية التغيير؟
مشكلة تغيير المناهج لدينا ذات شقين: هناك فريق رافض بالكلية لمسألة التغيير، لأن الدعوة اليه جاءت من الغرب، وخصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر، وأنا شخصيا لا أنظر بهذه النظرة، لأننا في حاجة فعلية إلى التغيير سواء كانت الدعوة اليه آتية من الشرق أو الغرب، ولا يهمني ذلك، لأن المهم عندي كيف نطور فعلا مناهجنا؟ وكيف نغيرها في الاتجاه الصحيح؟ ولهذا فأنا مع تغيير المناهج وتطويرها حتى منهج التعليم الديني، ولكن ليس في الاتجاه الذي دعا اليه الغرب الذي يفقدنا هويتنا، ويفقدنا حتى مفهوم الصراع الحضاري اليوم، ويريدون ان يزيلوا كل ما يتعلق بصراعنا مع اليهود، وهذا همهم فقط، وأن أنظر نظرة مختلفة للتغيير، فأنا أريد أن أكسر الهوية العربية في المناهج، ولمعرفة من هم الخصوم الحقيقيون وأين نحن؟ نريد تغيير المناهج الدينية لتكون أكثر استيعابا للواقع الذي تعيشه الأمة اليوم، وتكون أكثر تقنية وأكثر شمولية، ولهذا فأنا اطالب بتغيير المناهج، ولكن بما يناسبنا نحن لا كما يريد الغرب.
تغيير منهج الدين
شدد على ضرورة تضافر جهود المشتغلين
في الحقل الإسلامي لخدمة الدعوة
لكن هذه الدعوة لاقت صدى وخطوات ملموسة في الاتجاه الذي يتخوف منه الفريق الرافض لمبدأ التغيير، ولم يتغير في مناهجنا سوى المناهج الدينية؟
- على كل حال خصومنا يتحركون ويخططون، وأنا دائما أقول هذا من حقهم ويبقى السؤال: هم فعلوا ما فيه مصلحتهم، والآن دورنا في أن نفعل ما فيه مصلحتنا؟ ومن مصلحتنا التغيير لكن السؤال هو.. كيف؟ لكن للأسف ما حدث فعلا، كما تفضلت أن التغيير جاء على مناهج الدين، وليس على المناهج الأخرى، وهذا خطأ جذري، ولكن لا يمنع هذا أن نبحث عن وسائل التطوير لمناهج الدين، ومن حقنا أن نبحث على أدوات ووسائل التطوير بما يخدم قضايا أمتنا.
الخطاب الديني
هل دعوتك إلى تغيير المناهج الدينية تتطلب دعوة إلى تغيير لغة الخطاب الديني؟
- طبعا.. فالخطاب الديني فيه مشكلتان الأولى في المضمون، والثانية في الشكل، أما مشكلة المضمون في الخطاب الديني فهي أنه روتيني متكرر، ويركز على قضايا مثيرة للجدل، بل ويركز على قضايا الترهيب أكثر من الترغيب وعذاب القبر وإغفال ما فيه من نعيم.
وأذكر أنني كنت في محاضرة بالمملكة العربية السعودية، وكنت أتحدث عن نعيم القبر، فقامت إحدى الأخوات مستغربة وهي تقول: هل في القبر شيء اسمه النعيم؟ لأن العقلية بُرمجت على ان القبر ليس فيه الا العذاب والنار والعقاب، وهذا من أخطاء الخطاب الذي ركز على العذاب ونسي النعيم، ولا أدل على رداءة الخطاب الديني في مضمونه من احصاءات مبيعات الكتب في معارض الكتاب الإسلامي والتي أكثرها مبيعا كتب السحر وتفسير الأحلام والشعوذة ونحوها. والعلماء روجوا لهذا، وعندما يعارضونها تكون بصورة متدرجة لها لا لتفنيدها، وبالتالي نحتاج الى خطاب يركز على الرحمة والتحبيب في الدين. وأذكر اني منذ سنوات طويلة لم أسمع خطيب جمعة تحدث عن نعيم الجنة أو فضل أهل البيت، وحتى القضايا الموسمية في الخطاب الديني كالهجرة وغيرها لا يوجد في حديثهم عنها تشويق، بل هو خطاب متكرر ممل.
