مجلة العالمية
|
قـوة الإيمـان على لسان أرملة
الشهيد
الكرامة سياج من الصيانة والحصانة يعززه الدين في
قلوب المسلمين |
 |
|
د. سعد
المرصفي - أستاذ الحديث وعلومه |
الإنسان مستخلف في أرض الله، لينمّـي الحياة
ويرقّـيها، وليجعلها ناضرة بهيجة، ومن ثم يستمتع بجمالها ونضرتها، ويشكر الله
عزّ وجلّ على أنعمه التي آتاه! ولن يبلغ الإنسان من هذا شيئاً ، إذا كانت حياته
تنقضي في سبيل لقمة العيش، ولو كانت كافية، فكيف إذا قضى الحياة ولم يجد
الكفاية؟! والفرد هو اللبنة في بناء المجموع، وعضو مؤسّـس في العلاقات العامة،
فهل عرف هذا الفرد ما له في دستور الإسلام من منزل عزيز كريم؟!
كـرامـة مـثـلـثـة:
والكرامة التي يقرّرها الدّين القيّـم للشخصيّـة
الإسلاميّـة ليست مفردة - كما يقول المرحوم الدكتور دراز - ولكنها كرامة
مثـلّثـة : كـرامـة هـي عصمـة وحمـايـة !
وكـرامـة هـي عــزّة وسيـادة! وكـرامـة هـي
استحـقاق وجـدارة! وكرامـة يأخـذها الإنـسان من فطرتـه!
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ
عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)! (آية 70 سورة الإسراء)
لقد كرّم الله الناس بالعقل والعاطفة، وبالأشواق
الروحيّـة إلى ما هو أعلى من ضرورات الجسد، فإذا لم يتوافر لهم من ضرورات
الحياة ما يتيح لهم فسحة من الوقت والجهد لتلك الأشواق الروحيّـة، والمجالات
الفكريّـة، فـقد سلبوا ذلك التـكريم، وارتـكسوا إلى مرتبة الحيوان! لا.. بل إن
الحيوان ليجد طعامه وشرابه غالباً!وإن بعض الحيوانات ليختال ويقفز ويمرح!
وإن بعض الطيور ليغرّد ويسقسق فرحاً بالحياة، بعد
أن ينال كفايته من الطعام والشراب!
فما هو بإنسان، وما هو بكريم في ميزان الحق، ذلك
الذي تشغله ضرورات الطعام والشراب، عن التطلّع إلى مثل ما يناله الطير
والحيوان، فضلاً عما يجب للإنسان الذي كرّمه الله!
العـزّة صنو الإيمان:
وهذه الكرامة تتغذّى من
عقيدته: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)! (آية 8 سورة المنافقون)
وهنا نبصر تكريما هائلاً لا يكرمه إلا الله تبارك
وتعالى .. الله الذي جعل العزّة صنو الإيمان في القلب المؤمن .. العزة المستمدة
من عزّته تعالى .. العزّة التي لا تهون ولا تهن، ولا تنحني ولا تزايل القلب
المؤمن في أحرج اللحظات إلا أن يتضعضع فيه الإيمان، فإذا استقرّ الإيمان ورسخ
فالعزّة معه مستقرّة راسخة!
أما المنافقون فإنهم لا يتذوّقون هذه العزّة، ولا
يتصلون بمصدرها الأصيل!
وكرامة يستوجبها بعمله وسيرته :
(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا)! ( آية 19 سورة الأحقاف )
(وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)! (آية 3 سورة هود)
وأوسع هذه الكرامات وأعمقها وأقدمها وأدومها، تلك
الكرامة الأولى التي ينالها الفرد منذ ولادته، بل منذ تكوينه جنيناً في بطن أمه
.. كرامة لم يؤدّ لها ثمناً ماديّـاً ولا معنويّـاً!
إنها منحة الحق التي منحته فطرته، والتي جعلت كرامته وإنسانيّـته صنوين مقترنين في شريعة الإسلام!
حقيقة الكرامة:
ترى، ما حقيقة تلك الكرامة؟
إنها قبل كل شيء سياج من الصيانة والحصانة .. في ظل ظليل .. ينشره قانون الإسلام على كل إنسان:
ذكراً أو أنثى، أبيض أو أسود، ضعيفاً أو قويّـاً، فقيراً أو غنيّـاً، من أي ملة أو نحلة فرضت!
ظل ظليل، ينشره قانون الدّين القيّـم على كل فرد يصون به دمه أن يسفك، وعرضه أن ينتهك، وماله أن يُغتصب، ومسكنه أن يُقتحم، ونسبه أن يبدّ ل، ووطنه أن يخرج منه أو يزاحم عليه، وضميره أن يتحكّم فيه قسراً، وتعطّل حريّـته خداعاً ومكراً!
كل إنسان له في الدّين القيّـم قدسيّـة الإنسان! إنه في حمى محمي!وفي حرم محرم!
