مجلة العالمية
قهــر الجـوع فـي العـالم

د. زيد بن محمد الرماني*
سبق أن أعلن صندوق الأمم المتحدة للسكان أن: الإنسان رقم ستة مليار ولد في 12 أكتوبر 1999م. وهكذا، فقد تضاعف سكان العالم منذ العام 1960م وإذا استمر معدل النمو في الانخفاض بنسبة 1% مثلما حدث خلال الثلاثين سنة الماضية، حيث هبط من 2.4% إلى 1.3%، ففي عام 2050م سيتراوح عددنا بين 7.3- 10.7 مليار نسمة، وفقاً للسيناريوهات.
ولما كان إمكان حصول نحو 800 مليون نسمة على الغذاء هو اليوم دون العتبة التغذوية أي دون الحد الأدنى من الحاجات الأساسية، العتبة التي تتيح البقاء على قيد الحياة، فكيف سيمكن للأرض أن تطعم عدداً أكبر بكثير من الأفواه؟!.
تتطلب الإجابة على هذا السؤال طرح سؤال آخر: ما هو السبب الحقيقي للمجاعات، حيثما وجدت؟. سنلاحظ في سطور لاحقة أن الأمر متعلق بحالة الحرب.
إن قهر الجوع في العالم لا يشكل تحدياً لا يمكن التغلب عليه. مع ذلك، فالجدل على أشده بين اقتصاديين مثل لوسيان بورجوا وجون كلتزمان مؤلفي كتاب إطعام عشرة مليارات إنسان، اللذين يؤكدأن سوء التغذية لا يمكن أن يعزى إلى الإنتاج، وبين المالتوسيين الجدد الذين يؤمنون بنظرية مالتوس مثل ليستر عراون ممن يقولون أن نمو الإنتاج في البلدان النامية سيكون محدوداً.
حيث يبني هؤلاء تكهناتهم على تلك الفكرة التي تفيد بأن التمدين الجاري ينزع نحو تقليص المساحات القابلة للزراعة الأكثر إنتاجية.
ويشيرون إلى أن هذا التضاؤل في المساحات القابلة للزراعة وصعوبة الاستمرار في زيادة المردود سريعاً بعد الثورة الخضراء الأولى، سيتمخض عن تباطؤ مفاجئ في نمو الإنتاج، واسع النطاق وبنتائج خطيرة.
بالإضافة إلى ذلك، لن يعود هذا الإنتاج متواقفاً مع العادات الغذائية الجديدة، من مثل استهلاك المنتجات اللبنية واللحوم والفاكهة والمنتجات المجمدة لجماعات النخبة والشريحة الميسورة بين سكان الدول النامية التي تقتبس العادات الغربية.
ويرد اللامالتوسيون الذين يبرهنون تاريخهم الاقتصادي في جميع الميادين على صوب آرائهم دائماً بأنه:
أ- ما يزال العالم يضم جزءاً من الأرض القابلة للزراعة المستريحة حالياً ويمكن زرع هذه الاراضي المتاحة المقدرة بـ 12%، في غضون السنوات القادمة..
ب - الأسمدة المستخدمة حالياً في البلدان النامية هي أقل بمرتين للهكتار بالقياس مع البلدان الصناعية إذن، فالتكثيف المدروس ممكن.
ج - المردود الحاصل في البلدان النامية لا يصل إلى المستويات الغربية، برغم التطورات الراهنة، إذن يمكن تصور حدوث هامش من التقدم على مستوى وراثيات الجينيات والطرق الزراعية، وعلى وجه الدقة على حد سوء.
د - تشكل الحروب، السبب الحقيقي للمجاعة، فخلال السنوات الخمسين الماضية، لم يكف عدد الصراعات المسلحة عن الازدياد في العالم. ومنذ عام 1945م، أحصي منها ثلاثون صراعاً كبيراً ومائة صراع صغير، حيث دمرت الحروب خلال التسعينات وحدها أربعة عشر بلداً.
يقول جيرار موريس: تعمل الحرب على تخريب الحقول وتهجير السكان.
والأكثر إيذاء من ذلك هو أنه عندما تقضي الحروب على تنوع الموارد الجينية، تضر بالمزارعين المحليين في العمق. ذلك أن التنوع الحيوي، التنوع الوراثي في قلب كل نوع، يشكل أساس الزراعة الحديثة نفسه.
