العالمية - جمادى الأولى 1428 هجرية - يونيو 2007 م - العدد (206) - السنة التاسعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

   

 

ولــكــم فيمـا سبـقــكـم عـظـة وعبـــرة

الأمـانة خـلـق محمود

اعداد يوسف ناصر اللهو

   

كم في هذه الحياة من عظات وعبر تمر على بعض الناس ولا يعيرونها اهتماما وبعضهم يطلبها ويبحث عنها ويقيم عليها حياته، ومن الامور التي حث عليها ديننا الحنيف - الامانة، وهي صفة محمودة العواقب، مدح الله تعالى بها عباده المؤمنين: "والذين هم لامانتهم وعهدهم راعون".

والحكاية التي بين ايدينا يصدق عليها قول الشاعر:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه      لا يذهب العرف بين الله والناس

وفي مختلف الاماكن والبلدان وبين الناس والاجناس تجد من طبعه الامانة كخلق لا فرق في ذلك بين اتباع دين وآخر، وانما فطرة الله التي فطر الناس عليها، والحكاية التالية التي حكاها فضيلة الشيخ - عبدالله النوري - يرحمه الله ويسكنه فسيح جناته في كتابه حكايات من الكويت لهي خير دليل على ذلك.

الحــكــايـــــــة

كانت الكويت تعتمد في دخلها القومي على عملين اساسيين، اولهما البحر واهم العمل فيه الغوص والسفر كما ذكرنا في بعض القصص السابقة.

والعمل الثاني التجارة، وتجارة اللؤلؤ اهم التجارات، وقد برز في الكويت تجار كثيرون ونشطون سافروا بما اشتروه من لآلئ الى الهند والى اوروبا.

وكان من تجار اللؤلؤ البارزين، عبداللطيف العبد الرزاق الذي اختار الهند محلاً لاقامته وتجارته، يبيع ويشتري، او يبيع بالواسطة، فيأخذ على ما يبيعه السعي المعتاد، ولامانته وتواضعه وصدقه وعفته، اختاره مواطنوه الكويتيون وفضلوه على كثير ممن يبيعون او يبتاعون بالسعي، وكان هذا الرجل مشهوراً في تفانيه في خدمة بني جنسه العرب وبني وطنه الكويتيين، وقد نفع الكثيرين ممن استخدمهم فاخلصوا له الخدمة.

ولكن هذا الوفاء بلغ غير العرب والكويتيين.

فقد عرف الناس في متجر عبداللطيف العبد الرزاق هندياً يدعى (هيرا) كان يعمل دلالاً لبيع اللؤلؤ، فيأخذ الواسطة شيئاً من المال بنسبة مئوية، فرضتها العادة له ولامثاله، واصطلح عليها اهل الفن وصارت شرعة بين تجار اللؤلؤ يتبعونها في بيعهم واتباعهم.

وخدم هيرا في متجر الشيخ عبداللطيف سنين طويلة، كان فيها موضع ثقة المتعاملين كلهم، لم يعرف عنه كذب ولا خان يوماً امانته.

وجاء أجل هيرا وانتقل الى حيث ينتقل الناس، فان من عاش مات وكل نفس لابد ان تصل الى النهاية.

واقبل الدالالون يعرضون انفسهم وخدماتهم على عبداللطيف كل يريد ان يخدمه حتى يحل محل هيرا، ولكن الشيخ عبداللطيف اشترط واختار واحدا وعرض عليه الشرط، وهو ان يكون ابناء هيرا القاصرون شركاء له في الكسب بلا عمل حتى يبلغ اصغرهم رشده.

ورأى ان الدلالون احقية هذا الشرط ورأى فيه وفاء من السيد لخادمه وفكر فيه، ثم رضي وعمل مع صاحب المحل، وظل مدة يعمل ويربح ويفيد غيره وبلغ ابناء هيرا الثلاثة سِنّ الرشد وهم يعيشون في كنف عبداللطيف ينفق عليهم من سعة، ولما بلغ اصغرهم سن الرشد، أوقف الشيخ عبداللطيف الشركة. وقطعها بينهم وبين الدلال خلف ابيهم، وحسابهم فكان نصيبهم اربعين الف روبية.

وشعر الاولاد بالاحسان الذي اسداه اليهم سيدهم عبداللطيف، والاحسان يستعيد المحسن اليه ان كان كريماً.

ولكن هذا قال لهم: الفضل ليس لي ولكنه لابيكم، فقد كان اميناً صادقاً نشطاً، افادني واستفاد ووجب عليّ ان افي له بالاحسان الى اولاده. وان اشعر هؤلاء الاولاد بما كان عليه ابوهم فلعلهم يتحلون بأخلاق ابيهم، ويتصفون بصفاته.

وصدق الاولاد الثلاثة .. اولاد هيرا في الوفاء لسيدهم، وصدقوا في خدمته ومحبته، وصدقوا قول الشاعر العربي. 

احسن الى الناس تستعبد قلوبهم   فطالما استعبد الانسان احسان

ايها القارئ الكريم:
وفي هذه الحياة الكثير من العظات والعبر، وخيركم من اتعظ بما يمر به من حكايات واحداث، وما قرأناه في هذه الحكاية فيه الدليل القاطع على أن الامانة في التعامل مع الناس منجاة في الدنيا والآخرة، وقد قيل - أصدق مع الناس تشاركهم في اموالهم - ونحن كمسلمين أولى أن نتخلق بما حثنا عليه ديننا الحنيف، وما علمنا اياه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وان نكون قدوة حسنة للآخرين ويحسن بنا أن نكون كما كان سلفنا فهل نحن فاعلون؟ أسأل الله ان يوفق الجميع لذلك ففي ذلك عظة وعبرة.