ولا يزال كذلك حتى ينتهك هو حرمة نفسه، وينتزع بيده هذا الستر المضروب عليه، بارتكابه جريمة ترفع عنه جانباً من تلك الحصانة!وهو بعد ذلك بريء حتى تـثبت جريمته!
وهو بعد ثـبوت جريمته لا يفقد حماية القانون كلها، لأن جنايته ستقدر بقدرها، ولأن عقوبته لن تجاوز حدّها!
وإن نزعت عنه الحجاب الذي مزّ قه هو فلن تنزع عنه الحجب الأخرى!
بهذه الكرامة يحمي الدّين القـيّـم أعداءه، كما يحمي أبناءه، وأولياءه!
إنه يحمي أعداءه في حياتهم، ويحميهم - أيضاً - بعد مماتـهم!
يحميهم في حياتهم فيحول دون قـتالهم إلا إذا بدأوا بالعـدوان!
ويحميهم في ميدان القتال نفسه، إذ يؤمّـنهم من النهب والسلب والغدر والاغتيال!
ويحميهم بعد موتهم، إذ يحرّم أجسادهم عن كل تشبيه أو تمثيل!
ولم لا؟ أليسوا أناسي؟! فلهم إذن كرامة الإنسان!
هذه الكرامة التي كرّم الله بها الإنسانيّـة في كل فرد من أفرادها، هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين بني آدم!
هذه الكرامة التي جعلها الدّين القيّـم درعاً واقياً يدرأ بها عن الإنسانيّـة نزوات الطغاة البغاة العتاة الجبّـارين، أينما وجدوا، هل أشعر هذا الدّين بها الضعفاء والمستضعفين؟!
إن الكرامة نفسها شيء .. والشعور بها شيء آخر .. والشعور القويّ شيء ثالث!
حسن جميل أن تقرّر الحق لأربابه ، وتوضّـح لهم معالمه!
وأحسن وأجمل أن تمهّـد لهم طريق حمايته، وأن تجعل صورته في نفوسهم شعلة متّـقدة تدفعهم للذبّ عنه، والاعتزاز به!
ترى، هل صنع الإسلام شيئاً لكي يغرس ذلك في نفوس الأفراد، ويوقد ناره في قلوبهم؟!
نعم. فالإسلام لم يكتف بأن عرّف كل فرد حقه نظريّـاً في هذه الحصانة الإنسانيّـة!
ولكنه أخذ يُهيب به أن يدافع عن هذا الحق، وطفق يحرّضه أشدّ التحريض على أن يقاتل دونه، وأن يضحّـي بنفسه في سبيله!
ألا فلنسمع ما رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله [:
امن قُـتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُـتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُـتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُـتل دون دمه فهو شهيدب!
فهل سمعت أقوى من هذا إلهاباً وتحريضاً؟!
بل لنستمع إلى كتاب الله حين ينعى على المستضعفين إخلادهم إلى الذل طمعاً في السلام، ورضاهم الهوان، خوفاً من فراق الأوطان:
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً)!
(آية 97-99 سورة النساء)
الهجرة من دار الشرك:
يروي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ناساً من المسلمين، كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين، على رسول الله، يأتي السهم يرمي به، فيُـصيب أحدَهم، فيقـتله، أو يُضرب فيُقـتل، فأنزل الله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)!
رواه الليث عن أبي الأسود، وتعدّدت الروايات في سبب النزول!
قال القرطبي: المراد جماعة من أهل مكة، كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي [ الإيمان به، فلما هاجر النبي [ أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتـتنوا!
وتلك الآيات تواجه حالة واقعيّـة بعد هجرة النبي [، وقيام الجماعة المسلمة .. وتسمّى هؤلاء القاعدين: (ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)!
بما أنهم حرموها الحياة في دار الإسلام .. تلك الحياة الرفيعة النظيفة .. الكريمة العفيفة .. الحرة الطليقة .. وألزموها الحياة في دار الكفر .. تلك الحياة الذليلة الخانسة، الضعيفة المضطهدة!
القرآن يعالج النفوس البشريّة
ويستجيش عناصر الخير
والمروءة والعزّة
ويطارد عوامل الضعف والشح والحرص والثـقلة
بيد أن التعبير القرآني يأتي في صورة ، ويصوّر في مشهد حيّ نابض بالحركة والحوار!
إنه يعالج نفوساً بشريّـة، ويهدف إلى استجاشة عناصر الخير والمروءة والعزّة فيها، وإلى مطاردة عوامل الضعف والشح، والحرص والثـقلة .. لذلك يرسم هذا المشهد!
إنه يصوّر حقيقة، ولكنه يستخدم هذه الحقيقة في موضعها أحسن استخدام، في علاج النفس البشريّـة!
ومشهد الاحتضار بذاته مشهد ترتجف له النفس البشريّـة، وتـتحفّز لتصوّر ما فيه.. وظهور الملائكة يزيد النفس ارتجافاً وتحفّـزاً وحساسية!
وهم - القاعدون - ظلموا أنفسهم .. وقد حضرت الملا ئكة لتتوفّـاهم، وهذا حالهم!
