|
العقلاء من الناس الذين منحهم الله عز وجل الفطرة النقية والنفوس السوية، والقلوب العامرة بالايمان العميق، والمتحلين بالسلوك القويم.. هؤلاء العقلاء، اذا ما استمعوا إلى الحكم الشرعي السليم، صدقوه واطاعوه عن اقتناع وتسليم. وفي هذه الايام نرى هجوما شرسا، وتطاولا عجيبا، من مجالات صدقها قليل وكذبها كثير على اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. واني قد قلت وما زلت ان احترام اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الركن السادس من اركان الاسلام اما الاساءة اليهم عن تعمد واصرار فهو منكر شديد يخرج صاحبه عن آداب شريعة الاسلام وعن احكامها، وعن مكارم الاخلاق، وسلامة الاعتقاد، ودليلي على ما اقول يتمثل في الحقائق التي من أهمها ما يأتي: الحقيقة الاولى: ان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مدحهم الله عز وجل مدحا عظيما في جملة من الآيات القرآنية الكريمة، ومن هذه الآيات قوله تعالى: والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، واعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها أبدا الفوز العظيم التوبة: الآية 100. والمعنى والذين سبقوا غيرهم إلى الايمان بوحدانية الله تعالى وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ومن الانصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به والذين اتبعوا المهاجرين والانصار اتباعا حسنا في اقوالهم واعمالهم.. هؤلاء جميعاً - رضي الله عنهم - لايمانهم واخلاصهم فرفع درجاتهم وغفر زلتهم، ورضوا عنه لما أجزل لهم من الثواب واعد لهم سبحانه جنات تجري من تحت بساتينها واشجارها الانهار وهم خالدون فيها خلودا، ابديا، وذلك الرضا والخلود في هذا النعيم هو الفوز العظيم الذي لا يقاربه فوز، ولا يدانيه ربح. الحقيقة الثانية: وردت احاديث صحيحة ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيها مدح عظيم لاصحابه رضي الله عنهم وفيها ثناء كبير عليهم لانهم وقروه واحترموه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه واخلصوا العبادة لخالقهم عز وجل. ومن هذه الأحاديث الشريفة: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله الله في اصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن احبهم فبحبي احبهم، ومن ابغضهم فببغضبي ابغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد أذى الله، ومن آذى الله عز وجل فيوشك ان يأخذه. الحقيقة الثالثة: ان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين تلقوا دين الاسلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وصدقوا رسولهم صلى الله وسلم وبلغوا بأمره ما حفظوا عنه إلى غيرهم بكل امانة ونزاهة.. وهم الذين حفظوا القرآن الكريم عنه صلى الله عليه وسلم وكتبوه ونشروه، وفسروه كما سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم. وهم الذين حفظوا ايضا سننه التي تتعلق باقواله وافعاله وتقريراته وصفاته وهديه وصاروا على طريقته واقتدوا به صلى الله عليه وسلم و بلغوا ذلك إلى غيرهم. وهم الذين علموا اتباعهم هذه الاحكام بكل نشاط واخلاص وحرص على نشر ما تعلموه من الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعهم بلغوا هذه الاحكام إلى من بعدهم.. وقد فعلوا ذلك امتثالا لتوجيهاته ووصاياه صلى الله عليه وسلم لهم. ففي الصحيحين عن أبي بكرة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليبلغ الشاهد الغائب فان الشاهد عسى ان يبلغ من هو أوعى له منه. أي: يجب ان يبلغ الحاضر الذي سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم الغائب الذي لم يسمع فلعل الذي سمع من غيره يكون عنده من فهم الاحكام الشرعية ما ليس عند غيره. وفي صحيح البخاري رحمه الله عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله وسلم انه قال: بلغوا عني ولو آية ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. الحقيقة الرابعة: ان الاحاديث النبوية الشريفة التي حفظها الصحابة رضي الله عنهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم والتي بلغوها إلى من تبعهم باحسان. هذه الاحاديث قد بذل العلماء منذ صدر الاسلام وحتى اليوم، قصارى جهدهم، في جمعها، وفي كتابتها، وفي ترتيبها، وفي بيان رواتها، في الحكم عليهم بالحكم العادل المناسب، وفي انواعها.. فذكروا ما هو متواتر منها، وما هو صحيح، وما هو حسن، وما هو ضعيف، وما هو موضوع.. ولم يكتفوا بكل ذلك بل قاموا بشرح هذه الاحاديث النبوية الشريفة شرحاً واسعاً مفصلا. الحقيقة الخامسة: ان بعض الكتب التي تصدر بين وقت وآخر، والتي يقوم مؤلفوها بتوجيه اتهامات باطلة إلى بعض الصحابة - رضي الله عنهم - والى بعض المحدثين الذين جمعوا احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - كصحيح البخاري، وصحيح مسلم وغيرهما.. هؤلاء الذي قاموا بتلك الاتهامات الباطلة، لو أنهم سألوا بعض اهل العلم المتخصصين لاجابوهم الاجابة التي تقنع كل ذي عقل سليم.. قد اجاب العلماء لدفع هذا التعارض بعدة اجابات: منها: ان السيدة عائشة رضي الله عنها - قصدت اول ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرآن على الاطلاق هو صدر سورة العلق اقرأ باسم ربك.. إلى قوله تعالى علم الانسان ما لم يعلم وان جابر بن عبدالله - رضى الله عنه - قصد ان اول سورة نزلت بعد فترة الوحي - أي: بعد نزول جبريل - عليه السلام - لاول مرة - هي سورة المدثر. فالسيدة عائشة رضي الله عنها - تتحدث عن اول ما نزل على الاطلاق وعن اول وقت نزل فيه القرآن، بينما جابر بن عبدالله - يتحدث عن وقت كان بعد ذلك، وعن اول سورة نزلت بعد فترة الوحي.
|