العالمية - جمادى الآخرة 1428 هجرية - يوليو 2007 م - العدد (207) - السنة التاسعة عشر

   
 

 

 

 

الكلمـة الأولــى

بريــد القــراء

حــوار العــدد 

أقليــات مسلمـة

الأسـرة المسلمـة

دراسـات خيريـة

روحـوا القلـوب

عيـادة العالميــة

فتـاوى العـالميـة

الكلمـة الأخيــرة

 

 

 

 

صـفحــة الهيئـة

البريـد الالكتـرونـى

الاشتـراكـــــات

أعــداد ســابقـة
مشاريع تبحث عن متبرع

 

 

 

اضغط هنا لتساهم بمقالاتك

 

 

البريد الإلكترونى للهيئة

 

 

 

 

 

دعوة للخيــــر

 

 

 

 

 

حساب المشاريع:
بيت التمويل الكويتى
 
412299  

 

 

كفالة اليتيم ... فقط 10 دينار كويتى أو 30  دولار أمريكى شهرياً

كيف تكفل يتيماً؟

 
 

 

المسؤولية عن الغير ومقاومة الشر في المجتمع الإسلامي

 

مجلة العالمية

 
 

بقلم: د. سعد المرصفي - أستاذ الحديث وعلومه
 

الاسلام دين الحياة المباركة الطيبة.. والشأن في المسلم ان يكون دالاً على الخير..ساعياً إليه، مثالاً للشخصية الاسلامية في السلوك، أسوة حسنة في قوله وعمله.. يروي مسلم وغيره عن أبي مسعود الانصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي فقال:إني قد أبدع بي فاحملني، فقال:

»ما عندي« فقال رجل: يا رسول الله! انا أدله على من يحمله، فقال رسول الله :"من دل على خير فله مثل اجر فاعله"! قال أبو حاتم: قوله (أبدع بي): يريد قطع بي عن الركوب، لان رواحلي كلت وعرجت!

قال النوري: المراد بمثل أجر فاعله ان له ثواباً بذلك الفعل، كما ان لفاعله ثواباً، ولا يلزم ان يكون قدر ثوابهما سواء!

وذهب بعض الائمة إلى ان المثل المذكور في هذا الحديث ونحوه، انما هو بغير تضعيف!

وقال القرطبي: انه مثله سواء في القدر والتضعيف، لان الثواب على الاعمال انما هو بفضل من الله، يهبه لمن يشاء، على أي شيء صدر منه، خصوصاً إذا صحت النية التي هي اصل الاعمال في طاعة عجز عن فعلها لمانع منع منها، فلا بعد في مساواة اجر ذلك العاجز لاجر القادر والفاعل، أو يزيد عليها!

ويروي مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه، ان رسول الله قال:"من دعا إلى هدى، كان له من الاجر مثل اجور من تبعه، لا ينقص ذلك من اجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الاثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً"!

وسائل النهوض بالمسؤوليات:

وان هناك نوعين من الوسائل لمنع الاهمال والاجرام، وللحصول على مواطن مستقيم، يمنح الناس خيره وبره، ويأمن الناس من شره وأذاه:وسائل مادية! ووسائل ادبية!

فأما الوسائل المادية فتنحصر في فرض العقوبات الرادعة لمن تسول نفسه تعدي حقوق القانون، وفرض المكافآت السخية لمن يؤدي واجبه بصدق وامانه!

فاذا عرف الشرير ان عين الحكومة ساهرة، تأخذ كل مذنب بذنبه، وانها اذا اخذته لم تفلته، وانها ستفرض عليه الغرامات الفادحة، أو انها ستصادر امواله، ويحرم من حقوقه، أو انه سيسجن وسيجوع ويعرى، ويعدم.. كان ذلك رادعاً طبيعياً له من الاثم والعدوان!

وكذلك اذا عرف العامل انه لن يضيع عمله هباء، وانه سيكافأ على قدر جده واستقامته، كل ذلك مغرياً له بالجد والاستقامة!

