ء
 

   
العالمية - سفر 1428 هجرية - مارس2007 م - العدد (203) - السنة التاسعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

سيرة خاتم النبيـين أعظـم تراث إنسـاني
رسالته الخاتمة صحّحت أغاليط التاريخ وأنصفت النبوّة والرسالات الإلهيّـة
 وردت اعتبار الحقائق الكونيّـة

 

بقلم: د. سعد المرصفي أستاذ الحديث وعلومه

 

مهما حاول بعض السفهاء النيل من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن سيرته ستظل بإذن الله تعالى أعظم تراث إنساني على الإطلاق فقد جاءت رسالته الخاتمة لتصحّح أغاليط التاريخ، وتنصف النبوّة والرسالات الإلهيّـة، وتردّ اعتبار الحقائق الكونيّـة، فوضعت هذا التاريخ في مواجهة النبوّة وأحداثها، ووضعت الحياة كلها أمام الرسالات الإلهيّـة وأعمالها، ووضعت الوثنيّـات وفلسفاتها في مكانها من منازل الجحود!

فلم يستطع التاريخ بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يلوي عنقه مشيحاً عن الحديث في النبوّة ومكانها في دنيا الناس والأشياء، ولم تستطع الحياة أن تنغص رأسها متجاهلة مكانة الذين شرفوا بقلائد النبوّة من المصطفين الأخيار، ولم تستطع أن تصعّر خدّها متغافلة متعامية عن أشعة الحق في رسالات رسل الله الذين بعثهم إلى الحياة نورًا يـبدّد ظلام القلوب والعقول والأرواح، ويهذّب جموح الغرائز الإنسانيّـة الضارية، ويشذّب الأفكار الشائكة بشبهات الجهالة، وأغلوطات الضلالة، في أدمغة أحلاس هوس الفلسفة، بما لا يعني شيئاً غير هوس التعالي، في ألغاز مريبة غامضة، وألفاظ مظلمة قاتمة، تسبح في محيط خيالي لا مرفأ له، تستقر فيه حقيقة من حقائق الحياة في واقعها الوجودي الذي جاء ت به النبوّة والرسالات الإلهيّـة، وعرفت الحياة للدين معناه الشامل القويم الذي يعني المعاني والقيم والحقائق الإيجابيّـة في منهج النبوّة والرسالات الإلهيّـة، وعرفت ألا تقابل بين الدين والدنيا، وإنما التقابل الحق بين حياتين، هذه الحياة التي يحياها الناس والأشياء، وللدين فيها منهجه الأعم والأشمل الذي استقاه من معين النبوّة والرسالات الإلهيّـة، وحياة آتية لا ريب فيها، وللدين فيها معرفته التي تلقّـاها عن وحي النبوّة والرسالات الإلهيّـة!

أعـظـم شـهـادة

وقد قضى الرسول صلى الله عليه وسلم أربعين سنة من عمره في مكة قبل أن يبعث.. فكان بين أهلها، يعاملهم في أمور الحياة ليل نهار، وهي الحياة اليوميّـة وما تنطوي عليه من أخذ وعطاء، ومن شأنها أن تكشف عن أخلاق المرء، فيتبيّـن للناس فسادها وصلاحها، وهي عيشة طويل طريقها، كثيرة منعطفاتها، وعرة مسالكها، تعترضها وهدات مما قد يصدر عن المرء من خيانة، وإخفار عهد، وأكل مال بالباطل، وعقبات في الخديعة والخيانة، وتطفيف الكيل، وبخس الحقوق، وإخلاف الوعد، وقد اجتاز الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السبل الشائكة الوعرة، وخلص منها سالماً نقيّـاً، لم يصبه شيء مما يصيب عامة الناس، حتى دعوه (الأمين)!

ومع كل هذا خالفه المخالفون أشدّ الخلاف في دعوته، ولم يتركوا سبيلاً إلى ذلك إلا سلكوه ، فقاطعوه وعاندوه، وصدّوا عن سبيله، ورموه بالحجارة، وأرادوا قتله، وكادوا له كيدهم!

ولكن لم يجرؤ أحد منهم على أن يقول شيئاً في أخلاقه، ولا أن يرميه بالخيانة، أو ينسب إليه الكذب في القول، أو إخلاف الوعد، أو إخفار الذمة، أو نقض العهد!

وإن من ادعى النبوّة وقال: إن الله يوحي إليه، فكأنه ادّعى العصمة والبراءة من جميع المفاسد ومساوئ الأعمال .. ألم يكن يكفي قريشاً في ردّهم على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذكروا أموراً عمل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بغير الحق، وأن يشهدوا عليه بأنه أخلفهم وعداً، أو خانهم في أموالهم، أو كذب في شيء مما قاله لهم ؟!

كفار قريش أنفقوا أموالهم وبذلوا نفوسهم في عداوته صلى الله عليه وسلم لكـنـهـم لـم يستطيعوا أن يصموه بشيء في أخلاقـه

إن قريشاً أنفقوا أموالهم، وبذلوا نفوسهم، في عداوة الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم، وضحوا بفلذات أكبادهم في قتاله، حتى قتل منهم وجرح كثيرون، لكنهم لم يستطيعوا أن يصموه بشيء في أخلاقه، وكانت أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وشؤونه ظاهرة لجميع الناس، معلومة لهم، استوى في ذلك أحبابه وأعداؤه، ولم يَخْف عليهم شيء في أمره !

