مجلة العالمية

بقلم: د. سعد المرصفي - أستاذ الحديث وعلومه
ما أحوجنا أن نتيح للعقل، بل للخيال، تصوّر ما كتب عن خصائص رسالة خاتم النبيّـين في هديها وإصلاحها، تصديقاً وتبياناً، وبحثاً ومعرفةً، وأخذاً ونشرًا، وحواراً وتحليلاً، ودرساً وتحقيقاً، ليؤمن إيمان إيقان، ويعرف معرفة صدق، أن رسالة الرسول كانت ولا تزال فتحاً جديداً أمام الفكر الإنساني، أتاح له الانطلاق إلى لون جديد من المعرفة لم يسبق بحال، فهو لا يقف عند غاية، ولا تعرف الحياة له نهاية، ولا يتوقّـف أمام عقبات، ولا تحول دون انطلاقه حواجز، ولكنه يقتحم الآفاق، ويثب إلى ذروات الشموخ والتطلّع، ويغوص في أعماق الكون وأسرار الوجود، متطلّعاً إلى مزيد من العلم والمعرفة، وفي وقائع التاريخ ومشهود رواياته ما يؤكدّ صدق هذه الحقيقة!
فـتح فـكـري جـديد:
وكل أثر فكري يتصل بالإسلام من قريب أو بعيد هو حصيلة الأقلام والأفكار التي كانت خصائص الرسالة والرسول معينها الذي تنهل منه وتعل!
ومن هنا كان كل ما كتب ويكتب في مجال البحث الإسلامي بأيّـة لغة من لغات الأمم والشعوب على أيّـة صورة من صور البحث، هو في لبابه جانب من جوانب خصائص الرسول في رسالته!
والذين كتبوا، والذين يكتبون في مستقبل الحياة عن الرسالة والرسول، عاشوا ويعيشون في ظلال دائمة من نفحات الخلود في رسالة خاتم النبيّـين ، التي لا ينضب معينها، ولا ينفد مداها!
لقد تضاعفت أضعافاً مضاعفة الكتابة عن الرسالة والرسول في هذا القرن الذي نعيشه، ولا تزال في سموّ وازدياد، وجرت أقلام الكاتبين والباحثين من المسلمين وغير المسلمين بألوان من البحوث، وضروب من الدراسات المختلفة نوعاً وكثرة، تراودت بين كتابة علميّـة صادقة، عميقة الإدراك والتهدّي، وكتابة تتّـجر بالبحث، وتتملّق الجماهير!
وكتابة لا تجهل، ولكنها متعصّـبة كافرة، تلحد في بحثها، حاقدة سيّـئة القصد، متحيّـزة الهوى، تروح وتجيء في أودية من الضلال، تنكر المعروف، وتعرف المنكر، وتثير الشكوك والشبه، وتعتصم بروايات الأباطيل الدخيلة تدعم بها أكاذيبها!
وكتابة كافرة جاهلة، تتبع كل ناعق، تنعق بالبهتان، بليدة التقليد، تساق بعصا العصبيّـة العمياء!
وأرجو أن نعرض لتلك الألوان المتعصّـبة الجاهلة، في حديث خاص، بعون الله وتوفيقه!
وفي هذه الاتجاهات كتابات كثيرة ، فيها عمق وجديّـة في بعض جوانبها، وفيها سذاجة ضحلة في بعض نواحيها!
وفيها كتابات تعنى بالصور والشكل وزخرفة الإطار، تنسق اللمع البرّاقة من الأحداث، وتهتم ببريقها، تنسيق بائع الورود، لتعجب الناظرين!
وهذا اللون من البحث المنسق المزخرف قد يرضي إحساس قارئه.. ولكنه لا يرضي عقله، لأنها بحوث لا تبالي بالحقائق أن تجيء في إطارها أو لا تجيء!
وفيها كتابات أشبه ما تكون بسلعة غريبة تعرض في (السوق) تحت لافتة لامعة، فإذا حركتها بيد فكرك لتختبر ما فيها من حقائق، لم تجد إلا كلمات ملتقطة من هنا وهناك!
ولا تزال أقلام الباحثين والكاتبين تتسابق في مضمار خصائص الرسالة والرسول ، متخذة طرائق شتّى في البحث، في أسلوب يعتدل أحياناً، ويتعرّج أحايين أخرى!