وهذا النوع من الوسائل بشقيه، من عقوبات، أو مكافآت، هو أحطّ انواع التربية، وأبعدها عن القيم الانسانية، وفي الوقت نفسه هو اضعف انواع العلاج اثراً، واسرعها تقلباً، واقلها ثباتاً!

فمتى اطمأن الشرير بمأمن من طائلة العذاب، لم يحجزه عن ارتكاب ما يريد من الشر والفساد، لانه ليس له وازع من اخيلة ضميره!

ومتى يئس العامل من ان يكافأ على عمله، فترت همته، وضعفت باعثته على الجد والانتاج، لانه لا يركن من نفسه إلى باعثة داخلية!

واما ان هذا النوع من التربية أبعد عن القيم الانسانية، فلانه يستغل غريزتين من غرائز الحيوان، وهما غريزتا: الخوف من الالم المادي، والشره والحرص على اللذه المادية!

فاستخدام وسائل التخويف من العقوبات، والاغراء والمكافآت في التربية، نزول بالانسان إلى رتبة الحيوانية!

وقد يعرض بان الرسالات السماوية كلها قد لجأت في دعوتها إلى وسائل الترغيب في الثواب بالجنة، والتخويف من العقاب بالنار!

والجواب عن هذا الاعتراض بأحد أجوبة ثلاثة:

الاول: ان هناك فرقاً بين الاجزية الآجلة والاجزية العاجلة، والخوف من العقاب المؤجل كذلك أرقى من الخوف والطمع في الاشياء العاجلة، لانه يعتمد على مبادئ عقلية، وفصائل نفسية، وخصائص انسانية، فان العاقل لا يبيع الحاضر بالغائب، والمصلحة العاجلة بالمصلحة الآجلة، إلا اذا فكر في عواقب الامور وكانت له عقيدة ثابتة في العاقبة، وكانت ثقته بما عند الله اشد من ثقته بما في يده، وكان له من قوة الضمير، وضبط النفس، ما يدفع عنه منتظر المغريات!

ولا شك ان الحيوان لا يصل إلى هذه المرتبة، لانه لا يفكر في مقارنة المصالح القريبة، والبعيدة، ولا يؤثر الخطر البعيد عن القريب، بل تكبه شهوته بما يشتهى في الحال، ويبعده خوفه عما يخاف في الحال نفسه!

الثاني: ان المؤمن الحقيقي لا يرى في نعيم الجنة مطلبه المقصود لذاته فحسب، بل يرى فيه أيضاً دلالة على الرضا الالهي، والشأن في العاقل انه لا يفرح بالوسام الذي يهدى إليه، لقيمته المادية فحسب، بل لقيمته المعنوية، لانه رمز للجدارة والاستحقاق!

الثالث: ومهما يكن من أمر، فاننا لا ننكر ان هناك صنفاً من الناس، لا يصلح إلا عن طريق الرغبة والرهبة، وانه لا بد في اصلاحه من استعمال وسائل الترغيب والترهيب، ولكننا نقول: ان هذا الصنف لا يزال في دور الطفولة التي هي اقرب الادوار إلى دور الجمادات، ولكنه متى كمل عقله، ونضجت ملكاته، وجب ان يكون تربيته من طريق آخر غير طريق الاغراء والتخويف.

فننظر الآن في نماذج من التربية العليا:

لقد قلنا: ان القرآن يقف بنا امام ثلاث محاكم أدبية:

محكمة الضمير في قلوبنا!

ومحكة الرأي العام من حولنا!

ومحكة السماء من فوقنا!

تلك إشارات إلى معالم المسؤولية عن الغير، ومقاومة الشر في المجتمع الاسلامي!

والله ولي التوفيق!

وهنا نبصر حالة من المسؤولية عن الغير، بحيث يكون لنا شطر من ثواب العمل، أو يكون علينا شطر من عقابه!

ونبصر حالة ثانية، بمجرد القدوة، والأسوة، والعدوى، فقد روى مسلم وغيره عن جرير عبدالله رضي الله عنه قال:

جاء ناس من الاعراب إلى رسول الله عليهم الصوف، فرأي سوء حالهم، قد اصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة، فابطأوا عنه، حتى رؤي ذلك في وجهه!

