|
تقع مدينة شتوتجارت في جنوب ألمانيا، وهي من المدن التي لم ينلها دمار الحرب العالمية الثانية، إن شمال ألمانيا قد نال القسط الأكبر من التدمير، على عكس الجنوب. ولذلك، تشعر وأنت تتجول في شوارع الجنوب الألماني عامة بعبق التاريخ وهو يفوح من المباني والكنائس ومحطات القطارات. كما تشعر بالتيار المسيحي الكاثوليكي السائد في منطقة الجنوب، على عكس منطقة الشمال التي يسودها التيار البروتستانتي.  في وسط هذا كله، تقبع "الجمعية الإسلامية بشتوتجارت" التي أسسها إمامها الشيخ البوسنوي
"حمزة ثابت صوباشيتس" في عام 1992. كان الهدف الأولي من وراء تأسيس هذه الجمعية، توفير مكان لمسلمي البوسنة الوافدين لأداء صلاة الجمع والجماعات، وكذلك إيجاد مُلتقى اجتماعي للأسر البوسنوية التي توافدت بكثرة على ألمانيا، بعد اندلاع حرب أو
"مجزرة" البوسنة في عام 1992. التحول من "مركز" إلى "جمعية". كانت نقطة الانطلاق في عام 1988، حينما شيدت الجماعة البوسنوية مركزاً ثقافياً إسلامياً، بهدف تعليم الدين الإسلامي. وكان المركز ساعتها مفتوحاً لما يقرب من 300 أسرة بوسنوية. إلا أنه بعد اندلاع الحرب في عام 1992، بدأ الخوف يتسرب إلى الدولة الألمانية من إطلاق اسم
"مركز إسلامي" على تلك المؤسسة، فقامت بتبديل الاسم بــ "الجمعية الإسلامية وكما يقول إمام الجمعية، الشيخ حمزة صوباشيتس: "إن كلمة (مركز) تعتبر اسما كبيرا بالنسبة للدولة الألمانية، لذلك سعت إلى تقزيمه شكلا وموضوعاً.  سألت الشيخ حمزة عن العدد الحالي للأسر البوسنوية المنتمية إلى الجمعية، فأخبرني أن العدد لا يتجاوز 350 أسرة! وهو ما أدهشني كثيرا، فهذا العدد يعتبر صغيرا جدا بالنسبة للكم الهائل من اللاجئين البوسنويين الذين توافدوا على ألمانيا بعد حرب 1992. إلا ان الشيخ "حمزة" فك هذا اللُغز المُحير، بقوله: لقد تمت إعادة بعض اللاجئين البوسنويين إلى البوسنة، كما تم تهجير ما يقرب من 350 ألف من اللاجئين البوسنويين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك كُبلوا بالديون، فلم يستطيعوا العودة إلى بلادهم، كما انه تم تفريقهم وتشتيت شملهم هناك، حتى صاروا جُزراً منعزلة متفرقة، في تلك البقاع الأمريكية الفسيحة". تعليــم إسـلامـي مــوازٍ
 تتمحور انشطة الجمعية الاسلامية بشتوتجارت حول التعليم والتأهيل الإسلامي للفرد البوسنوي المسلم الذي يعيش في ألمانيا. وهذا التعليم يعتبر موازيا للتعليم العلماني الذي يتلقاه المسلم في المؤسسات التعليمية الألمانية. ففي هذه الجمعية، يتعلم الأطفال والشباب البوسنويون اللغة العربية، والتاريخ الإسلامي، والفقه، والتفسير، والاخلاق. وتخصص أيام العطلات الدراسية (السبت والأحد من كل أسبوع) لتدريس تلك المواد. ولا يقتصر الأمر على الجنسيات البوسنوية، فهناك فصول مُكونة من جنسيات مختلفة أخرى: إريترية، صومالية، كرواتية، وكوسوفية. كما لا يقتصر الأمر على تعليم الأطفال والشباب فقط، بل يمتد إلى تعليم الكبار، فهناك دروس تفسير القرآن باللغتين العربية والبوسنوية، يقوم بإلقائها الشيخ
"حمزة" وزوجته السيدة "نرمين"، وهما اللذان تلقيا دراستهما الجامعية بالأزهر الشريف والنظام التعليمي في الجمعية - كما أوضح الشيخ حمزة - ليس نظاما عشوائيا، إنما هو نظام قائم على الارتقاء من درجة إلى درجة، ومن فصل إلى فصل، حتى يحصل طالب العلم على شهادة تخرج من
"المكتب الإسلامي"، تمكنه بعد ذلك من التدريس لغيره. ولتحقيق ذلك وجب أداء الامتحانات والاختبارات، كما وجب أيضا منح الجوائز للناجحين، التي تكون إما في صورة كتب إسلامية، أو أغطية رأس للطالبات، أو هبات مالية. والحقيقة أن هذا "المكتب الإسلامي" له دور أساسي تجاه الجاليات المسلمة، فمن خلاله يتم استخراج جميع الشهادات التي تشهد بإسلام هذا الفرد أو ذاك، فيتمكن بناءً عليها من الزواج والحج والعمرة والإرث. أما عن تمويل هذه الجمعية، فأكد إمامها الشيخ حمزة أنه يأتي من قبل الأسر البوسنوية المنتمية لتلك الجمعية، حيث تدفع كل أسرة 20 يورو شهريا، هذا بالإضافة إلى تاجير
