العالمية - سفر 1428 هجرية - مارس2007 م - العدد (203) - السنة التاسعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

   

 

ولــكــم فيمـا سبـقــكـم عـظـة وعبـــرة

عاش سخيا ومات كريماً

   

إعداد يوسف ناصر اللهو

 

هذه حكاية من كتاب (حكايات من الكويت) لفضيلة الشيخ عبد الله النوري يرحمه الله، تحكى قصة شاب من بلدي الكويت، عاش وحيداً في كنف والده الذي كان يعد من أثرياء البلد في وقته، وقد ورث تلك الثروة بعد انتقال والده إلى جوار ربه عليه رحمة الله حيث كان هو الوارث الوحيد، فأسرف في إنفاقها حتى نفدت وأصبح من المعدمين حيث انه كان كريما باسط اليد لا يرد طلب ذي حاجة، وكان شاعرا وأديبا وله في الفن نصيب وافر، وقد انقطع عنه الأصحاب وانقطع عنهم فصدق عليه قول الشاعر:

رأيت الناس قد مالوا  إلى من عنده مال

ومن لاعنده مال     فعنه الناس قد مالوا

الحكاية : (ما عال من اقتصد) (حديث شريف)
كان محمد بن فرج من الأثرياء البارزين، وكان له في الكويت ميدان عمل، وكان له في الهند ميادين أعمال، فقد غزا عمله التجاري كثيراً من البلاد، واجتمعت لديه مبالغ من الأموال ضربت الرقم القياسي، وكان ابنه الوحيد عبد الله من خيرة شباب عصره ذكاء وفطنة، لكنه لايميل للعمل وليس له في التجارة نصيب، وليس لها منه ميل، وكان كريماً، بل كان متلفاً للمال عدواً لامساكه، وكان لا يرد طلب سائل، ولم يخب من نيله قاصد، ومع ذلك فقد كان أديبا شاعراً، وفناناً مرموقاً، له في الغناء شهرته، وفي الموسيقى إبداعه وإنتاجه.

ولما بلغ مرحلة الشباب انتقل والده إلى رحمة الله وترك له الثروة الضخمة التي جمعها والتي لم يرثها بعد والده سواه وبدأت يد عبد الله تنفق هذه الثروة ذات اليمين وذات الشمال، فالمادح له فيها عطاء، والسائل له منها منال، والأصدقاء يشربون منها وينهلون، وكل له منها غنم وله فيها نصيب.

ومضت فترة أحس عبد الله أن ذات يده قليلة، ولكن من اعتاد عادة صعب عليه تركها، فقرر أن يحتفظ بالبقية الباقية. ورجع إلى الكويت بعد أن اتلف ماله في الهند وفي غير الهند، وسكن بيتاً صغيراً مما تركه له والده.

وذات يوم علم أن جاراً له مرض فعاده مع العواد، عرف انه مملق، وان له أطفالاً جياعاً فأعطاه من غير سؤال، وبهذا العطاء سهل للمريض طريق الشفاء، وسر عبد الله بذلك، ولكن عبد الله أملق، فاحتجب في بيته ولم يره بعد الإملاق، ولم يفتقده فاقد لأنه غني افتقر. وقديماً قالت الأمثال (من ضاع ماله ضاع حظه).

اعتزل عبد الله الناس ولم يعد يخرج من داره. وذات يوم دخل المدينة بدوي يسأل عن عبد الله بن محمد الذي توفي منذ أعوام، وهل هو حي، وأكثر السؤال حتى دل من يعرف عبد الله وهذا بدوره قاد البدوي إلى بيته.

وطرق البدوي الباب، وانفتح الباب، واطل منه هرم أشعث معروق الوجه سقيم من علة، غائر العينين، بارز الخدين، ظاهر المتربة، رث الثياب، فسلم عليه البدوي وقال: أريد عبد الله بن محمد.

إجابة الكهل: أنا هو، فماذا تريد مني؟ قال: أريد الجلوس إليك لاتحدث معك. ففتح له بابه وادخله داره الخالية من كل متاع إلا من حصير بال، عليه قطيفة بالية هي فراشه وهي مرقده ومنها دثاره.

وقال البدوي: أودع أبوك عند أبي غنماً نمت حتى بلغت ثلاثمائة رأس، ولم أكن اعلم بأنها وديعة، وفي العام الماضي وقد حضر أبي الموت، فأوصاني بأن أوصلها إليك، وها هي الاكبش في طرف البلد (في الصفاة). فارجوك أن تأخذ أمانتك وقد علمت من أبي أن لا وارث لمحمد غيرك.

وكان عبد الله مطرقاً يستمع للبدوي حتى أتم كلامه وسكت برهة ثم رفع إليه طرفه وقال: دخلت يا أخا العرب داري وليس لدي ما أضيفك به حتى لا خادم يهيئ لك ما أضيفك به، وقد قدمت من بعيد وللقادم حق كبير على من قدم عليه.

لهذا كان لك عليّ حق لابد من الوفاء به وقد أتيت معك بمال هو لي تركة والدي وائتمنك وأباك عليه، وقد أديت ووالدك حق الأمانة مشكوراً، واني اشهد الله وأشهدك انه حق لك وهو حق الضيافة الواجبة لك عليّ وحق الأمانة التي حفظتها حتى أديتها لمن ائتمنك عليها، فاذهب يا أخي بالغنم مبارك لك فيها، فقد قبلتها منك شاكراً ووهبتكها مكافئاً، ومضيفاً، وأنا يا أخا العرب رجل كبير في السن عليل في الصحة، معدوم الأهل والولد، وأنت ما زلت لك في الحياة مطمع فاقبلها مني مشكوراً.

حاول البدوي وقد رأى فقر عبدالله ومتربته أن يرد عليه ولو شيئاً يسيراً من الغنم أو من ثمنها ليشبع جوعته ويكسو عريته، ولكن عبد الله أبى إلا أن تكون هذه الأغنام كلها ضيافة للبدوي. وخرج البدوي إلى باديته يسوق ثلاثمائة رأس من الغنم كان قد أتى بها لعبد الله بن محمد، وقد وهبها له عبد الله وهو في اشد حاجته إكراما للأمانة وأداء لحق الضيافة.

ولم يلبث عبد الله بعد هذه الحادثة أن توفي وقد خلد التاريخ اسمه في سجل الخالدين واثبت شعره مع الشعراء البارزين واكسبه شهرة لم يكتسبها الأثرياء، وأبقى له ذكراً لم ينله التجار والأغنياء.

أيها القارئ الكريم

في هذه الحكاية تجد ما اعتاد عليه الإنسان فهو لايمكن أن يتخلى عما اعتاد عليه، ولو كان لايملك شيئاً، ولنا في من سبقونا الشيء الكثير مثل هذه الحكاية التي تدل على الكرم والتطلع إلى السمعة الطيبة، وهذا ما كان عليه الآباء والأجداد من أهل بلدي الكويت، مما جعلهم أهلا للمكانة العالية من الشعوب حتى غدوا لمن جاء بعدهم عظة وعبره.