العالمية - محرم 1428 هجرية - فبراير2007 م - العدد (202) - السنة التاسعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

  جاليات إسلامية

 

مسلمو بلغاريا يواجهون مخاطر التهميش والحرمان

 

 

رضا عبد الودود:

يعيش في بلغاريا أكثر من 3 ملايين مسلم يواجهون مخاطر التهميش وحرمان مناطق تركزهم في الجنوب والجنوب الشرقي وشمال شرق بلغاريا من الاستثمارات الاقتصادية، إذ يعاني نحو 60%-70% من البطالة بسبب السياسات اليمينية التي تسعى لتطهير بلغاريا من الجنس التركي...
ويقول المؤرخون: إن الإسلام بدأ في الانتشار في بلغاريا مع الفتح العثماني للعاصمة صوفيا عام 1383 ميلادية، وحكمها العثمانيون 495 سنة أي حتى عام 1878م. ويشكل المسلمون حاليا حوالي 17 % من إجمالي السكان..وكان في صوفيا وحدها 30 مسجدا لم يبق منها إلا مسجد واحد فقط..

مسلمو بلغاريا تعرضوا لاضطهاد واسع في العهد الشيوعي
و أممت أراضيهم وأجبروا على تغيير أسمائهم الإسلامية

ومن المعروف أن مسلمي بلغاريا تعرضوا لاضطهاد واسع في العهد الشيوعي؛ حيث أممت أراضيهم وأجبروا على تغيير أسمائهم الإسلامية بأخرى بلغارية، كما أجبروا على الهجرة عدة مرات كان آخرها في أواخر الثمانينيات؛ حيث هاجر 320 ألف مسلم تركي من بلغاريا إلى تركيا ودول أخرى، وبعد سقوط الشيوعية سمح لهم باستعادة أسمائهم الإسلامية، لكن عمليات الهجرة استمرت بسبب تردي الأحوال الاقتصادية.
وعلى الرغم من تواصل الحملات العدائية التي تشنها العديد من القوى الدولية ضد المسلمين تحت مسميات عدة؛ سواء مكافحة الإرهاب، أو تهديد البناء الاجتماعي للمجتمعات غير الإسلامية... إلا أن الفترة الأخيرة شهدت العديد من التطورات الإيجابية التي تدفع نحو حصول المسلمين على حقوقهم السليبة.. حيث يشاركون في الإئتلاف الحاكم بين الاشتراكيين وحركة الحقوق والحريات"الممثل الرئيس لمسلمي بلغاريا"، إضافة لدعمهم الرئيس "جورجي بارفانوف" في الانتخابات الرئاسية الأخيرة..

مأساة ممتدة

ولعل الإطلالة على تاريخ معاناة المسلمين في بلغاريا تكشف عن مدى التقدم الذي حققه مسلمو بلغاريا منذ عام 1994م، رغم الظروف القاسية التي يعايشونها في ظل جميع الحكومات المتعاقبة، فمنذ حوالي أربعين سنة حاول الحزب البلغاري الشيوعي الحاكم أن ينهي الوجود الإسلامي التركي في بلغاريا، فاستولى على مساجدهم وأوقافهم، وحرم عليهم دراسة الدين الإسلامي أو تداول المصاحف. ولأن الحزب الشيوعي البلغاري الحاكم تمادى في قهره وعناده إلى درجة سن القوانين التي تحرم الأقلية التركية المسلمة من تقلد الوظائف، أو الاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية والتأمينية، ما لم يغيّروا أسماءهم، وتنقيتها من كل ما له علاقة بأسماء أو مسميات إسلامية. من ذلك: أن كل من يشتمل اسمه أو لقبه أو كنيته على محمد أو أحمد أو عبد الله أو أي من أسماء الله الحسني، أو الصحابة (مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي) كان يتعرض لهذه التفرقة التعسفية. كذلك حُرم على أفراد هذه الأقلية تعلم اللغة التركية أو التحدث بها.. هذا كله رغم أن الأتراك المسلمين البلغار هم الآن من سكان بلغاريا الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام منذ القرن السادس عشر، مع الفتح العثماني لبلغاريا والبلقان.

ولأن مسألة "الهوية" من أكثر الأمور الإنسانية تعقيدًا، فإن الأقلية التركية المسلمة قاومت, ثم أذعنت، ولكن لم تتخل أو تستسلم في الدفاع عن هويتها.

وقد اكتشف بقية البلغار والعالم ذلك بمجرد سقوط الشيوعية في بلغاريا ومنذ ذلك الوقت (1990) وليس لهذه الأقلية التركية المسلمة من شاغل إلا استعادة هويتهم وتنظيم صفوفهم دون التخلي عن شبلغاريتهمدد فهم لم يقبلوا -لا قبل سقوط الشيوعية ولا بعدها- عروض الرحيل إلي تركيا أو غيرها من بلدان ذات أغلبية إسلامية.