اما عن مشكلة الشكل فلدينا كثير من الخطباء لا يعرفون الا العبوس والغضب في الخطاب، وعندما رجعت من أميركا وقدمت برنامجا في التلفزيون الكويتي حدثتني إحدي الأخوات لتشكرني، قائلة: اشكرك على حديثك وانت تبتسم، وكان هذا قبل ظهور عدد من الدعاة كعمرو خالد وغيره. ويظن البعض ان المتحدث في الدين يجب ان يكون بعيدا عن الأناقة واللياقة، وهذا يخالف الاسلام، فنحن في حاجة الى البسمة وإعادة تشكيل نظرة الناس إلى العلماء وطلبة العلم، وأذكر كلمة شيخنا الشيخ محمد الغزالي الذي قال: «لقد آن لعلماء الدين ان يتفننوا، وآن لرجال الفن ان يتدينوا».
جناحا الدعوة
لكن الحديث عن الترغيب والترهيب لا بد ان يكون متزامنا، لأنهما جناحا الدعوة، والتركيز على أحدهما دون الآخر قد يخل بأصول الخطاب؟
- نعم كلامك صحيح، فالترغيب والترهيب هما جناحا الدعوة، لكننا منذ سنوات طويلة ركزنا على الترهيب، بينما غاب الترغيب عن الخطاب.
الانغماس في المادية
لكن قد يكون ذلك سببه الانغماس في المادية التي عمت الناس في المجتمعات؟
- صحيح، لكنني أقول لك إنني، من خلال تجربتي الدعوية، استنتجت شيئا: اقبال الناس على الترغيب يؤتي ثمارا أضعاف اضعاف ما يأتي من الترهيب، وبالتالي نحن في حاجة الى إعادة التوازن الى جناحي الدعوة مثلما تفضلت، لأن دهورا طويلة مرت كان الحديث فيها يدور حول طرف دون الآخر، وبالتالي من خلال التجربة فإن الترهيب يؤثر في الناس ويستقطبهم أكثر، فإذا تحدثت عن المغفرة والرحمة انفتحت امام الناس أبواب الرجاء، واذا ركزت على العذاب قد أكون مُيئِّسا للناس أو صادا لهم عن الرجوع الى الله عز وجل، ومن ثم التوازن ليس معناه التشويه، لأن أبواب الرجاء أكثر بكثير من أبواب العذاب في الدين.
ضعف الإنتاجية
تتحدث عن ضعف إنتاجية الفرد في العالم العربي.. ترى ما أسبابها؟
- السبب الأول في كل الأزمات التي عندنا هو التاريخ، فقد ورثنا 400 سنة من التخلف منذ 997 هجرية بالضبط، عندما فشل العثمانيون في حصار فيينا، ولي كتاب تحت الطبع عن «الإسلام.. التاريخ المصور».
ووجدت بعد الدراسة والتحليل ان هذا العام 997 هـ هو البداية الحقيقية للانهيار، حيث كان قبلها علماء أفذاذ وقادة كبار، وبعدها اختفت ظاهرة العلماء، بل كانوا نادرين في الأمة بعد هذا التاريخ، وظلت الأمة على هذه الحال حتى سقطت الخلافة عام 1924، وامتد السقوط حتى كانت كارثة 1967، فكانت الضربة القاضية للأمة، وبعد هذا التاريخ لاحظت اننا بدأنا في النهوض من جديد بعد فترة طويلة من التحذير تخللها الاستعمار، وقبله فترة التخلف العثماني، رغم انهم عاشوا فترة مجد طويلة، لكنهم لما تخاذلوا وانتهجوا الشعوبية ضد العرب، ولم يستفيدوا منهم كطاقة ومادة للإسلام جاءت حقبة الاستعمار فكانت الكارثة الكبرى، فهذا التخلف التاريخي الذي ورثناه أوجد مجموعة من القادة عديمي الهوية أو ممسوخي الهوية وأتباعا للغرب وليس عندهم شيء من العلم الشرعي ولا الحرص على تطوير الأمة، وانما الحرص على مصالحهم الشخصية، وتجمعت كل هذه الأسباب وأنتجت أزمة هوية وأزمة قيادة وأزمة فاعلية وأزمة تقدم، فالتاريخ هو جزء أساسي من مشكلتنا، وان كنت دائما أقول: انا لست جزءا من المشكلة انما ولدت وسط المشكلة والأمة متخلفة، ولهذا دوري الآن كيف أكون جزءا من حل المشكلة ولو بشيء قليل، ودائما أركز في نشر الفكر، رغم ان ادواته محدودة لكنها دائما فعالة في التغيير، وأهم هذه الأدوات الإعلام والتعليم، وتدخل ضمنها الكتب والأشرطة والمحاضرات والسيديهات والندوات والمحاضرات، وكل هذه أدوات يمكن استخدامها في التغيير والنهوض.