"البقالة" التابعة للجمعية والمجاورة لها، وتأجير شقتين تابعتين أيضا للجمعية. الاختبار أولاً وحول الاجراءات التي تتخدها الجمعية من الراغبين في الإسلام من الألمان، أوضح الشيخ حمزة أن الألماني الذي يقدم إلى الجمعية ليُشهر إسلامه، يتم اختباره أولاً، والتأكد من صدقه في طلب الإسلام لذاته وليس لهدف آخر، كالزواج من فتاة مسلمة مثلا. وقال الشيخ حمزة: "يقوم الراغب في إشهار إسلامة بكتابة طلب، يقر فيه برغبته في اعتناق الإسلام ويوقع عليه، بعدها يتسلم كتبا حول العقيدة الإسلامية، تكون بمثابة تعريف عام بالإسلام، ثم يتعهد بإعادة تلك الكتب بعد شهر كامل من القراءة فيها، والتمعن في معانيها، ثم يأتي بعد انقضاء الشهر إلى الجمعية، ليشرح له معنى الإسلام، وما عليه من فروض وواجبات. فان استمر متماسكا طيلة هذه المدة، وظل مُصراً على الإسلام، مؤدياً لما عليه من الفروض، يكون بذلك قد نجح في الاختبار، ونكون قد اطمأننا ظاهريا - ونحن ليس لنا إلا الظاهر - بصدق رغبته في اعتناق الإسلام". وبين إمام الجمعية أن هذه الإجراءات جاءت نتيجة للمشكلات الكبيرة التي تعرضوا لها من قبل بعض الألمان الطالبين إشهار إسلامهم، وهم غير جادين في ذلك، وقال:
"قد يفد البعض إلينا، ليس حبا في الإسلام واقتاعا به، وانما رغبة في الحصول على شهادات تقر بإسلامهم، وتمكنهم من الزواج من فتيات مسلمات، فتكون النتيجة أن يقوم هؤلاء بالزواج من المسلمات لمدة شهر أو شهرين، ثم ينهون تلك الزيجة إما بالطلاق أو بمغادرة بيت الزوجية، وفي الحالتين تكون الزوجة المسلمة هي الضحية، وقد يستمر بعضهم في الزواج، ولكن دون أدنى تطبيق لفروض الإسلام، فيصيرون فتنة لزوجاتهم المسلمات، ومعوقا لتربية أطفالهم على الإسلام، وفي هذه الحالة أيضا تكون الزوجة المسلمة هي الضحية، بل ويزيد عليها أطفالها. القرضاوي .. الشيخ المفضل تتألف مكتبة "الجمعية الإسلامية بشتوتجارت" من أمهات كتب التفسير والحديث والفقه، فنهاك كتب ابن كثير، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والبيضاوي، والزمخشري، إضافة إلى كتب سيد قطب، والقرضاوي، والغزالي، والشعراوي، والزحيلي. وأكد الشيخ حمزة أن الدكتور يوسف القرضاوي يعتبر من أحب العلماء للبوسنويين الذين يتابعونه دوما بشغفٍ عميق، سواء من خلال برامج الفضائيات، أو من خلال موقعه على الإنترنت. وقال حمزة:
"إن تعلق البوسنويين في ألمانيا بالقرضاوي نجده متجليا في مكتباتهم التي لا تخلو من كتبه المترجمة إلى البوسنوية". وأرجع الشيخ حمزة السبب وراء ذلك إلى المنهج الوسطي الذي يتبعه الدكتور القرضاوي، وتفهمه وإدراكه للواقع في الغرب، ومن ثم إصداره للفتاوى المتفهمة لذلك الواقع. تفاعل وتواصل تتمتع الجمعية بعلاقات وطيدة جدا مع الحكومة الألمانية، ولاسيما مع عمدة ولاية شتوتجارت، الدكتور شوستار فعلى امتداد عشر سنوات، نجحت الجمعية في المشاركة كعضو فعال في حوار الديانات المختلفة على مستوى المدينة. ومن ثم فلا عجب أن تصير الجمعية عضوا في
"المائدة المستديرة للديانات" (سبع ديانات بسبعة ممثلين)، التي أنشئت نتيجة للمبادرة التي بادر بها العمدة في عام 2004. كذلك فان الجمعية عضو في رابطة "عالم واحد"، هذا بالإضافة إلى توقيعها على
