مجلة العالمية
عــزيمــة وتـوكـــــل

إعداد يوسف ناصر اللهو
الحكايات عن الآباء والأجداد فيها الكثير من العبر والعظات وما رواه السابقون عن أهوال البحر فيه الكثير من الدلائل على تحمل أولئك الرجال مصاعب لا يصبر عليها إلا أمثالهم فتراهم يتنافسون على مواجهة ما يفاجئهم به البحر من أمواج عالية، أو رياح عاصفة أو نفاد ماء ومؤونة أو مرض أحدهم أو موته وهم في عرض البحر أو قراصنة، ولكنهم كانوا على قدر من العزيمة الصادقة بعد التوكل على الله سبحانه وتعالى.
فيصدق عليهم قول الشاعر: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
فإن فساد الرأي أن تترددا
وهذه إحدى الحكايات التي نقلها إلينا فضيلة الشيخ عبدالله النوري - رحمه الله - في كتابه حكايات من الكويت.
الحكـــــايـــة
سواي يهاب الموت أو يرهب الردى وغيري يهوى أن يعيش مخلـدا
ولكنني لا أرهب الدهر إن سطـــا ولا أحـذر المـوت الزؤام إذا عدا
(ابن سناء الملك)
ذكرنا في حكاية سابقة أنواع العمل في البحر وقلنا إن الأسفار في البحر هي أنواع ثلاثة: الغوص والقطاعة والسفر.
فالغوص ثلاث مراحل أولها الخانكية، وتبدأ قبل موسم الغوص بنحو شهر ثم غوص الموسم، ويطلق عليه اسم الغوص، أو الغوص الكبير، وموعده يبدأ في أول برج الجوزاء 21/ه أيار، وينتهي في آخر برج السنبلة 23 أيلول، ثم تأتي بعده سفرة الردة ووقتها غير محدود، فقد تستمر حتى نهاية تشرين الأول وهو برج الميزان.
والقطاعة لا وقت لها لأنها أسفار في بلدان الخليج، والخليج لا موسم له وليس فيه رياح موسمية تمنع المسافر أو تقفل عليه الطريق.
أما السفر فهو رحلة في سفن كبيرة ذات أشرعة متعددة ومخازن قد يحمل بعضها ثلاثمائة طن أو أكثر، وهي أنواع منها البوم، ومنها البغلة أسماء تختلف باختلاف هياكل السفن.
ويبدأ موسم السفر عند نضوج البلح في الشهر التاسع »أيلول« وتطلق كلمة (السفار) على السفينة بما فيها من نواخذة (ربان) وملاحين (بحارة).
فيسافرون إلى البصرة ويشحنون سفنهم تمراً، ثم (يسنون) والكلمة هذه تصرف فيقال سن يسن وهو سنان أو سان، ومعناه سافر في البحر إلى الجنوب، إلى الهند أو إلى إفريقيا.
وضدها معلّى وهي من على بعين مفتوحة بعدها لام مشددة مفتوحة تليها ألف مقصورة، يعلى فهو معناه: توجه من الهند في آسيا أو من سواحل إفريقيا الشرقية إلى الشمال قاصداً الخليج العربي.
فاذا وصل إلى الهند أو إلى سواحله الجنوبية كساحل الملبار أو إلى كلكتا أو إلى سواحل إفريقيا الشرقية باع التمر وفرغ الشحنة، واستبدلها ببضائع من تلك البلاد كالأخشاب أو الحبوب أو نحوها وتوجه بها إلى الشمال إلى السواحل التي يمر بها فيبيع ويبتاع حتى يصل إلى الوطن.
قد تطول السفرة وقد لا تطول فتستغرق زمناً قد يكون أربعة أشهر أو قد تطول إلى عام كامل فتحل الرياح الموسمية وهو في غيبته في الهند أو في إفريقيا فلا يستطيع حينئذٍ اجتياز المحيط الهندي، والرياح الموسمية تهب في الشهر الخامس وتنتهي في خلال الشهر الثامن.
وممن اعتاد السفر وولع به ثم اتخذه مهنة له أبو بدر أحمد. ولأبي بدر سفن كثيرة كلها تسافر إلى الهند في موسم السفر، فتسن محملة وتعلى محملة.
وفي موسم السفر يختار أحدها فيسافر فيها وقد يختار غيرها في الاياب وهو بطبيعة الحال نوخذا السفينة التي يكون فيها وبحارتها لا تخضع لأوامر غيره إذا كان فيها.
وفي سفرة من هذه السفرات بكر في العودة، ومتى بكر المسافر عائداً حق له أن يسافر مرة أخرى.
كانت هذه السفرة الثانية في نفس العام، وقد جرت الرياح بما تشتهي السفينة ومن فيه، وأطمأن الكل للريح وأخذتهم نشوة طيب المسير فنام الجميع ما عدا (السكوني)، وهو صاحب السكان أو موجه السفينة فقد كان جالسا نائماً، إذا بهزة قوية هزت السفينة هزة انتبه لها الجميع، فرأوا مركبا ً بخارياً كان متوجهاً إلى الشمال صدم مقدمة السفينة فكسر ألواحاً من أعلاها ولطف الله بالجميع.
رأى أبو بدر وجوه البحارة وقد غيرتها المفاجأة، ورأى الخوف الشديد عليهم، فقال لا خوف عليكم لا تقلقوا فالأمر بسيط ثم قال كلمته المشهورة (مريكب دعم مركب) ومعنى دعم صدم، ويصغر السفينة البخارية ويسميها مريكب.
ثم أمر بمواصة السير وكأن شيئاً لم يكن، ووجه ربان الباخزة (الكابتن) إلى أبي بدر من يمد له يد المساعدة وأراد أن ينزل لمقابلة أبي بدر الذي رفض المساعدة لأن الاستعدادات معه كانت كافية، وفي كل سفينة من سفنه استعداد كامل للطوارئ، شأنه في ذلك شأن جميع الكويتيين الذين اعتادوا السفر وامتهنوا مهنته وأعدوا له عدته.
وسار في طريقه لم يعقه ما أصابه، وشمر عن ساعد الجد، ورأى البحارة رئيسهم لم يثنه عن العزم شيء فقلدوه، وفي ثلاثة أيام صلحت السفينة وهي في سيرها ماضية ووصلت جهتها سالمة ثم عادت إلى الوطن غانمة، وكل ما فيها كان سالماً غانماً، وحدث البحارة مستقبلهم بما كان، وجرت كلمة أبي بدر على ألسنه الناس مجرى المثل (مريكب دعم مركب) مثل يضرب للاستهانة بالمصائب ما دام البدن سالماً.
أيها القارئ الكريم:
هكذا كان الأباء والأجداد في السعي للحصول على الرزق الحلال يجوبون البحار الواسعة فيصلوا إلى بلدان بعيدة بوسائل نقل لم تكن على قوة ومعدات تساعدهم على تحمل ماقد يواجههم في سفرهم الطويل والشاق، عزيمة متصلة بالله وتوكل عليه سبحانه وتعالي فكان الله لهم خير معين وحافظ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، فاللهم أحسن توكلنا عليك وثقتنا فيك وهيئ لنا من أمرنا رشدا، واجعل لنا في من سبقنا عظمة وعبرة.