والأمة اليوم اذا أرادت النهوض، فعليها ان تعيد تشكيل الفكر الذي يغرس العزة ويجعل الطالب يتمتع بتقنية عالية وتغرس فيه روح التحدي والتحليل والإبداع، وإذا تمكنا من الوصول الى هذه المرحلة، يمكننا ساعتها تغيير المعادلة والسير الصحيح في طريق النهوض.
الضغط العالمي
هل تعتقد أنه سيسمح لدولة إسلامية بأن تنهض وتتمكن من النهوض في ظل حالة الضغط العالمي؟
- طبعا وغصبا عنهم سيسمح! والدليل على ذلك ماليزيا، التي كانت دولة متخلفة ومن دول العالم الثالث وهي اسلامية، واستطاعت خلال عشر سنوات فقط من عام 1985 حتى 1995 ان تنهض وتكون من دول العالم الثاني وأن تتحول الى دولة صناعية، بل وتصل لتكون عاشر دولة صناعية في العالم، وذلك خلال عشر سنوات فقط، ولم يمنعها أحد، وهذا يدلنا على انه لو وجدت القيادة التي تريد والشعب الراغب في النهوض لن يمنعنا أحد، ومن حقهم ان يخططوا ضدنا، ومن حقنا ان ننهض ونتقدم ولا نلقي أزماتنا على شماعة الغير، ونقول هم منعونا، فنحن الذين نحدد مصيرنا وبأيدينا.
دعوة البابا
لو سألناك عن رأيك في العريضة التي وجهها 138 عالما ومفكرا وداعية لبابا الفتايكان؟ وماذا يراد منها؟
- أنا كنت أحد المشاركين في العريضة التي وجهت للبابا، وكان المقصد منها أمرين: الأول تبرئة للذمة امام الله تعالى وأمام الناس بأننا مددنا يدنا بالحوار ورغبنا في السلام والتقارب، لأننا ادركنا ان عقلية الصدام، الفتح، الاقتحام انتهت من تاريخ البشرية وواقعها، ويجب ان نحترم ذلك في البشرية، فمثلا قضية الرق انتهت الآن، فلم يعد في العالم رق بالمعنى الذي كان معهودا، وللأسف ترى بعض علمائنا يتحدثون عنه الى الآن! فعندنا الروح الإسلامية التي تدعو الى إلغاء الرق، وفي الشريعة كذلك توجد بها كثير من النصوص التي تساهم في القضاء على الرق، ولا نريد ان نثبت الرق، بل نريد ان نلغيه، فإذا أنهت البشرية هذا الرق بنا أو بغيرنا ويجب ان نؤيده، كذلك الاسلام يدعو الى السلام والحوار وفتح الأبواب للدعاة، ولو فتحت الأبواب امام الدعاة فلسنا بحاجة الى الحرب، والعالم اليوم مفتوح فضائيا، وتستطيع ان تصل لأي مجتمع وتوصل دعوتك بكل سهولة، فتأتي انت الآن لتتحدث عن الفتح والحرب.. لا، فأنت تستطيع ان تفتح العالم بالدعوة لا بالسيف، ونحن اقتنعنا بهذا، فما السبيل؟ السبيل ان توجه لهم دعوة القرآن: «تعالوا إلى كلمة سواء» لتثبيت المفاهيم الغائبة ومنها الاحترام المتبادل، الدعوة الى الحوار، الشعور بإنسانية كل انسان، استخدام الحجة والبرهان والدليل لإثبات الحق، وفي الوقت نفسه احترام خصوصية كل فرد. وفي النهاية دعا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ نصارى نجران ولم يؤمنوا وتركهم رغم انه استقبلهم اسبوعا كاملا في مسجده ووضع لهم ضوابط للحوار وباتوا داخل مسجده النبوي الشريف وهم نصارى، حتى يروا ويشاهدوا شرائع الإسلام بصورة عملية، واليوم تسيطر علينا عقلية العداء وليست هذه عقلية الاسلام؛ لأنه يقول «اعرض ما عندك واترك الناس لتختار»، وإذا لم يسلم هذا أو ذاك فعلى الأقل انك أوصلت اليه رسالتك لتقام عليه الحجة أمام الله تعالى، وأعتقد ان الاسلام أقوى وحجة الله بالغة، وبالتالي لا نخاف من أحد.