"عقد الجيل" الذي كان أيضا مبادرة من قبل عمدة شتوتجارت. هذا غير مشاركتها في "يوم الدين العالمي"، الذي يخصص له يوم من كل عام في شهر أكتوبر، حيث تشارك فيه الجمعية بفعالية عالية، لا تقل عن فعالية الأطراف الأخرى. أما في شهر رمضان، فتكون الجمعية أكثر نشاطا وحيوية، حيث تقوم بدعوة ممثلي الحياة الثقافية والسياسية في مدينة شتوتجارت (حوالي 70 مدعوا) على الإفطار، وهم يضمون ممثلي الرابطات الإنجيلية والكاثوليكية، وممثلي كل من الإعلام والحكم المحلي والشرطة، وكذلك ممثلي المنظمات والاحزاب المختلفة، وممثلي الرابطات الإسلامية. الإشكاليات الثلاث على الرغم من هذا التواصل الإيجابي والمتميز، فإن الجمعية تصر على توضيح مواطن الضعف التي يعاني منها مسلمو ألمانيا، والتي تتمثل - كما يقول إمام الجمعية الشيخ حمزة - ثلاث إشكاليات: إشكالية الوقت والمكان غير الكافيين، وإشكالية الإعلام الألماني غير المنصف بحق الإسلام والمسلمين، وإشكالية الدولة الألمانية غير العادلة تجاه الدين الإسلامي. 1- بالنسبة للإشكالية الأولى، يقول الشيخ حمزة: "إن عدم توفر الوقت لدى الجمعية لعقد النقاشات والجلسات والندوات مع الطرف غير المسلم، إنما هو نابع من طبيعة عمل الأطراف غير المسلمة، حيث تندرج جميعها ضمن طائفة الموظفين الذين يعملون إما في الحكومة أو في الكنيسة، الأمر الذي يحصر تلك الجلسات فيما بعد ساعات العمل أو في خلال العطل الأسبوعية، مما يجعل ذلك التوقيت مرهقا لهؤلاء الموظفين، ومما يعيق انعقاد تلك الجلسات". وتابع حمزة قائلاً: الحل البديل هو أن يقتطع هؤلاء الموظفون من إجازاتهم الرسمية، ليتسنى لهم المشاركة في الندوات والمحاضرات، وهو الأمر الذي قد لا يروق الكثير منهم. وتقف إشكالية المكان كمعوق إضافي، حيث لا يتوفر لدى الجمعية المكان الكافي لعقد تلك المناقشات، وهو ما يجبر الجمعية في كثير من الأوقات على تغيير أماكن الصلاة لديها، لتفريغها لتلك المناقشات والدعوات". 2- وأما الإشكالية الثانية، فهي - على حد قول إمام الجمعية - تتمثل في الإعلام الألماني المتحيز ضد الدين الإسلامي، وديمومة الربط بين الإسلام وبين الظلم والفقر والتخلف والعنف والقتل والإرهاب والحرب. ومن ثم، يمكن القول - كما أشار إمام الجمعية - إن إظهار الإسلام في صورة معكوسة يبدو أمرا مستهدفا ومقصودا، لا جدال فيه. ولعل تلك الصورة قد تكثفت بشدة إبان أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، إذا صار جميع المسلمين متهمين ومدانين، مما ولد شعورا تلقائيا بالخوف، وانعدام الفعالية، والاستعداد دوما للدفاع، وصار ديدن المسلمين هو التبرير والتفسير الدائم والمستمر، دون أن يكون لهم نفس الحق في طلب التفسير من الطرف المقابل. وفي خلال ثلاث سنوات، أوذيت الجمعيات الإسلامية بألمانيا، إما بالهجوم من قبل الشرطة، أو التفتيش، أو الإغلاق. 3- وأخيرا، وصف الشيخ حمزة الإشكالية الثالثة بأنها أكبر الإشكاليات، قائلاً:
"إنما تعتبر الإشكالية المفسرة للإشكاليتين السابقتين، وتتلخص في معاملة الدين الإسلامي بمنتهى الظلم والغبن، فبينما تعترف الدولة الألمانية باليهودية وبالكنيستين الكاثوليكية والإنجيلية، ومن ثم تعطى لهم الحق الدستوري بتشكيل اتحاد جماعي، ينظر إلى الإسلام باعتباره
"شيئ" من ضمن الاتحاد، وليس باعتباره دينا مستقلا كائنا بذاته، كما هو الحال مع الديانتين اليهودية والمسيحية، الأمر الذي خلق ظلما مؤسسيا فادح". وختم إمام الجمعية الإسلامية بشتوتجارت حديثه قائلاً: "يمكن الخلوص إلى حقيقة مفادها: أنه طالما بقيت الدولة الألمانية غير معترفة بالإسلام كدين عالمي وكرسالة عالمية، وطالما بقيت غير معترفة بالإسلام كجسد مستقل وذاتي، وليس
"شيئ" من ضمن بنيان آخر، فإن الحوار لن يكون إلا ظالما، وإن الاندماج الذي تصبوا إليه الدولة الألمانية لن يكون إلا وهما وكذبا وتضليل". |