العالمية - جمادى الأولى 1428 هجرية - يونيو 2007 م - العدد (206) - السنة التاسعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

نزوع المسلمين إلى الاندماج في المجتمع يقابله رفض من بعض المكونات
الأقلية المسلمة في اسبانيا تعيش أزمة هوية

 

التدين الواعي ومسابقة السلم الاجتماعي ودستور الدولة ركائز أساسية لمشروع المجلس الإسلامي البلنسي لفتح آفاق جديدة للعمل الثقافي وتكثيف الحوار وتوجيه التعليم نحو بناء الفرد الاسباني المسلم

تعيش الاقلية المسلمة في اسبانيا اليوم ازمة هوية ناجمة عن صعوبة التمازج الثقافي والاجتماعي، وهذا بدوره أدى إلى صعوبة اندماج المسلم اندماجاً كبيراً في المجتمع الاسباني، حيث ان نزوعه إلى الاندماج فيه، كثيراً ما كان يقابله رفض من قبل بعض مكونات المجتمع مما أدى - في النتيجة - إلى نوع من الازدواجية التنافرية، حالت دون انضمامه إلى مجتمعه الجديد الذي يعيش فيه.

ونظراً إلى ما نشهده من نزوع إلى تسييس الاديان وتحويلها إلى ايديولوجيات مجيشة ذات طابع عقدي، خدمة لمصالح سياسية واقتصادية، وخدمة لتيارات مذهبية متعصبة، فان المجلس الاسلامي البلنسي ممثلاً بمسجد بلنسية الجامع، يرى مناسباً دعوة عدد من الشخصيات الاسلامية ذات المكانة المرموقة على المستوى الدولي مع عدد من ممثلي الاديان، والاكاديميين والخبراء في شؤون التطرف العقائدي لتقديم رؤاهم حول هذه القضية الشائكة.

ان الموقف الناضج والحكيم الذي أبداه المجتمع الاسباني حيال احدث الــ 11 عشر من سبتمبر المريرة، وموقع اسبانيا الجيوسياسي ليشجعانا على الاندفاع مع المعنيين في هذا البلد في طريق الحوار البناء الكفيل بقيام تكاتف حقيقي يحقق الخير لاجيال منطقتنا.

ومما هو جدير بالذكر ان التعايش الديني والاثني الذي يشهده المجتمع الاسباني قد بوأه مكانة سامية، يتطلع إليها المعنيون في توفير اجواء السلم العالمي، لاتخاذه نموذجاً يهتدي به الممثلون الحقيقيون للمجتمع المدني في سعيهم لاحلال منطق الحوار والتعاون محل الصراع والتصادم، ليس على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى العالمي أيضاً.

فالمفكرون المستقلون، وقادة المجتمع والاكاديميون وممثلو الاديان العالمية مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى للاسهام بفاعلية في تخفيف المعاناة، بل وفي وقاية المجتمع الدولي من الأضرار المنبعثة من سفاهة التعصب الديني - السياسي.

 ذلك أن أولئك المدعوين هم الابطال الحقيقيون القادرون على احداث التغيير المنشود على المستوى العالمي، وهم الاقدر على لجم العقليات والافكار العدوانية التي اصبحت كارثيتها واضحة للعيان، وهم كذلك الأجدر من غيرهم في توجيه السياسة نحو العقلانية، ونحو التعاون المشترك، والاحترام المتبادل.

للخصوصيات والثقافات... كما أنهم الاكثر تأهيلاً لوضع ثمار التقدم الاجتماعي والاقتصادي. في خدمة الانسان، بمعزل عن هويته الوطنية، أو العرقية، أو الثقافية، أو الدينية.

ان التدين الواعي، وصيانة السلم الاجتماعي، وسيادة دستور الدولة، ركائز اساسية لمشروعنا النابع من قناعاتنا العملية، وخبراتنا الاجتماعية لاربعين سنة خلت، وهي - في الوقت ذاته - اساس التوجيهات الاسلامية لاولئك الذين يعيشون في مجتمعات متباينة الانتماءات الدينية والعرقية، اذ ان الوفاء للدين والاخلاص للوطن عنصران متوائمان، ومتلازمان ومتكاملان.

فالمشروع الذي اعتمدناه في هذا البلد العريق، يهدف إلى فتح آفاق جديدة للعمل الثقافي، والبحث عن اطار جديد للتفكير، والتخفف مما لا يدخل في مجال الضرورات، وتكثيف الحوار وتوجيه التعليم نحو بناء الفرد المسلم الاسباني، ليكون عضواً فاعلاً وبناّء في مجتمع له خصوصياته المميزة، وتوجيه المسلمين فيه إلى التفاعل مع مجتمع يدافع عن أفراده ويقدرهم بالقدر الذي يسهمون هم في بنائه وتسييره. كما يهدف إلى ابعادهم عن التقوقع والتجمع في اطار يحفه الشعور بالرفض الاجتماعي أو بالخوف من التفسخ والذوبان فيما يصطدم مع عقيدتهم وايمانهم.

ومما لاشك فيه ان المشروع الذي أقررناه لن يكون قادراً على اختراق حاجز الافكار المستقرة، ولا قادراً على هدم الجدران التي تنصبها - كل يوم - الدوائر السياسية المتمسحة بالدين، أو الدوائر الدينية المتأدلجة، إلا اذا امّنّا قبولا مسبقاً لهذا المشروع، ومعه ديناميكية عمل، ومرونة تطبيق تلتزم بها الاطراف المعنية جميعاً.

ولتحقيق القبول المسبق من قبل المسلمين وغيرالمسلمين، في بلد يحكمه الحق والقانون، كما هو الحال في بلدنا هذا، فقد عمدنا إلى الاستعانة بما لدى المفكرين والمثقفين، وكل من له سلطة علمية أو دينية أو أدبية، طلباً لما لديهم من آراء ودراسات، ولما يمكن ان يقدموه من جهد وتوجيه نستنير به في سعينا لحل مشروعنا التربوي إلى ميادينه التطبيقية، تحقيقاً لمبدأ المواطنة الصالحة، ورسماً لبرنامج عمل يحظى بالقبول والاحتضان، والسير وفق خطىً تراكيمة تحقق الاهداف المرجوة منه.