قال: ثم ان رجلاً من الانصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا، حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله :

»من سن في الاسلام سنة حسنة، فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من اجورهم شيء، ومن سن في الاسلام سنة سيئة، فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولاينقص من اوزارهم شيء!.

قال أبو حاتم: هذا الخبر دال على ان قول الله جل وعلا:(ولا تزر وازرة وزر أخرى)! (آية 164 سورة الانعام، 15 سورة الاسراء، 18 سورة فاطر، 7 سورة الزمر)

وقوله: (الا تزر وازرة وزر أخرى)! (آية 38 سورة النجم)

قال: أراد به بعض الاوزار لا الكل، إذا اخبر المبين عن مراد الله جل وعلا في كتابه ان من سن في الاسلام سنة سيئة، فعمل بها من بعده، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، فكان الله جل وعلا قال: لا تزر وازرة وزر أخرى، الا ما اخبركم رسولي انها تزر، والمصطفى لم يقل ذلك، ولاخص عموم الكتاب بهذا القول الا من الله، شهد الله له بذلك، حيث قال: (وما ينطق عن الهوى (3) ان هو إلا وحي يوحى):! (آية 3-4 سورة النجم)

ويأتي الحديث عن مرتبة ان يكون لنا تسبب في فعل الغير - كما يقول المرحوم الدكتور دراز - لا بقصد ولا بغير قصد، ولكن يكون لنا تسبب في استقراره

بالسكوت عنه!

يروي احمد وغيره بسند صحيح عن قيس قال: قام ابو بكر رضي الله عنه، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال:يا أيها الناس، انكم تقرؤون هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم انفسكم لايضركم من ضل اذا اهتديتم)! (آية 105 سورة المائدة)

وانما سمعنا رسول الله يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه"!

وهكذا صحح الصديق رضي الله عنه ما ترامى إلى وهم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة!

ونحن اليوم احوج إلى هذا التصحيح، لان القيام بتكاليف التغيير للمنكر قد صارت اشق، فما ايسر ما يلجأ الضعاف إلى تأويل هذه الآية الكريمة على النحو الذي يعفيهم من تعب مواجهة المنكر ومشاقه، ويريحهم من عنته وبلائه!

كلا والله! ان هذه الآية لا تسقط عن الفرد ولا عن الجماعة التبعة في مواجهة المنكر!

انها مسألة حياة أو موت بالنسبة للمجتمع الاسلامي، فاما ان يحس المسلمون بوحدة المصلحة فيأخذوا على يد اصحاب المنكر ، فينجو المجتمع كله، أو يترك الامر تهاوناً أو استهتاراً أو خوفاً وطمعاً، فتحدث الطامة، ويفشو المنكر!

وهذا النوع هوالذي تتجلي فيه حقيقة المسؤولية الاجتماعية بمعناها الاخص!

ورسالة الامن والنظام هي فرع من هذه المسؤولية الاجتماعية، بل هي اعظم فروعها واعلاها في نظر الدين القيّم!

وسائل المقاومة:

ذلك، ان الشريعة وضعت ثلاث وسائل لمقاومة الشر والفساد في المجتمع، وهي: اما مقاومته وتنحيته باليد، أوباللسان، أو باللقب!

يرى مسلم وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه، ان رسول الله قال:

»من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطيع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان«!

وهي على التريب في الوجوب.. والسبب ما لدينا من الاستطاعة والتمكن!

واعلاها مرتبة التغيير العملي، لمن توافرت لديه وسائل القدرة على ذلك.. وهي اعلى درجات المسؤولية الاجتماعية!

يلي هذه الرتبة التغيير باللسان.. وتلك مهمة الذين يملكون أدوات البيان!

وآخر الوسائل وأدناها التغيير بالقلب!