وتختلف موضوعات الكتابة في دائرة تلك الخصائص، وإن كانت كلها أشبه بالروافد التي تنبع من منبع واحد، وتسير في أودية مختلفة أشد الاختلاف، فبعضها وسيع مترامي الجوانب، وبعضها ضيّـق متقارب الأطراف، وبعضها عميق غائص بعيد القرار، وبعضها ضحل قريب المستقر، ولكنها تنتهي إلى مصب واحد، يرمي بزبدها وغثائها جفاء، ويمسك منها خصائل الحق، فيمزج بينها، حتى يجعلها حقيقة واحدة، هي لباب الهداية، وروح الرسالة في قيادة الحياة!
وإذا كان التراث الذي اتخذ من خصائص الرسالة والرسول محوره الذي دار حوله بهذه المثابة من الضخامة والعظمة، فالذين يكتبون اليوم وغدًا عن هذه الرسالة وخصائصها وسيرة صاحبها خاتم النبيّـين ، ماذا يكتبون؟
أتراهم يجتـرون ما يجتنون من ثمار أولئك الكاتبين من القدامى والمحدثين؟
أم أنهم سيجدون لأقلامهم مراتع جديدة لم تتسرب إلى مروجها أقلام من تقدّمهم؟
وحينئذ يكتبون في خصائص الرسالة وحقائقها، وفنون هدايتها جديداً، يبرزون به كوامن
من أسرارها، وأسرارًا من كوامن هدايتها، ويكتبون في خصائص صاحب الرسالة التي أعدّه
الله بها جبلّة وكسباً، لحمل عبء هذه الرسالة الشاملة الخالدة، ويكتبون في كشف
الكثير مما توارى عن أعين الأقلام الباحثة، من هذه الخصائص وراء سحب الإمكان
الزمني، واقتدار العقول تحت تأثير البيئات والمجتمعات التي كان لها أثر في إبراز ما
ظهر من تلك الخصائص!
شـمـس
الـوجـود الـروحـي:
أليست
الشمس تشرق على الحياة في كل يوم بهيئتها وصورتها المتكرّرة، ويرى الناس منها أول
ما يرون ضوءها الذي يكشف أسجاف الظلام، لتظهر أمام أبصارهم جوانب الحياة في
تقلّباتهم على هذه الأرض، ثم يحسّـون حرارتها الدافئة في خيوط أشعّـتها الملتهبة،
لا يعلم الناس منها أكثر من الظواهر التي يفيدون منها، في مختلف مصالحهم، وينتفعون
بها في شتى منافعهم، في دائرة علمهم المحدود بمستوى ما بلغته معارفهم من حقائق
الكون، ومظاهر الطبيعة، ومع ذلك كأنما هم في جديد عند إشراقة كل يوم، لم يكونوا
يرونه ولا أحسّـوه من قبل!
وقد عرف
العلماء والباحثون من خصائص الشمس الذاتية الكثير مما قصرت دون معرفته أنظار العامة
بمداركها المحدودة!
والشموس
الكبار العظام التي تعبر الوجود بكل خصائصها الذاتيّـة المجهولة في غير توقّـف، إن
هي إلا ذرات من عناصر هذا الكون الهائل في هذا الوجود العظيم!
وإذا
كانت هذه الشموس بعظمتها الكونيّـة مشهودة وغائبة، هي ضياء الحياة الماديّـة التي
يعيش على ضوئها العالمون، وهم بعد - على دأب عالميّـتهم، وجدّ باحثيهم، في تعمّـق
الدراسة - لم يبلغوا مع معرفة خصائصها الذاتيّـة، وآثارها الكونيّـة، ومظاهر
عناصرها الطبيعيّـة إلا الشيء القليل الضئيل، فخاتم النبيّـين في خصائص رسالته
الخالدة، وخصائص إنسانيّـته السامية، هو شمس الوجود الروحي في هذا الكون المحجّب
بغلائل جلال الحق!
حظ
العامة منه حظهم من شموس الوجود المادي، رأوا ضوء رسالته بأعين بصائرهم، فمشوا إلى
نورها يستبشرون برحمتها، وأحسّـوا حرارة هدايتها فدلفوا لها يستظلون بعدلها!
والوجود
الروحي الذي جعل الحق تبارك وتعالى خاتم رسله شمسه هو قوة الحق المنبئة في ذرّات
الكون، تبث فيه الحياة، وتحرّ كها حركتها المقـدّرة في كتاب الغيب، فلا تحيد عنها
مسرعة ولا مبطئة!