روى ابن جرير عن السدي :
لما كان يوم بدر، قال الأخنس بن شريك لبني زهرة : يا بني زهرة، إن محمدًا ابن أختكم، فأنتم أحق من كفّ عنه، فإنه إن كان نبيّـاً لم تقاتلونه اليوم؟ وإن كان كاذباً كنتم أحق من كفّ عن ابن أخته، قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غَلَب محمد صلى الله عليه وسلم رجعتم سالمين، وإن غُلب محمد فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئاً، فيومئذ سمّي الأخنس، وكان اسمه أبيّ، فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل، فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قطّ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوّة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله:

{فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ}! (آية 44 سورة الأنعام) وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لمّا نزلت: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}! (آية 214 سورة الشعراء) صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: " يا بني فهر، يا بني عدي " لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج، أرسل رسولاً لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: " أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدّقيّ؟".
قالوا: ما جرّبنا عليك إلا صدقاً، قال: " فإني نذير لكم بين يديّ عذاب شديد". فقال أبو لهب: تبّـاً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} ! (آية 1-2 سورة المسد)

ولما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب الدعوة إلى هرقل عظيم الروم، دعا هرقل أبا سفيان، ليسأله عن هذه الدعوة وصاحبها، وكان أبو سفيان يومئذ على العداوة للإسلام ورسوله!

وهنا كانت إجابة عدوّ يتمنّى لو استطاع أن يقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمحو اسمه، ويخفض من شأنه، ثم هو يُدعى إلى مجلس صاحب سلطان، ليشهد عنده في عدوّه، ودعا هرقل بترجمانه، فقال فيما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما:

أيّـكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً!
فقال : ادنوه منّي، وقرّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره ! ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا الرجل، فإن كذَبني فكذّبوه ! فوالله! لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبت عنه! ثم كان أول ما سألني عنه أن قال : كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب! قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا! قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا ! قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم! قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت : بل يزيدون! قال: فهل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت: لا! قال: فهل كنتم تـتّهمونه بالـكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا! قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها! قال: ولم تمكنّـي كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة! قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم !

قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه!، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة! فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها! وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله!

وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه! وسألتك هل كنتم تـتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد كنت أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله ! وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل!، وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم! وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب!
وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر!
وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة، والصدق، والعفاف!
فإن كان ما تقول حقّـاً فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشّـمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه !
فهل تجدون شهادة أعظم من هذه الشهادة ؟

إن الموقف حرج، وإن السائل ملك ذو شوكة وقوة، يسأل رجلاً قد ملأ الضغن صدره في هذا الوقت عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يقول فيه إلا الصدق والحق!
وإن هرقل لم يستطع أن يقف حيال هذه الشهادة صامتاً فقال ما قال: وأي شهادة أصدق من هذه الشهادة؟
إن تاريخ الرسل عليهم صلوات الله وتسليماته لم يسجّـل مثل هذه الشهادة عن غير خاتم النبيّـين صلى الله عليه وسلم!
ثم إن الذين آمنوا كانوا من أمة عريقة في الحريّـة، ذات عقول ناضجة وفطنة، ولهم حماسة وحميّـة، لم تلن قناتهم لحكومة قاهرة، ولا ذللت أنفتهم دولة قويّـة منذ فجر التاريخ، وكانت لهم تجارة واسعة النطاق، تصدر فيها وترد سلعهم وأمتعتهم بين بلاد شتّى، وكانت مملكة فارس، وبلاد الشام، ومصر، وآسيا الصغرى، مضربهم وموارد تجارتهم.. ولاحتكاكهم بالأمم المتمدنة، ولقائهم الرجال من مختلف الأمم، تفتـقت آراؤهم، واتسعت عقولهم، وازدادت تجارتهم، يدل على ذلك ما أثر عنهم من الأقوال، وما وصل إلينا من صفحات التاريخ من الأخبار، وكان من هؤلاء من قاد الجيوش وانتصر بها، فعدّ من أعظم الفاتحين!

وكان منهم من ساس البلاد، وحكم الناس، فأحسن الإحسان كله في سياسته وحكمه، حتى عُدّ من أعدل الولاة، وأحكم الحكام سياسة وتدبيراً!

وهل يسوغ في العقل أن من أوتي مثل هذا العقل الراجح، والرأي الحصيف، يخفى عليه شيء من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أو ينخدع به؟
هؤلاء هم الذين نقلوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما شهدوه بأنفسهم، وسمعوه بآذانهم، وكانوا يرون الاقتداء به سعادةً لهم، والاهتداء بهديه شرفاً لهم في الدنيا، وذخراً لهم في الآخرة، فاقـتفوا آثاره، وسلكوا سبيله، واستنّـوا بسنّـته!

أشدّ الناس إيماناً بالرسول صلى الله عليه وسلم وأملأهم قلوباً بمحبته
وإجلاله هم أطول الناس صحبة له ومن لا يكادون يفارقونه إلا قليلاً

ومن الشواهد الكثيرة على أن السيرة النبويّـة نقيّـة من كل ما يخدش في دعوى الرسالة، أن أشدّ الناس إيماناً بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأملأهم قلوباً بمحبته وإجلاله، هم أطول الناس صحبة له، ومن لا يكادون يفارقونه إلا قليلاً، كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم!

ولو لم يكن من معالم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا هذا التراث الفكري العظيم في مكتبات العالم قديماً وحديثاً، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وفي خزائن العلم والمعرفة التي يملكها الأفراد والجماعات، والهيئات والطوائف، في شتّى بلاد العالم، لكفى في إبراز القيمة الحقيقيّـة لما بذلت الأقلام في تسجيل وتدوين مجالات الفكر والعلم والبحث من كل ما دار حول محور رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها أعظم تراث إنساني!