وعقب انهيار الحكم الشيوعي في 1990م دخلت واشنطن بقوة في أعماق الداخل البلغاري بحجج أمنية ذاق المسلمون خلال تلك الفترة الممتدة منذ 1990 وحتى الآن مرارات وصفهم بالإرهاب رغم الإرهاب القسري الذي مورس ضدهم من جميع فئات المجتمع البلغاري والغربي، كادت تعصف بوجودهم أساسًا لولا ما منحهم الله من ميزة فطريةد حيث يعد الشعب الجنس البلغاري من أكثر شعوب العالم إنجابًا.

مشاركة مسلمي بلغاريا

وكان حزب حركة الحقوق والحريات -الذي يمثل الأقلية المسلمة والحزب الاشتراكي البلغاري- قد وقع يوم الأحد 24/7/2005 اتفاقًا لتشكيل ائتلاف حكومي يضم 13 عضوًا من الحزب الاشتراكي و5 وزراء من الحركة, فضلاً عن أعضاء من أحزاب أخري ليس من بينها حزب الوسط القومي الحاكم الذي رفض الانضمام للائتلاف.
يذكر أن حركة الحقوق والحريات المسلمة قد انضمت إلى الحكومة لأول مرة في عام 2001 بعد فوزها بـ20 مقعدًا في الانتخابات، ومثلها في تلك الحكومة وزيرا شالزراعةد وشالآفات والطوارئد, علاوة علي سبعة مناصب: نائب وزير بوزارات الصناعة والدفاع والمالية والاقتصاد والإسكان والبيئة، وثلاثة من حكام الأقاليم في بعض المدن الرئيسية، من بينها العاصمة صوفيا. وفي الانتخابات البلدية التي جرت في عام 2003 حصلت علي 10% من الأصوات، ونفس النسبة حصل عليها حزب حركة الوسط القومي.

يذكر أن حركة الحقوق والحريات قد تشكلت أثناء الحكم الشيوعي لبلغاريا كرد فعل على حملة الإدماج الإجبارية التي طبقتها الحكومة علي الأقلية المسلمة التي تعرضوا خلالها لاضطهاد واسع، حيث أممت أراضيهم، وأجبروا علي تغيير أسمائهم الإسلامية إلي أخري بلغارية. وتعتمد الحركة علي دعم المسلمين ذوي الأصول التركية -وعددهم حوالي 800 ألف ، إضافة إلي السلافيين الذين دخلوا في الإسلام في أثناء حكم العثمانيين، فضلاً عن مجموعة قليلة العدد من الغجر المسلمين.

ويتركز المسلمون ببلغاريا في الوقت الحاضر في جنوب وجنوب شرق البلاد. وتشير إحصاءات رسمية إلي أن نسبة المسلمين في بلغاريا حاليًا تصل إلي 2.12% من إجمالي السكان البالغ عددهم نحو 9 ملايين نسمة.. أما الحزب الاشتراكي البلغاري فهو الحزب الشيوعي السابق الذي أعيد تشكيله وتسميته بعد 45 عامًا حكم فيها بلغارياد حيث قام زعيمه جورجي بارفانوف بإدخال تعديلات إصلاحية عليه عام 1996 ليصبح جماعة شاشتراكية ديمقراطيةد. وقد أصبح بارفانوف أحد الشخصيات البارزة في بلغاريا حتي تولي رئاسة الدولة بعد فوزه في انتخابات عام 2001، ثم فوزه بفترة رئاسية ثانية في 29/10/2006م.

مستقبل مسلمي بلغاريا

ويبقي أمام مسلمي بلغاريا عدة تحديات تواجههم علي المدى القريب،

 أولها: التنصير:
 
حيث إنه بعد انضمام بلغاريا للاتحاد الأوروبي لن يحدث للمسلمين ما حدث في الماضي, لكن يبقي خطر التنصير ووصم المسلمين بالإرهاب الموضة السارية في أوروبا قاطبة، مما سيحرم المسلمين من الحريات فيُعتدي علي خصوصياتهم ويرهبون إعلاميًا وثقافيًا.

وتستخدم الحكومة سلاح البطالة والحصار لإغراء شباب المسلمين بالارتداد عن دينهم والاندماج في المجتمع البلغاري إذا أرادوا التغلب علي أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، فهم محرومون من الالتحاق بالمدارس الراقية والجامعات المتقدمة والوظائف السيادية.

ثانيًا: حملات التشويه والإذابة:
المسلمون في بلغاريا وعلي الرغم من حصولهم علي بعض الحقوق ، حيث سُمح لهم منذ سنة 1994م بفتح بعض المدارس وتكوين الأحزاب والمشاركة في الانتخابات، إلا أنهم لم يستعيدوا بعد أسماءهم الإسلامية التي فرضتها عليهم الشيوعية والتي فقدت حيادها وموقفها الثابت من الدين فبدت أرثوذكسية أكثر منها ملحدة!