فكما لا
يزال العلماء والمفكّرون والباحثون في جديد من شمس هذا الوجود الماديّ الحسّي،
يكشفون كل يوم من خصائصها الكونيّـة الشيء بعد الشيء، فكذلك شأن العلماء والمفكّرين
والباحثين، لا يزالون في جديد من خصائص الرسالة وهدايتها.. ولا يزالون في جديد من
خصائص الرسول الروحيّـة، وشمائله الإنسانيّـة التي أعدّه بها جيلّة وتأدّباً، ليكون
خاتم النبيّـين، ورسولاً إلى العالمين، برسالة شاملة عامة خالدة، يجد فيها كل جيل
وكل قبيل، في كل زمان، وفي كل مكان، مطالب حياته الروحيّـة، ومجال عقله وتفكيره،
ونظام حياته وعيشه، ووشائج علائقه في أفراده وجماعاته ، وأممه وشعوبه!
فما كتب
وما يكتب عن رسالة الرسول في شمولها تشريعاً وهدياً، وعمومها زماناً ومكاناً،
وأعصراً وأجيالاً، وفي خلودها بمعانيها وحقائقها، وأنظمة الحياة في تقنينها
وأحكامها، وحكمها ودعائم قيمها الروحيّـة، وأسلوبها في التعبير عن مقاصدها
وأهدافها، ووسائلها، وطرائق منهجها في التوجيه والإرشاد، لم يسجل إلا نقطة في خط
الدراسة والبحث!
وما كتب
وما يكتب عن شخصيّـة الرسول في حياته وشمائله وأخلاقه وخلائقه، وإبراز خصائص
الإنسانيّـة التي جبله الله عليها وأدّبه بها، لتكون عدّ ته في اقتداره على حمل عبء
رسالته الخاتمة لرسالات السماء، لم يأت ولن يأتي إلا على بعض معالم هدايته في
رسالته، وإلا على بعض خصائصه في إنسانيّـته، وما حباه الله به من الكمالات
البشريّـة، لأنه اختاره رسولاً إلى كافة الناس في كافة الأزمنة والأمكنة والأحوال!
فلابدّ
إذن أن يكون لكل جيل من البشريّـة في كل زمان وفي كل مكان، وعلى أيّـة حال من العلم
والمعرفة حظه من رسالته، وحظه منه في دعوته وهدايته ومنهجه وشمائله، مهما اختلفت
بالناس مناحي الحياة، وطرائق التفكير، ومهما تطوّرت العلوم والمعارف ووسائلهما،
ومهما تنوّعت أساليب الحياة الاجتماعيّـة في المجتمع البشري، ومهما بلغ العقل
الإنساني من مراتب النضج في التفكير!
السيرة
النبويـّـة خير ما يتدارسه المسلمون عبر التاريخ:
وإن خير
ما يتدارسه المسلمون ، ولا سيما الناشئة وطلاب العلم ، ويعني به الباحثون والكاتبون
دراسة السيرة النبويّـة، إذ هي خير معلّم ومثقّـف، ومهذّب ومؤدّب، فيها ما ينشده
المسلم، وطلاّب الكمال من دين ودنيا، وإيمان واعتقاد، وعلم وعمل، وآداب وأخلاق،
وسياسة وكياسة، وإمامة وقيادة، وعدل ورحمة، وبطولة وكفاح، وجهاد واستشهاد، في سبيل
العقيدة والشريعة، والمُثـل الإنسانيّـة الرفيعة، والقيم الخلقيّـة الفاضلة!
لقد
كانت السيرة النبويّـة مدرسة تخرّج فيها أمثل النماذج البشريّـة، وهم الصحابة رضوان
الله عليهم أجمعين!
وكان
السلف الصالح من هذه الأمة الإسلاميّـة يدركون ما لسيرة الرسول ، وسيرة أصحابه رضي
الله عنهم، من آثار حسنة في تربية النشء، وتنشئة جيل صالح لحمل رسالة الإسلام،
والتضحية في سبيل تبليغها بالنفس والمال، ومن ثم كانوا يتدارسون السيرة ويحفظونها،
ويلقنونها للغلمان، كما يلقنونهم السور من القرآن!
قال زين
العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ: كنا
نُعلم مغازي رسول الله ، كما نعلم السورة من القرآن!
وقال
الزهري: في علم
المغازي خير الدنيا والآخرة!