وهذا يحتاج بعون الله وتوفيقه إلى تفصيل في البيان لأهميته وضرورة الرجوع إليه في حديث خاص!

معنى التغيير بالقلب:

ولابد لنا من التنبيه إلي خطأ شائع ذائع في فهم معنى التغيير بالقلب، فإن كثيراً من الناس يعتبرون أن التغيير بالقلب هو أن تكره الشر فيما بينك وبين نفسك، ولا ترضى عنه بقلبك، دون أن يبدو عليك أدنى أثر للكراهية وعدم الرضا!

والواقع ان هذا الفهم تحريف لمعاني الكلمات في اللغة العربية، وتحريف لمقاصد الشريعة الاسلامية!

أما انه تحريف للمعنى في اللغة العربية، فلان الانكار بالقلب المجرد عن كل مظهر ايجابي أو سلبي لهذا الانكار لا يسمى تغييراً للمنكر، بل يسمى اقراراً سكوتياً للمنكر، وتشجيعاً عليه!

وأما انه تحريف لمقاصد الشريعة، فلان ابطال الكراهية للمنكر، مع بقاء المعاملة لصاحبه، على وجه البشاشة والمجاملة العادية، ومع المحافظة على تحيته وتكريمه، كما يكرم المحسنون، فهذا هو صريح النفاق، مع ان الحديث النبوي يجعل تغيير المنكر بالقلب مرتبة من مراتب الايمان، وان كانت ضعيفة، ويأمرنا بها عند عدم استطاعة غيرها، فكيف ان الشارع الحكيم يأمرنا بهذا النفاق؟!

والحق ان المقصود من التغيير بالقلب الذي هو اضعف درجات الايمان، هو ما نسميه بالمقاومة السلبية الادبية، عند العجز عن التغيير بالوسائل الايجابية باليد واللسان!

هذه المقاومة السلبية ليس معناها الشتم أو الاهانة أو استعمال العنف الذي يحظره الادب أو القانون، ولكنها موقف متحفظ، يشعر فيه المسيء والمجرم بانه كمية مهملة، وأنه محروم من التكريم والتعظيم الذي كان قد تعوده.. يشعره باستياء الآخرين من سلوكه!

ويشعره أخيراً بانه في وحشة وعزلة بسبب هجران الآخرين له، ومقاطعتهم اياه!

ثم هو موقف نشعر فيه نحن بأننا بدلنا موقفنا المائع المتراخي!

موقف المجاملة الكاذبة لكل احد، ولو على حساب الحق والفضيلة!

واتخذنا موقفاً لا يتطلب منا اكثر من العزم والتصميم، والشجاعة الادبية في سبيل كرامة امتنا، وكرامة انفسنا!

لن يكلفنا شيئاً.. لا من المجهود البدني، ولامن المجهود المالي، بل هو راحة بدن، وراحة ضمير، وتخلص من تكاليف المدنية السطحية في القيام للبر والفاجر، والابتسام في وجه الصالح والطالح، والتعاون مع المحسن والمسيء!

على انه لا يكفي ان يقوم بهذه المهمة فرد أو بضعة أفراد.. بل لا بد من التعاون في كل بيئة، وفي كل حي، وفي كل قرية، على مجانبة المفسدين ومقاطعتهم.. هذا هو العلاج الحاسم!

فاذا لم نقف هذا الموقف الحر الصريح، وتركنا الامور تسير على هذا التهاون الذي نحن عليه الآن، فنحن كلنا آثمون!

هل تعرفون سبب اللعنة التي نزلت على بني اسرائيل؟!

ذلك، انهم كانوا قد فقدوا الغيرة على حرمات الله، ولا يتناهون عن منكر فعلوه!

(لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانو يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) (آية 78-79 سورة المائدة)

فاذا كما نريد حقا ان نبني مجتمعاً صالحاً قوياً، فيجب ان تكون لنا في رسول الله أسوة حسنة، وان نطبق هذا الدرس الاجتماعي العظيم!