ومن الصحيح القول، ضمن الحالة الراهنة للأمور أن العالم يواجه توزعاً ليس هو الأمثل للموارد الغذائية، حيث تستأثر البلدان الصناعية بثلثي هذه الموارد، في حين أن 5% من سكانها العاملين يعملون في القطاع الزراعي- الغذائي، مقابل 50% في العالم الثالث، ويشير ليستر براون مع ما يجب اعتباره دعابة سوداء إلى أن تأثيرات التخمة وسوء التغذية هي نفسها: ازدياد مخاطر الأمراض وانخفاض معدل طول الحياة وتضاؤل الإنتاجية.
ومن المؤكد أن تدمير مزارعي البلدان الأغنى أمام سيطرة الجوع على بلدان العالم الثالث، يشكل وضعاً صادماً، بل صعب التحمل.
هل تكمن حلول المشكلة في التضامن
والمساعدات؟!
مع ذلك، هل تكمن حلول المشكلة في التضامن والمساعدات؟!
ينبغي، أولاً: تحديد الأمور. ليس فرط إنتاجنا قدراً، ولا حقيقة غير قابلة للتغير. إنه نتيجة لسياسة زراعية توجيهية جداً لاقت نجاحاً كبيراً. وتحول هذا الفرط الإنتاجي إلى آفة اقتصادية تكافحها جميع الحكومات، التي تسعى لتخفيض تكاليف نفقات دعم الأسواق.
ومع ذلك، ليس مؤكداً أن المساعدة الغذائية هي شيء جيد. ذلك لأنها تتحول إلى سلاح في مصلحة البلدان المانحة التي قد تمارس ضغطاً على متلقى المساعدة، ولان ذلك لا يشجع المتلقين على تطوير الانتاج الزراعي في بلدانهم، والاسوأ من ذلك، لأن للأمر علاقة بأقوى إغراق يمكن تصوره.
ووفقاً لتصور لوسيان بورجوا، فإن الحكومات التي تستفيد من المساعدة الغذائية إنما تستخدمها غالباً لتهدئة الصراعات الناجمة عن التمدين المتنامي والبطالة، بتخفيض أسعار الخبز والأطعمة الأكثر تناولاً، مما يخفض دخول المنتجين المحليين. وفي هذه الحالة، فإن المنح يعني التدمير والقتل.
ختاماً أقول لقد بلغ عدد سكان العالم 6 مليارات نسمة وسيرتفع عددهم عام 2050م إلى 10 مليارات. وإذا كان هناك جيوب مجاعة قائمة حتى اليوم، ففي غضون السنوات الخمسين القادمة ينبغي ألا يمنع شيء باستثناء الحروب، من أن يحصل كل واحد على ما يكفيه من الطعام.
هل من سبيل للعلاج؟
والخروج من هذا المأزق ممكن من خلال تدارك في بنية المجتمع العربي بتصحيح الخلل الكبير في توزيع الثروة الوطنية والقومية، وتحمل النخبة الثرية العربية مسؤولياتها في تنمية مجتمعاتها بتشغيل رؤوس الأموال المهاجرة في مشروعات يفيد منها الفقراء بدل توظيفها في الخارج.
تومن خلال تحول المجتمع العربي من مجتمع مستهلك إلى مجتمع منتج. ومن خلال إصلاح كافة التشريعات والسياسات والإجراءات التي تسهم في التعاون الاقتصادي بين الوطن العربي وتحقيق وحدة اقتصادية بين البلاد العربية.
وبالرغم من تفاقم مشكلة الغذاء والفقر في الوطن العربي إلا أنه يمكن إيجاد حل لها من خلال برامج وسياسات عربية خالصة يحكمها الضمير الإنساني العربي المسلم بعيدا عن شعارات الأمم المتحدة وسياسات البنك الدولي كي نحمي أولادنا من مخاطر الفقر والجوع والخوف.
وتحقيق ذلك يكون من خلال توجيه الأموال البترولية العربية لصالح التنمية الزراعية في الدول العربية خصوصا وأن دراسة البنك الدولي ـ 2006 ـ تشير إلي استمرار الاتجاه التصاعدي لأسعار البترول، ونمو دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمعدل متوسط بلغ6% في عام2005 مقابل6،5% عام2004، ومقابل معدل نمو متوسط بلغ4،3% فقط في أواخر التسعينيات.
تفالوطن العربي لا تنقصه الإمكانات البشرية أو الموارد الطبيعية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء من خلال المزيد من الاستثمار الزراعي لخلق فرص عمل ولتحقيق الأمن الغذائي العربي إلي جانب توجيه بعض الأموال البترولية لصالح الدول التي تعاني من تبعات المعونات الأجنبية والمالية والفنية والتي لا تصدر بالقدر الكافي لدفع فاتورة الواردات وزيادة الإنتاجية الزراعية والدخل والعمالة.
*
المستشارالاقتصادي وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية