|
تعد الأسرة درعا حصينة لأبنائها تربية وتوجيها ورعاية ، ولا يكون الإنسان قويًّا عزيزًا إلا إذا نشأ في ظل أسرة تحصنه وتحتضنه بدفئها ، والأسرة في المنظور الإسلامي هي التي تلتزم بأوامر الله وتتجنب نواهيه ، وتربي أبناءها على الخلق القويم ، والأسرة المسلمة نواة للمجتمع المسلم ، ولهذا تحتل الأسرة مكانة مرموقة وسامية في التشريع الإسلامي لكونها الحصن الحصين والواقي الذي يسهم في ترسخ أركان المجتمع وتقوية لحمته وتمسكه بالإسلام ، ومن هنا يسعى الغرب لتدمير مؤسسة الأسرة من خلال مواثيقه ومؤتمراته الدولية عبر طرح صيغ ومفاهيم تتنافى مع المبادئ الإنسانية فضلا عن السماوية ، لذا وجب أن نعي وندرك مدى حرص الإسلام على الأسرة . ولإلقاء الضوء على مكانة الأسرة في الإسلام رأينا من المفيد استعراض نبذة مختصرة حول الأسرة قبل الإسلام والأسرة في الغرب ثم تبيان نظرة الإسلام في الأسرة وكيفية تكوينها وحقوق وواجبات كل فرد فيها ، وقد رجعنا في ذلك إلى بعض الكتابات القيمة في هذا الجانب . الأسرة قبل الإسلام
تعرضت المرأة
قبل الإسلام لكل أنوع وأشكال التعسف والظلم والامتهان
وجاء الإسلام فأنصفها وكرمها تعرضت الأسرة قبل الإسلام لكل أنوع وأشكال التعسف والظلم ، ووقع الجانب الأكبر من الظلم والامتهان على المرأة أوالبنت ، ومن أمثلة ذلك أنه لو مات الرجل وخلف زوجة كان يحق لولده من غيرها أن يتزوجها وأن يتحكم بها ، أو أن يمنعها من الزواج ، وكان الذكور الرجال فقط هم الذين يرثون وأما النساء أو الصغار فلا نصيب لهم ، وكانت النظرة إلى المرأة أماً أو بنتاً أو أختاً نظرة عار وخزي لأنها كانت يمكن أن تسبى فتجلب لأهلها الخزي والعار فلذلك كان الرجل يئد ابنته وهي طفلة رضيعة كما قال تعالى : ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ) النحل / 58 ، كما كانت الأسرة بمفهومها الأكبر القبيلة تقوم على أساس النصرة لبعضها البعض ولو على أساس ظالم . الأسرة في الغرب تعاني التفكك والانهيار
فالوالدان لا سلطان لهما على أولادهما لا فكريا ولا خلقيا تعاني الأسرة في الغرب من التفكك والانهيار ، فالوالدان لا سلطان لهما على أولادهما لا فكريا ولا خلقيا ؛ فالابن يحق له - بموجب التقاليد والأعراف السائدة - أن يذهب أين شاء أو أن يفعل ما يشاء ، وكذلك البنت يحق لها أن تفعل ما تشاء باسم الحرية وإعطاء الحقوق وبالتالي ما النتيجة ؟ إحصاءات مفزعة عن الحوامل خارج إطار الزوجية ، وحوادث الاغتصاب حدث ولا حرج ، هذا فضلا عن الأعداد الرهيبة من أسرٌ مفككة ، والأطفالٌ الذين ولدوا من غير زواج , وآباء وأمهات لا راعي لهم وكما قال بعض العقلاء إذا أردت أن تعرف حقيقة هؤلاء القوم فاذهب إلى السجون وإلى المستشفيات وإلى دور المسنين والعجزة ، فالأبناء لا يعرفون آباءهم إلا في الأعياد والمناسبات . وقد شذ الغربيون عن إباحة تعدد الزوجات حال الضرورة ، واستبدلوا بتعدد الزوجات الشرعية، السفاح واتخاذ الأخدان ، يقول الفيلسوف الإنجليزي (سبنسر): إن الزوجات كانت تباع في إنجلترا فيما بين القرنين الخامس والحادي عشر، وإنه حدث أخيرًا في القرن الحادي عشر أن المحاكم الكنسية سنَّت قانونًا ينص على أن للزوج أن ينقل أو يعير زوجته إلى رجل آخر لمدة محدودة حسبما يشاء الرجل المنقولة إليه، وشر من ذلك ما كان للشريف الحاكم من الحق في الاستمتاع بزوجة الفلاح عند عقده عليها أربعاً وعشرين ساعة. هذا إلى غير ما كان في هذه الفترة من أحكام وقرارات جائرة ظالمة للمرأة وكرامتها. ورغم حالة الانحدار التي وصلت إليه أوضاع الأسرة في الغرب إلا أن دعاة التحرر والانفلات مازالوا يبشرون بأفكارهم ونظرياتهم التي تدعو لهدم الأسرة وتكريس العلاقات المحرمة ونظيرتها الشاذة من خلال إشاعة مفاهيم الجندر أى النوع الإنساني ، والعلاقات المثلية والجنس الآمن في أوساط المراهقين والمراهقات ، غير أنه وسط هذه البيئة الفاسدة ظهرت بعض الأصوات والجمعيات التي تنادي بالعودة إلى الفطرة ورفض كل أشكال العلاقات خارج إطار الزواج الشرعي . الأسرة في ظل الإسلام
القرآن الكريم رسم للمرأة شخصية متميزة قائمة
على احترام الذات وكرامة النفس وأصالة الخلق ولما كانت المرأة هي محور أساس في الأسرة المسلمة ، فقد رسم لها القرآن الكريم شخصية متميزة، قائمة على احترام الذات، وكرامة النفس، وأصالة الخلق، فآيات القرآن الكريم تؤكد المساواة البشرية في الحقوق الطبيعية والتكاليف الشرعية بين الرجل والمرأة، فالقرآن يتحدث عنها بما يُفيد مشاركتها للرجل، وتحملها للتبعة معه، فيقول في قصة آدم أبي البشر: ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ، وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا، وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) (البقرة: 35) ويقول عن النساء والرجال: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) ( البقرة: 228 ). وهي درجة القوامة والرعاية في الأسرة. ويقول: ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُون، وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) ( النساء: 7). ويقول: ( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) ( آل عمران: 195). ويقول أيضًا: ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ، وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ، وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ، وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ، وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ، وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ، وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ، وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ، أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) ( الأحزاب: 35) . وحرص الإسلام أشد الحرص على إرساء وتثبيت الأسرة ، والمحافظة على تماسكها مع إعطاء كل فرد من الأسرة دوراً مهماً في حياته ، فالإسلام كرم المرأة أما ، فعن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: أمك ، قال ثم من ؟ قال : ثم أمك ، قال : ثم من ؟ قال : ثم أمك ، قال : ثم من ؟ قال : ثم أبوك " . وكرمها بنتا : فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو ابنتان أو أختان فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن دخل الجنة" . وكرمها زوجة : فعن عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي " . رواه الترمذي ( 3895 ) وحسَّنه . وأعطى الإسلام المرأة حقها من الميراث وغيره ، وجعل لها حقا كالرجل في شؤون كثيرة قال عليه الصلاة والسلام :" النساء شقائق الرجال " رواه أبو داود في سننه (236) من حديث عائشة وصححه الألباني في صحيح أبي داود 216 . وأوصى الإسلام بالزوجة ، وأعطى المرأة حرية اختيار الزوج وجعل عليها جزءاً كبيراً من المسؤولية في تربية الأبناء . وجعل الإسلام على الأب والأم مسؤولية عظيمة في تربية أبنائهم : فعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته " قال : فسمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وحرص الإسلام على غرس مبدأ التقدير والاحترام للآباء والأمهات والقيام برعايتهم وطاعة أمرهم إلى الممات : قال الله سبحانه وتعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما او كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ) الإسراء / 23 . وحمى الإسلام الأسرة في عرضها وعفتها وطهارتها ونسبها فشجع على الزواج ومنع من الاختلاط بين الرجال والنساء . وجعل لكل فرد من أفراد الأسرة دورا مهما فالآباء والأمهات الرعاية والتربية الإسلامية والأبناء السمع والطاعة وحفظ حقوق الآباء والأمهات على أساس المحبة والتعظيم ، وأكبر شاهد على هذا التماسك الأسري الذي شهد به حتى الأعداء . استشارة زوجية
