مجلة العالمية
كـيـف تـوزع الـزكـاة؟
اشرف شعبان ابو أحمد
هل من حق مفرق الزكاة ان يوزعها كيفما شاء؟ ام انه ليس عليه غير ان يوزعها على جميع مصارفها كما ذكرها المولى عز وجل في كتابه العزيز، وان يسوىِ بينهم جميعا في قدر ما يعطِي لكل صنف؟ ام ان له الحق ان يرى ان فئة تستحق اكثر من الاخرى فيوليها عليها عند توزيع الزكاة؟ آراء الائمة اختلفت في هذه المسألة.
وعن سبب اختلاف الائمة وما هو الارجح من آرائهم للتطبيق المعاصر في توزيع الزكاة، قال رشيد رضا في المنار: ان خلاف السلف وائمة الامصار في المسألة يدل على انه لم يسبق فيها سنة عملية مجمع عليها من عهد الرسول، ولا من خلفائه الراشدين، فدل هذا على انهم كانوا يرونها من المصالح التي يترجح فيها العمل بما يراه اولو الامر في درجة الاستحقاق وقلة المال وكثرته من الصدقات وفي بيت المال.
وينبغي لجماعة الشورى من اهل الحل والعقد ان يضعوا في كل عصر وقطر نظاما لتقديم الاهم فالمهم، كما ان درجات الحاجة تختلف. وخلاصة القول انه ينبغي تعميم الاصناف المستحقة اذا كثر المال، ووجدت الاصناف، وتساوت حاجاتهم او تقاربت، ولا يجوز حرمان صنف منهم مع قيام سبب استحقاقه ووجود حاجته، وهذا يتعين في حق السلطة الشرعية التي تجمع الزكوات وتفرقها على المستحقين. عند تعميم الاصناف الموجودة بالفعل من الثمانية، ليس بواجب ان نسوي بين كل صنف وآخر في قدر ما يصرف له، وانما يكون ذلك حسب العدد والحاجة، فقد يوجد في اقليم الف فقير ولا يوجد من المغارمين او ابن السبيل الا عشرة، فكيف يعطي عشرة ما يعطاه الف؟!
لهذا فالاوفق هنا ما ذهب اليه مالك ومن قبل ابن شهاب من ايثار الصنف الذي فيه العدد والحاجة بالنصيب الاكبر خلافا لمذهب الشافعي. يجوز صرف الزكاة كلها لبعض الاصناف خاصة، لتحقيق مصلحة معتبرة شرعا تقتضي التخصيص، كما انه عند اعطاء صنف من الاصناف الثمانية لا يلزم التسوية بين جميع افراده في قدر ما يعطونه، بل يجوز المفاضلة بينهم حسب حاجاتهم، فان الحاجات تختلف من فرد الى آخر، المهم ان يكون التفضيل ان وجد لسبب ومصلحة لا لهوى وشهوة ودون اجحاف بالآخرين من الاصناف او الافراد.
ينبغي ان يكون الفقراء والمساكين هم اول الاصناف الذين تصرف لهم الزكاة، فان كفايتهم واغناءهم هو الهدف الاول للزكاة، حتى ان الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يذكر في حديث معاذ وغيره الا هذا المصرف (تؤخذ من اغنيائهم فترد على فقرائهم) وذلك لما لهذا المصرف من اهمية خاصة، فلا يجوز للحاكم ان يأخذ اموال الزكاة لينفقها على الجيش مثلا، ويدع الفئات الضعيفة المحتاجة من اهل الفقر والمسكنة يأكلها الجوع والعري والضياع ويحرقها الحقد والحسد والبغضاء، وكل هذا ما لم تطرأ ظروف خاصة مؤقتة تجعل علاجها مقدما على علاج الفقر والمسكنة.
ينبغي الاخذ بمذهب الشافعي في تعيين الحد الاقصى الذي يصرف للعاملين على الزكاة جباية وتوزيعا، وقد حدده بمقدار الثمن من حصيلة الزكاة، فلا يجوز الزيادة عليه.
عندما يكون مال الزكاة قليلا، كمال فرد واحد ليس بذي ثروة كبيرة، فهنا يعطي لصنف واحد كما قال النخعي وابو ثور، بل لفرد واحد كما قال ابو حنيفة، فان تفريق هذا القليل على عدة اصناف او عدة افراد من صنف واحد، يضيع الفائدة المرجوة من الزكاة، فالاغناء بالزكاة كما هو في مذهب الشافعي، اولى من اعطاء عدد من الافراد دريهمات لكل منهم، لا تشفي ولا تكفي، وهذا ما لم يكن العدد الموجود في حاجة شديدة الى اسعاف بأي شيء ولو قليلا، فالتفريق افضل واولى عندئد.