وهذا وحده كفيل بتحريك النفس وارتجافها .. إذ يكفي أن يتصوّر المرء نفسه، والملائكة تتوفّـاه، وهو ظالم لنفسه، وليس أمامه من فرصة أخرى لإنصاف نفسه، فهذه هي اللحظة الأخيرة!
ولكن الملائكة لا يتوفونهم في صمت، بل يقـلّبون ماضيهم، ويستنكرون أمرهم، ويسألونهم:
فيم أضاعوا أيامهم ولياليهم؟!
وماذا كان شغلهم وهمّـهم في الدنيا؟!
فإن شأنهم ضياع في ضياع، كأن لم يكن شغل إلى هذا الضياع!
ويجيـب المحتضرون، في لحظة الاحتضار، على هذا الاستـنكار، جواباً كله مذلـة، ويحسبونه معذرة، عل ما فيه من مذلة!
والملائكة لا يتركون هؤلاء المستضعفين .. بل يجبهونهم بالحقيقة الواقعة، ويؤنـّبونهم على عدم المحاولة، والفرصة قائمة .. فلم يكن العجز الحقيقي هو الذي يحملهم على قبول الذل والهوان، والفتنة عن الإيمان!
ويستثني من لا حيلة لهم في البقاء في دار الكفر والتعرض للفتـنة في الدين .. ويمضي هذا الحكم إلى آخر الزمان، متجاوزاً تلك الحالة الخاصة التي كان يواجهها النص في تاريخ معيّـن، وفي حالة معيّـنة!
ونعود إلى الحديث الذي معنا وهو يقرّر في جلاء ووضوح أن من قتل وهو يدافع عن ماله، وأهله، ودينه، ودمه، فهو شهيد!
نعود لنذكر ما جرى ويجري في كثير من بلاد المسلمين - وقد عايشت في واقع حياتي ما يعجز الخيال عن تصوّره، منذ أكثر من نصف قرن!
أرملة الشهيد تهدهد طفلها:
وصدق الشاعر وهو يقول تحت هذا العنوان، ونشرت - أيضاً - تحت عنوان (أغنية أم) : نم يا صغـيري إن هذا المهد يحـرسه الرجاء:
مـن مقـلة سهـرت لآلام تـثور مـع المسـاء فأصـوغها لحنـاً مقـاطعه تـأجّـج في الـدماء
أشـدو بأغنـيتي الحزيـنة ثـم يغلـبني البـكاء وأمـدّ كفّـي للسـماء لأستحـثّ خُـطى السـماء
نـم لا تـشـاركـني المـرارة والـمحـن فـلسـوف أرضعـك الجـــراح مـع اللـــبن
حتى أنــــال على يديك منى وهـبت لها الحياه يا من رآى الدنـيا ولكن لن يـرى فـيها أبــاه
سـتمر أعـوام طـوال في الأنـين وفـي العـذاب وأراك يا ولـدي قـويّ الخـطو موفـور الشـباب
تــأوي إلى أمٍّ محـطّمـة مغـضّـنة الإهـاب وهناك تسألني كـثيراً عن أبيك وكيف غـــــاب
هذا ســـؤال يا صغيري قد أعدّ له الجواب فـلئـن حيــــــيت فـسـوف أسـرده علـيـك
أو مــتّ فـانـظر مـن يُـسِـرُّ بـه إليـك فإذا عرفـت جريمـة الجاني وما اقـترفت يـــداه
فانـــثر على قـبري وقبر أبـيك شـيئاً من دمـاه لا تُـصغ يا ولــدي إلـى ما لفّـــقوه وردّدوه
من أنهـم قـاموا إلى الوطن الذلـيل فحـــرّروه لو كـان حقًّـا ذاك ما جــاروا عليه وكبّـــلوه
ولما رموا بالحـــرّ في كهـف العذاب ليقـتـلوه ولما مشوا للحـق فـي وهـج الســلاح فـأخرسوه
هــذا الــذي كـتبــوه مسـمـوم المــذاق لـم يـبـق مسـمـوعـاً ســـوى صـوت النـفاق
صـــوت الـذيـن يقـدّسون الفـرد من دون الإله ويـسبّـحون بحـــمده ويقـدّمـون لـه الصـلاه
لا تـرحـــــم الجانـي إذا ظفـرتْ به يوماً يداك فهـو الـذي جلب الشـقاء لنا ولم يـرحم أبـــاك
كم كان يهـوى أن يعـيش لكي يظـلَّل في حمــاك فـاطلب عدوّك لا يفُـتْـك تُرحْ فـؤادًا قد رعـــاك
هـذي منـاي وأمنـيات أبـيك فـاجعلـها مُـناك فــإذا بطـشْـت بــه فــذاك هــو الـثمـــن
ثـمـن الجــراحــات المـشـوبــة باللّـبن وهـناك أدرك يا صغيـري ما وهبْـتُ له الحـــياه
وأقـــول هـذا بنيّ ولم يـــر فـي طـفولـته أبـــاه