بالإضافة لرزمة القوانين والتنظيمات الإدارية التي تحرم الأقلية التركية المسلمة من تقلد الوظائف, أو الاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية والتأمينية.

علاوة علي العداء المستمر من قبل الحكومة البلغارية للمسلميند حيث مازالت المخاوف قائمة لدي المسلمين من تبني الحكومات المتتالية الجرائم الشيوعية ضد المسلمين هناك, وإن كانت صور هذه الجريمة تتم بصورة أقل شراسة بوضع العراقيل أمام قيام المسلمين بأي دور سياسي وتعميق الخلافات بين القيادات المسلمة وإغرائهم بالسلطة والمال لشق صف المسلمين وإشاعة الفرقة بينهم, وممارسة أشد الضغوط الاقتصادية علي مناطقهم بإبقائها أسيرة الفقر والجهل، وطبقًا لهذا الأسلوب تنامي الفقر بصورة مفزعة وسط مسلمي بلغاريا، ونهش غول البطالة أجسادهم لدرجة أن 75% من مسلمي بلغاريا من دون عمل, وهو ما يفتح الباب أمام منظمات التنصير لصهر هويتهم.

ثالثًا: التحديات الثقافية:
 
حيث يواجه المسلمون في بلغاريا في المرحلة الحالية عدة مصاعب، أبرزها: طبيعة المجتمعات الأوروبية, وانفتاحها الكبير, وقلة عدد الجمعيات والمؤسسات الإسلامية, وقلة الكتب الإسلامية المترجمة حيث لا توجد -حتي الآن- ترجمة معتمدة للقرآن باللغة البلغارية، إضافة إلي الصعوبات التي يصنعها الشيوعيون لإعاقة العمل الإسلامي.

يعاني المسلمون البلغار عدم وجود مساجد تستوعب المصلين
ففي العاصة (صوفيا) لا يوجد سوي مسجد واحد تؤدَّى فيه صلاة الجمعة

ويعاني المسلمون البلغار عدم وجود مساجد تستوعب المصلين، ففي العاصة (صوفيا) لا يوجد سوي مسجد واحد تؤدَّي فيه صلاة الجمعة، وهو بحاجة إلي ترميم وفرش, بالإضافة إلي الاحتياج الشديد إلي إنشاء المدارس الإسلامية, وتزويدها بالمدرسين والدعاة المتخصصين في كافة المدن البلغارية التي يتكثَّف فيها الوجود الإسلامي.

رابعًا: براجماتية الحكومة التركية:
فعلي الرغم من الاهتمام والدعم اللذين توليهما حكومة رجب أردوغان التركية لقضية المسلمين البلغار بخلاف الحكومات السابقة التي كانت تعد إلى فترة قريبة الداعم الأول لمسلمي بلغاريا, لكن هذا الدعم تلاشي قبل عدة سنوات، حيث توصلت الحكومات التركية المتعاقبة منذ عهد ديميريل وتانسو تشيللر ومسعود يلماظ إلى صفقة مع النظام البلغاري أنهت مساندة تركيا للمسلمين والاعتراض على سوء أوضاعهم مقابل وقف جميع أشكال الدعم والمساندة التي تقدمها بلغاريا لحزب العمال الكردستاني وترحيل كوادره من الأراضي البلغارية، بما يهدد أوضاع المسلمين على المدى البعيد..

خامسًا: الجهل بتعاليم الإسلام:
ويأتي بعد ذلك الجهل الشديد بتعاليم الإسلام وعدم معرفة أبسط العبادات مثل الصلاة، والصوم، وتنامي تيار يكتفي بمعلومات مختصرة وبدائية في مجال الدين، والنظر إلي الإسلام علي أنه دين مناسبات واحتفالات وأن العبادات فيه أمر اختياري وليس إجباريًا، وهذا الأمر هو ثمار الفترة الشيوعية التي مارست أبشع درجات الحصار ضد المسلمين، ومازالت آثارها باقية رغم انهيارها منذ 16 عامًا..

والسبب واضح ويتمثل في تبني الحكومات المتعاقبة استراتيجية الشيوعيين في إذابة الإثنية المسلمة في بلغاريا. بما يهدد التقدم السياسي الذي نجح حزب الحقوق والحريات -بقيادة أحمد دوجان- في انجازه.. بما يضع في أعناق مسلمي العالم ومنظمة المؤتمر الإسلامي والمؤسسات الخيرية انقاذ 3 مليون مسلم ، بتقديم يد العون لهم، بعدما تمسكوا بدينهم رغم أخاديد الإذابة والصهر التي نصبها الشيوعيون لهم علي مدار أكثر من أربعين عامًا..