أوروبا المسلمة
تقارير صحافية تحدثت عن زيادة عدد المسلمين في أوروبا ليكونوا أغلبية في عام 2050 ميلادية، فهل ترى ان ذلك سيكون في مصلحة الأمة؟
لا شك ان ذلك سيثري جانبا من جوانب الأمة، ولكن نحن نعاني مشكلة، وهي التفريق بين الكم والكيف، والعبرة لا تكون في الكم وإنما في الكيف، فنحن أكثر من مليار ونصف المليار، ولكن ما هو أثرهم في دنيا الناس؟ فالعبرة ليست بالعدد، إنما بالفاعلية، سنغافورة كم عدد سكانها؟ لكن كم فاعليتها؟ هذا هو الفرق، اليابان لا تملك أي موارد مالية أو مادية اطلاقا، وكانت دولة محطمة مدمرة عام 1945 وفي عام 1965 أصبحت من قادة الدول الصناعية في العالم، وقس على ذلك ألمانيا، فماذا يملك اليابانيون والألمان مما لا نملكه نحن؟ فأنا لا يهمني الكم بقدر ما يهمني الكيف، والسؤال الذي يجب ان يطرح نفسه هو: كم جائزة نوبل أخذنا؟ كم هو احترام العالم لنا؟
هل نضع احذيتنا في الأماكن المخصصة للأحذية في المساجد؟ وما نشاهده اليوم مثال على الكسل والفوضى اللذين تعيشهما الاغلبية منا، وما نشاهده من منظر الأحذية في المساجد مثال على الفوضى التي يعيشها بعض المتدينين منا؟ وإذا كان هذا في الصفوة فكيف بالباقين؟ هذا هو الذي نتكلم عنه، ويهمني الحضارة التي ينتجها المجتمع.
التيارات الإسلامية
مادمت تتحدث عن المتدينين، فماذا ترى في تعدد التيارات الإسلامية العاملة على الساحة؟ وهل هذا التعدد يخدم الدعوة أم يشكل عائقا أمام الدعوة؟
- التيارات الإسلامية إذا تعاملت بعقلية التكامل فهذا يخدم الدعوة، أما اذا تعاملت بعقلية التخالف فهذه مصيبة على الدعوة، واما التعدد والتنوع كأن تكون إحدى الجماعات تهتم بالعلم الشرعي وتصفية العقيدة، فهذا شيء جميل، واخرى تهتم بالدعوة وتبليغها للناس ونشرها بين ابناء المجتمع، فهذا شيء جميل ايضا، وغيرها تهتم بالإعلام والتعليم والفكر فهذا شيء رائع، وليس شرطا ان كل تيار او جماعة تقوم هي بكل شيء وهذا غير ممكن ولن يحقق نتيجة، التخصص هو الذي يحقق النتائج، لكن التخصص الذي يحترم العاقل ويتعاون مع الآخر، فأنا اليوم أقود قناة الرسالة واتعاون مع محطة اقرأ واحب القنوات الاخرى المنافسة في المجال نفسه، وادعو لها واتمنى لها الخير وعلاقتي بها علاقة طيبة ورائعة، هذا التنافس المحمود الذي لا يمنع من التكامل والحرص على ان يطور كل منا الآخر، ولكن متى حقد بعضنا على بعض وحاول كل منا تدمير الآخر فستكون عندنا مشكلة ومشكلة كبيرة، واقول لك وانا كنت في بداية مشواري الدعوي كنت حريصا على ان اعمل لوحدة هذه الجماعات وانا اليوم لا احب ان اعمل لهذه الوحدة الآن!
ولماذا؟
- لأننا لسنا بحاجة الى هذا اليوم، فنحن نحتاج الى ان نعمل في مجالات مختلفة ومتخصصة ومتنوعة لنثري مجتمعاتنا، نحن محتاجون الى ان نزيل من فكرنا وفكرهم عقلية الهدم والصدام، ومن ثم فإن توزيع الطاقات واختلاف التخصصات شيء رائع وجميل، والوحدة تعني اننا نعمل بعقلية واحدة، وطريقة واحدة وبالتالي الابداع سيختفي وسيكون التخصص اقل، فدعونا نشكل ونعمل بواقعية، دعونا لا نفكر بعقلية التوحيد ونعمل بعقلية التكامل.
الفوضى
الا يؤدي ذلك الى نوع من الفوضى؟
- لا .. لا إذا عمل كل في مجاله، فكنت في السابق اشتغل في السياسة والبورصة والدعوة، وكنت مشتتا ولما ركزت على الفكر والدعوة زادت انتاجيتي اضعاف اضعاف ما كنت عليه في السابق، ورأينا ذلك مع إخواننا الذين عملوا في المجال الاقتصادي ابدعوا واجادوا في هذا المجال وانتجوا الشركات الاقتصادية والاستثمارية وبدأوا يسيطرون على السوق بشرط الا يهدم احدهم الآخر، ويحترم كل منهم تخصصه فهم يدعمون العمل الخيري ولا يعملون فيه لان هناك جمعيات متخصصة في هذا المجال، والامة اليوم بحاجة الى هذا التنوع لا كما كنا نتصور من قبل في العقلية القديمة ان جماعة واحدة تمسك بكل شيء وتخطط لكل شيء فلماذا؟
دعوا الناس ينطلقوا في اعمالهم وتخصصاتهم بحرية وانطلاق عندها سنبدع أكثر لكن بشرط ان يحب بعضنا بعضا.
النقد الجارح
كيف ترى آفة النقد الجارح التي توجه لرموز الدعوة الإسلامية؟
- رموز الدعوة يجب ان تكون قلوبهم واسعة وصدورهم رحبة والا يضيقوا ذرعا بالنقد، بل يجب عليهم ان يسمعوا ويراجعوا انفسهم لان العصمة لا تكون الا للأنبياء والرسل، بل يجب ان يفرحوا بالنقد لانه لولا وجود خلل لما وجد النقد ومن ثم يكون هذا تنبيها لهم على هذا الخلل ليسدوه، وانا شخصيا اشكر كل من يوجه الي نقدا، وافرح عندما اجد من ينتقدني.
رسائل للحكام والعلماء والشباب
- رسالتي الأولى اوجهها لحكام المسلمين، وقد عاشت الأمة في فترة الستينات والخمسينات بحكام لا سلطان لهم فإما كانوا موالين للغرب واما كانوا مزروعين او موجهين وبالتالي لم يكن لهم سلطان.
اما اليوم فقد اصبح لنا شيء من الاستقلالية واقول لهم: انكم تستطيعون ان تطوروا بلادكم فانظروا الى التجربة الماليزية واقتدوا بها، ولا يوجد احد يمنعكم من التطوير في بلادكم، فالتطوير الحقيقي ليس في العمران والبنيان فقط فأنا سعيد بما يحدث من عمران في دبي والكويت، لكن ارجو ان اكون واضحا، وان الحضارة شيء والمدنية شيء آخر، فالمدنية هي الاشكال والمباني والشوارع والرفاهية، اما الحضارة فهي الفكر والهوية اساسا والرسول صلى الله عليه وسلم عندما انتقل الى الرفيق الاعلى ترك في المدينة ماذا؟ ترك رجالا يحملون فكرا وهوية وهمة ولم يترك شوارع ولا بنيانا ولا غيرها، ولهذا اقول لحكام المسلمين، ركزوا على بناء الانسان، وعندكم امكانات جبارة في بلادكم واتمنى لكل بلد، وبالذات الكويت، عندها القدرات العقلية والمالية ان تفكر في خطة استراتيجية في عشر سنوات فقط لتحدث نهضة في التعليم والاعلام والصناعة والحضارة التي يمكن ان تنهض بالامة، والتجربة الماليزية خير شاهد على كلامي.
رسالتي الثانية للعلماء والدعاة اقول لهم: الأمة تنهض بالحكام والعلماء والناس يتبعون العلماء اكثر من الحكام، ومهما كان الانسان فاجرا عندما يقع في امر يخص الدين يلجأ للعالم والداعية، ولهذا اقول لهم كونوا قدوة وانهضوا بخطابكم مضمونا وشكلا، واحرصوا على النزول في الميدان فكثير من الدعاة يجلسون في المساجد ويكتفون بخطبة الجمعة، وهم عليهم مسؤولية كبيرة في النزول للميدان والوصول الى رجل الشارع ليستفيد من علمهم، ونريد لهذه الظاهرة أن تنتشر بسواعد المخلصين.
الرسالة الثالثة للشباب فأنتم امل الأمة، وأنا مطمئن اطمئنانا شديدا ان الامة على عام 2030 ستكون بلغت مبلغا في النهضة كبيرا وتنافس دولا كبرى، ولهذا فان الشاب الذي عمره اليوم 15 عاما سيكون عمره 40 يومها وسيكون هو القائد والمدير والامام، ولذا اقول لهم حصنوا انفسكم اليوم بالفكر والمهارات الحقيقية التي تؤهكلم لقيادة الأمة، لكن اهم ما في الأمر احرصوا على صفاء العقيدة واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم سلوكا لكم، ولتكن اخلاقكم راقية برسالة الإسلام.