هل ما يفعله زوجي صواب ؟ التدين الصحيح ليس صلفاً وشدة وانعزالاً و مفهومه ليس مقصوراً فقط على العبادات . إحدى السائلات تقول : تزوجت منذ 8 سنوات من رجل فاضل، وقامت علاقتنا على العاطفة والاحترام وكنا مسلمين مؤمنين، لكننا لم نكن ملتزمين تمام الالتزام. ومنذ أن منّ الله على زوجي بالالتزام والتدين الشديد التزم قيام الليل والتهجد وأصبح ما شاء الله يفعل كل شيء بنية لله سبحانه وتعالى. لكنني أحس أنني أعيش مع رجل غريب عني بالرغم من أنني تغيرت وسلكت طريق الله، ولكن أشعر أنني لم أمتلك نفس القدر من الحب السابق في نفس زوجي. أما أنا فالحمد لله أحاول تقويم نفسي، أؤدي فروضي وطاعاتي لله لكنني أحب الحياة، وأحب أن أدخل البهجة على أطفالي وأحب القراءة كثيراً ولا أحب العزلة. أشعر أن أطفالي يحتاجون المعرفة والبهجة والتطور مني وعدم العزلة ومعرفة العالم الكبير من حولهم. يعني بعد كل سنوات الحب والتفاهم أصبحنا شخصين مختلفين. هل هذه هي أحوال المسلمين، وهل ما يفعله زوجي صواب؟ وماذا أفعل في حياتي التي أشعر أنها تغيرت؟ ويجيب عن هذا السؤال الداعية الإسلامي والمستشار في موقع " الاسلام اليوم " سعد بن عبد الله الشبانات قائلا : أختي العزيزة: زوجك لازال يحبك ويستمتع بالعيش معك، ولكنه في هذه الفترة يحتاج إلى أن تقفي معه أكثر من أي فترة مضت؛ لأنه دخل في مرحلة التدين أو الالتزام إن صحت التسمية وهو يجهل هذه المرحلة، ويحتاج إلى فترة من الزمن حتى يتعرف عليها بشكل صحيح. وذلك التغير الذي تلاحظينه وتعانين منه سببه -والله أعلم- إنه يعيش نوعاً من الاضطرابات، يحس أن الالتزام الذي تلبس به حرمه مما كان يفعله من قبل، ولذلك هو يريد أن يطبق الالتزام على نفسه، وعلى من يسكن معه في البيت، فيشعر بالضغط النفسي؛ لأن البيت يعيش بوضعية معينة خلال ثمان سنوات قد مضت فمن الصعب أن يتغير كل شيء خلال سنة واحدة وبسرعة، لذلك أوصيك بما يلي:- أولاً: الصبر على الزوج واحتساب الأجر فهو باب من أبواب الجنة. وأيضاً من باب حفظ الود له فقد عشت معه ثماني سنوات، وظهرت محبته لك، وعرفته حق المعرفة؛ فمن حقه عليك أن تقفي معه في مثل هذا الظرف، كذلك من أجل البيت والأبناء فلا بد من الصبر فبه يستجلب الخير. ثانياً: لابد أن تعيدي التوازن المفقود في البيت والذي عبرت عنه بقولك (وماذا أفعل في حياتي التي تغيرت) وأنا أقول تعيدينه بإعادة الزوج إلى توازنه، وذلك من خلال الوعي الصحيح بحقيقة التدين، وأنه ليس صلفاً وشدة وانعزالاً عن العالم، وأن مفهومه ليس فقط مقصوراً على أداء عبادات معينة، وينتهي الأمر. لابد أن يفهم هذا المفهوم ولكن ذلك لن يكون إلا بالحوار الهادئ في وقته المناسب، وذلك بأن تستغلي هدوء نفسه وتناقشيه عندما تحين فرصة أو موقف، أو من خلال برنامج في التلفاز، أو بأي وسيلة بدون أن يشعر أنك تتقصدين ذلك، وبلا شك فهذا الأمر يحتاج إلى صبر ومدة من الزمن. فاستعيني بالله فهو المستعان. ثالثاً: حاولي أن تتفقهي في الدين لأمرين هما:- 1- لكي يقوى التزامك المعتدل. 2- لكي تستطيعي أن تحاوري زوجك على بصيرة ووعي. رابعاً: أيضاً حاولي قدر المستطاع أن لا يتأثر الأولاد بهذا الخلاف، ولا يقحمون فيه لا من قريب ولا من بعيد، وعدم إشعارهم بأي شيء؛ لأن الأبناء إذا أحسوا بأن بينكما شيئاً فسوف يختل التوازن في البيت بشكل أكبر، والمعاناة سوف تكبر بكثرة المشاكل الناجمة عن إحساس الأبناء بالخلاف سواء في مدارسهم أو فيما بينهم أو غير ذلك. خامساً: كما طلبت المشورة والعون فلا تنسي أن تطلبيها ممن بيده مقاليد السماوات والأرض. عليك بالدعاء أن يعينك الله على هذه المهمة، ويبصرك بما يجب أن تعمليه، وأن يفتح على قلب زوجك، وأن يرده الله إليك ردًّا جميلاً. أكثري من هذه الدعوات ولن تعدمي الخير. ختاماً: أسأل الله لك التوفيق في هذه المهمة الكبيرة وأنا على يقين من أنك سوف تجتازينها بنجاح واقتدار بإذن الله. |