(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثراً)! (آىة 21 سورة الأحزاب)

نعم، يجب ان نبث هذه الدعوة في كل الاوساط التي نخالطها، لكي يؤلفوا فيما بينهم جبهات، تبدأ صغيرة ثم تكبر!

هدفها حمل راية التناصح والمصارحة بالحق فيما بينهم.. ثم مقاطعة من لا تنفع النصيحة، ويصر على الاثم والعدوان!

وكراهية المنكر بالقلب دون اقل مظهر ايجابي أو سلبي ليس مقبولاً عند الله، بل يعد مشاركة في المنكر والاثم، واليكم الدليل، قال تعالى:(وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتي يخوضوا في حديث غيره واما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين)! (آية 68 سورة الأنعام)

وقال جل شأنه تذكيراً بهذا الواجب وتأكيداً له:(وقد نزل عليكم في الكتاب ان اذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره انكم اذا مثلهم ان الله جامع المنافقين والكافرين في جنهم جميعاً)! (آية 140 سورة النساء)

فانظروا إلى قوله:(انكم اذا مثلهم)!

فقد جعل الساكت على الكفر هو والكافر سواء!

والساكت على الاستهزاء هو والمستهزئ سواء!

وانظروا كيف جعل اقل ما يخرج به المرء من المشاركة في هذا الآثام وهو ان يعرض عن صاحبها، ويهجر مجلسه!

فكيف يكون الساكت على الظلم ظالماً، والساكت على الغيبة مغتاباً، والساكت على قول الزور مزوراً، والساكت عن السرقة لصاً ثانياً، والساكت على أي جريمة شريكاً فيها، وهكذا!

ولا مخرج لنا من الاثم في السكوت عنها إلا بعمل ما، واقله هذا العمل السلبي، وهو المهاجرة لاصحابها!

هذا هو اضعف الايمان!

اما الذي يكتفي باغماض عينيه، ويستمر في معاملته العادية للاثم على ما كان عليه، فلا شك ان هذا هو النفاق بعينه، ولذلك صرح في الحديث بانه ليس وراء هذه المرتبة مثقال حبة خردل من الايمان، فقد روى مسلم وغيره عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، ان رسول الله قال:

»ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون واصحاب، ياخذون بسنّته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، و يفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل«!

قال النووي: اما الحواريون المذكورون فاختلف فيهم، فقال الازهري وغيره: هم خلصان الانبياء واصفياؤهم، والخلصان الذين نقوا من كل عيب!

وقال غيره: انصارهم، وقيل: المجاهدون، وقيل: الذين يصلحون للخلافة بعدهم!

والآية السابقة فيها ما يوحي إلى ان هذا الفعل من عمل المنافقين، ففي ختامها:(انكم اذا مثلهم ان الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً)!

ان التواصي بالحق سلاح بتار، ومع ذلك ليس فيه شيء من الخطورة على من يستعمله، لانه يقوم على موقف سلبي خالص، لا يؤاخذ عليه قانون، ولا يحظره ادب من الآداب العالية!

ومن عجز عن استعمال هذا السلاح الضعيف فهو عن استعمال غيره اعجز!

امام من سنقف للسؤال:

ونجد انفسنا امام هذا السؤال:امام من سنقف للسؤال؟ وإلى من سيكون تقديم الحساب؟

وهنا تختلف المذاهب الاصلاحية، تبعاً لاختلاف نزعاتها الفلسفية، واختلاف مناهجها في التربية!

فالمذاهب ذات النزعة الروحية الخالصة تجعل المسؤولية امام الله وحده، ولذلك توجه كل عنايتها إلى تربية الشعور الديني!

والمذاهب ذات النزعة الاخلاقية تجعل مسؤولية كل امرئ امام نفسه، ولذلك تبذل كل جهودها في تربية الضمير الفردي!

والمذاهب ذات النزعة الاجتماعية تجعل المسؤولية امام الامة، وتعني بتربية الشعور الاجتماعي!