وقال
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: كان أبي يعلمنا المغازي
والسرايا، ويقول: يا بني، هذه شرف آبائكم، فلا تضيعوا ذكرها!
نعم..
والله! إنها لشرف الآباء، والمدرسة التي يربّى فيها الأبناء!
أصح
سيرة لتاريخ نبيّ مرسل:
ولم
نعرف على مدى التاريخ البشري كله أمة من أمم الرسل، عليهم صلوات الله وتسليماته،
سعدت بمثل ما جاء في القرآن الكريم عن الرسالة والرسول ، ولا بمثل المجموعة الناطقة
من الأحاديث النبويّـة، وذلك السجل الخالد ، بل على العكس من ذلك نرى الأمم كلها
فقيرة لا تملك مصدراً من مصادر البحث عن الأنبياء، ونراها قد انقطع ما بينها وبين
أنبيائها، وفقدت الصلة التي تصلها بعصر هؤلاء الرسل، وتوقفها على شؤون حياتهم، وما
يكتنفها من ظروف وملابسات، حتى صار كثيرون من هؤلاء يتساءلون ، بل يشكّون في نبوة
أنبيائهم!
ونحن مع
معارضتنا لهذا التطرف نؤمن بأن هناك حلقات مفقودة، لا يمكن البحث عنها، والاهتداء
إليها!
أما
خاتم الرسول محمد فهو الرسول الذي نعرف عنه كل دقيق وجليل، ونعرف عنه من دقائق
الأخلاق والصفات والميول والرغبات، والقول والعمل ، ما لا نعرفه عن غيره ، بل إن ما
عرفناه عن الأنبياء جاء من طريق الوحي الذي أنزله الحق تبارك وتعالى على خاتم
النبيّـين ، وعلى إخوانه من الرسل والأنبياء أجمعين ، كما جاء من حديث النبي !
مـكانة
الحديث النـبوي:
والحديث
النبوي بهذه الصورة هو السجل الخالد، الذي حفظ هذه الحياة المباركة الطيّـبة، وهو
من خصائص الأمة الإسلاميّـة، وهو الذي يعرّف المسلم بكل ما يتصل بالنبي من قول
وفعل، وتقرير ووصف، في الحركات والسكنات، ويسعده بصحبته، وكأنه حضر مجلسه، واستمع
لحديثه، وقضى معه أسعد مدة من الزمان، ليسمع كلامه، ويشاهد عمله، ويدرس سيرته!
ثم إنه
ميزان عادل لحركة هذه الأمة ، والحياة النابضة ، والقوة المؤثرة، التي تبعث على
الخير والفلاح ، والرشد والصلاح!
الحفظ
في الصدور والتدوين في السطور:
ومن
رحمة الرحمن الرحيم جل شأنه، أن كانت هذه الأمة تملك قوة الذاكرة ، وسرعة الحفظ
والاستظهار، مما يسّـر لها الجمع والاستحضار، حتى كانت القلوب واعية، والعقول
حافظة.. ولا غروفهم قد بهرهم الوحي بقوة بيانه، وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه،
واستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه، فكان الحفظ في الصدور، والتدوين في السطور
.. وكانت الصبغة التي شاء الله عزّ وجلّ أن تكون، وقد خلعوا عليه حياتهم، حين علموا
أنه روح الحياة!
ومن ثم
كانوا أهلاً لتحمل الرواية، وفقه الدراية، حتى فاقوا في ذلك كل الأمم !
وقد وعى
الصحابة الكرام رضي الله عنهم ما سمعوا، وما شاهدوا، وحرصوا أشدّ الحرص وأبلغه ،
على حفظه ونشره، حرصاً لم يُعرف عن أمة نبيّ من الأنبياء!
وجاء
التابعون، وتابعوهم بإحسان، فحملوا الراية، وأدّوا الأمانة، وبلغوا حديث الرسول ،
وتتابع المسلمون جيلاً بعد جيل، يحفظون ويبلّغون!
مكانة
قواعد التحديث:
وقد كان
لقواعد التحديث الأثر الفعّـال في وضع الموازين التي تكفل السلامة للعلماء
والباحثين ، وتقيم الحجة على المفسدين المغالطين، ممن ساءت نواياهم حيال هذا الدين،
فاتهموا هذه القواعد بما لا يقوم على ساق ولا قدم، ولا يستقرّ عند البحث والنظر!
أجل، إن
في هذه القواعد التي لا نظير لها عند غير المسلمين فوائد مهمة فريدة، ومباحث جمة
فريدة، ومعارف رائعة وحيدة، ومعالم عالية عجيبة، وتحقيقات بديعة لطيفة، نفيسة
شريفة، لا يستغني عنها من يشتغل بالبحث في العلوم الشرعيّـة، والطرق الحكميّـة،
والأدلة اليقينيّـة!
إنها
عصمة من الزلل ، ولولاها لقال من شاء في حياة الرسول ما شاء، وخبط الناس في ذلك خبط
عشواء، وركبوا متن عمياء!
إنها
مقدمة العلوم الشرعيّـة ومفتاحها، ومشكاة الأدلة اليقينيّـة ومصباحها، وعمدة
المناهج العلميّـة ورأسها!
وليعلم
من يريد أن يعلم:
من
إنسان أسلس للعصبيّـة المذهبيّـة قياده، حتى ملكت عليه رأيه، وغلبته على أمره،
فحادت به عن طريق الهُدى، وقذفت به في مهاوي الردى!
أو من
إنسان قرأ شيئاً من العلم فداخله الغرور، إذ أعجبته نفسه فتجاوز بها حدّها، وظن أن
عقله هو كل شيء في هذا الوجود، وأنه (الحكم الترضى حكومته) فذهب يلعب بأحاديث النبي
وسيرته، يصحّـح منها ما وافق هواه، وإن كان مكذوباً موضوعاً، ويكذب ما لم يعجبه،
وإن كان الثابت الصحيح!
أو من
إنسان استولى أعداء الحق على عقله وقلبه ، فلا يرى إلا بأعينهم، ولا يسمع إلا
بآذانهم، ولا يهتدي إلا بهديهم، ولا ينظر إلا على ضوء نارهم ، يحسبها نوراً، ثم هو
قد سمّـاه أبواه باسم إسلاميّ، وقد عدّ من المسلمين - أو عليهم - في دفاتر
المواليد، وفي سجلاّت الإحصاء، فيأبى إلا أن يدافع عن هذا الإسلام الذي ألبسه
جنسيّـة ولم يعتقده ديناً، فتراه يتأوّ ل النصوص، ليخضعها لما تعلّم من ضلالات
أساتذته، ولا يرضى من الأحاديث والسيرة ما يخالف أهواءهم وضلالاتهم!
أو من
إنسان مثل سابقه، إلا أنه أراح نفسه، وأراح الناس من التعرّف على هويّـته، فاعتنق
ما نفث أعداء الحق في روحه من انحرافاتهم وضلالاتهم، ثم هو يأبى أن يعرف الإسلام
ديناً أو يعترف به، إلا في بعض شأنه في التسمّي بأسماء المسلمين ، وفي بعض المظاهر!
أو من
إنسان عُلّم في معاهد هؤلاء، فعرف من أنواع العلوم كثيراً، ولكنه لم يعرف من دينه
إلا نزراً أو قشوراً، ثم خدعته مدنيّـة هؤلاء عن نفسه، فظنهم بلغوا من المدنيّـة
الكمال والفضل، وفي نظريّـات العلوم اليقين والبداهة ، ثم استخفه الغرور، فزعم
لنفسه أنه أعرف بسيرة الرسول ، وأعلم من علماء هذا الدين وحفظته وخلصائه، فذهب يضرب
في الدين عن هوى مبين، يرجو - في زعمه - أن ينقذه من جمود علمائه وحفظته وخلصائه!
أو من
إنسان كشف عن دخيلة نفسه ، وأعلن إلحاده في هذا الدين وعداوته، ممن قال القائل
فيهم: (كفروا بالله تقليدًا)!
أو من
إنسان .. أو من إنسان .. ليعلموا هؤلاء، وليعلم من شاء من غيرهم أن المحدّثين كانوا
محدّثين ملهمين ، تحقيقاً لمعجزة سيّـد المرسلين، وخاتم النبيّـين ، حين استنبطوا
القواعد المحكمة لنقد الأحاديث، ومعرفة الصحاح من الزياف .. وأنهم ما كانوا هازلين
ولا مخدوعين، بل كانوا جادّين، على هُدى وعلى صراط مستقيم، فكانت تلك القواعد التي
ارتضوها للتوثيق من صحة الأخبار أحكم القواعد وأدقّـها، ولو ذهب الباحث المتثبّـت
يطبقها على رواية الأحاديث لآتـته ثمرتها، ووضعت يده على الخبر اليقين!