فإلى أي شعبة من هذه الشعب الثلاث، يمكننا ان ننسب وجهة النظر الاسلامية، هل هي نزعة دينية خالصة، فتجعل مسؤوليتنا امام الله؟ أم نزعة اخلاقية، فتجعل مسؤوليتنا امام انفسنا؟ أم نزعة اجتماعية، فتجعل مسؤوليتنا امام الناس؟ ان كل نزعة من هذه النزعات تمثل فصيلة خاصة من النفوس..وكل اصلاح من الاصلاحات التي تنبع من النفوس البشرية لا بد ان يأخذ طابعاً خاصاً من نفس صاحبه، أو من نفوس امته، أو نفوس أهل عصره، ولا بد ان يتجه وجهة معينة من هذه الوجهات الثلاث!

بيان القرآن للسلطات المحاسبة: ولكن هلم ننظرفي القرآن الكريم، فما نرى؟

ها هو ذا يحلق بنا في كل أفق!

انه يعالج النفوس كلها!

ويتناول النزعات جمعيها!

فاعتبروا يا أولي الابصار!

انه تنزيل رب العالمين، المهيمن على كل النفوس، الخبير بما توسوس به الصدور، ولذلك تجد فيه كل فئة غذاءها ودواءها وشفاءها!

تعالوا نستفت القرآن!

امام من نحن مسؤولون!

وهنا نجد القرآن يضعنا امام سلطة ثلاثية، كأنه يقول لنا:

تصوروا انفسكم في نقطة مركزية، تحيط بكم ثلاث دوائر، مدرجة الاتساع!

وتصوروا انه قد خرج من كل دائرة سهام متجهة نحو هذا المركز، هي اشعة العين التي تراقبكم!

انظروا في انفسكم تجدوا محكمة!

وانظروا من حولكم تجدوا محكمة!

وانظروا فوقكم تجدوا محكمة!

محكمة الضمير في قلوبكم!

ومحكة البشر من حولكم!

ومحكمة السماء من فوقكم!

ولكل واحدة منها امانة في اعناقكم، سنحاسبكم عليها، هل هذه هي نظرية القرآن؟

اقرؤوا ان شئتم قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنور لا تخرنوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم وانتم تعلمون)! (آية 27 سورة الانفال)

فقد جمعت هذه الآية الكريمة في هذه الكلمات القليلة انواع السلطات القضائية التي ستتولى محاسبتنا:(لا تخونوا الله)! هذه هي المسؤولية الدينية!

(والرسول)! هذه المسؤولية امام الناس!

(وتخونوا اماناتكم)! هذه هي المسؤولية الاخلاقية امام الضمير!

وإليكم نصا قرآنياً آخر، يؤكد هذا المعني، ويزيده تفصيلاً، ذلك هو قوله تعالى:

(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)! (آية 105 سورة التوبة

(فسيرى الله عملكم)! هذه هي المحكمة الالهية!

(ورسوله والمؤمنون)! هذه هي المحكمة الانسانية!

(فينبئكم بما كنتم تعلمون)! هذه هي محكمة الضمير، تمرّ امامها يوم القيامة قبل ان نعرض على المحكمة الالهية!

(وكل انسان الزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسبياً)! (آية 13-14 سورة الاسراء)

وها هو ذا معنى مهم، ينبغي التنبيه إليه في قوله تعالى:(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)!

ذلك ان آخر ما وصل إليه الباحثون في علم السياسة والاجتماع، هو فصل السلطة الانسانية إلى نوعين:

سلطة مركزية محدودة، وهي سلطة الدولة بمخلف اجهزتها.. ويمثلها رئيس الدولة، الذي هو رمزها وعنوانها!

وسلطة لا مركزية، ولا محدودة المعالم، بل شائعة في الجمهور، وهي سلطة الرأي العام!

وقد جمعت الآية الحكيمة هذين النوعين في كلمتين اثنين:

(ورسوله والمؤمنون)!

فقوله (ورسوله)! بيان لمسؤوليتنا امام سلطان الدولة!

وقوله (والمؤمنون)! بيان لمسؤوليتنا امام الرأي العام اجمع!

 
 

 
 

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية