|
تمر الحياة السياسية في هولندا هذه الأيام بسجال متصاعد، حيث يشهد البرلمان جلسات عاصفة على خلفية ما قدمه البرنامج التلفزيوني "زنبلا" الذي ينقل الحقيقة ويكشف الكذب والتضليل للمشاهدين، عندما بث تقريرا مصورا موثقا و مفصلا، عن حياة النائبة البرلمانية "أيان حرصي على" الصومالية الأصل والتي وصلت إلى هولندا أواخر سنة 1992 طالبة اللجوء السياسي، وأصبحت فيما بعد عضوًا في البرلمان الهولندي، وناقدة للتعددية الثقافية في هولندا، ونصبت قبل حوالي عامين كمتحدثة رسمية عن لجنة اندماج الأقليات بالبرلمان، تطاولت على الإسلام على مر هذه السنوات، سعيا وراء الشهرة ومنافع انتخابية، دعمها في ذلك التيار اليميني المتشدد ذو الميولات المتطرفة، الذي جند وسائل الإعلام منذ أحداث 11 سبتمبر لاستفزاز المسلمين، و ربطهم بالإرهاب، وتم تكريمها وتتويجها ونالت الأوسمة والجوائز في بعض البلدان الأوروبية تحت شعار تشجيع الإبداع وحرية الرأي .. وركز البرنامج على كل مراحل حياتها اليومية قبل دخولها إلى هولندا، وبين مدى التناقض في روايتها التي قدمتها في ملف اللجوء، بداية من تزوير اسمها و تاريخ ميلادها، وادعائها أنها جاءت مباشرة من الصومال التي تمزقها الحرب الأهلية آنذاك، وأكدت أن حياتها كانت مهددة، في حين بين البرنامج بالصور والوثائق أنها كانت في تلك الفترة تعيش في كينيا، التي لم تمر بأي حرب، وكانت آمنة تدرس وتعيش حياة طبيعية مستقرة تحت رعاية الأمم المتحدة للاجئين كما أكد أخوها وعمتها وبقية أقاربها أنها لم تُكره أو ترغم على الزواج من قريبها كما تدعي، وعرض التقرير قرائن تبين مدى حميمية العلاقة مع زوجها، وأنها كانت تحبه ويبادلها نفس الشعور وكانا في وئام تام. واتخذت حرصي علي من قصة الإكراه على الزواج المزعومة مطية للنيل من الإسلام، الذي اعتبرته ظالما للنساء و لا يعطي المرأة الحق في اختيار شريك حياتها وهي عبارة عن ملكية خاصة أو متاع. وبهذا قدمت نفسها ضحية يُراد اغتصابها وإجبارها على العيش قهراً مع من لا تحب واعتبرتها جريمة ارتكبت في حقها عندما زوجها أبوها من رجل لا تعرفه ولا تحبه، معممة الأمر على المرأة المسلمة،التي تقاسي من الظلم والاضطهاد حسب ادعائها، وبهذه المغالطات قدمت نفسها للمنظمات والهيئات الاجتماعية والسياسية زعيمة ومناضلة من أجل حرية المرأة المسلمة ومساواتها مع الرجل، وبذلك لقيت تعاطفا وتأييدا من المؤسسات الحكومية والمدنية لتمرير ادعاءاتها ومشاريعها .. وأثناء بث البرنامج اتصل بها المخرج سائلا عن هذا التناقض فاعترفت بأنها قدمت مغالطات في روايتها لوزارة العدل في ما يخص اسمها وتاريخ ميلادها وإقامتها والبلد الذي أتت منه، فيما أصرت على روايتها في إكراهها على الزواج، وأكدت أن حزبها اللبرالي(vvd) كان على علم بالموضوع، قبل ترشحها للانتخابات التشريعية . وجاء عرض البرنامج متزامنا مع تقارير ودراسات ومقالات لسياسيين ومحللين هولنديين يحملون المسؤولية لسياسيين نافذين من بينهم نائبة البرلمان الهولندي "إيان حرصي علي " بمعاداة الإسلام بانتقادات مستفزة للثقافة الإسلامية تخدم تصادم الحضارات بين الغرب والعالم الإسلامي وتخدم الكراهية وتهدد تماسك المجتمع وتزعزع الأمن الداخلي للبلد وتجعله عرضة لأعمال إرهابية... وعبر البرلمان الهولندي وجل القوى السياسية والاجتماعية من أحزاب ومنظمات وهيئات استنكارهم لهذا العبث والخداع المتعمد والكذب الصريح، الذي لا يليق ولا يقبل أن يأتي من مسؤول حكومي بهذا المستوى، واستنكروا هذه الممارسات التي تعتبر نقيضا لما تتغنى به النائبة من التحضر والقيم الثقافية والأخلاق وما تدعيه من بسط العدل والمساواة وطالبوها بالاستقالة من البرلمان والحكومة . وطالبوا مسؤولي إدارة الهجرة والجنسية بإعادة النظر في الحق القانوني "لحرصي" بحصولها على الجنسية وبمراجعة ملف لجوئها، لدى وزيرة الهجرة والجنسية "ريتا فير دونك" وهي من نفس حزب النائبة، والمرشحة لزعامة الحزب الذي فقد العديد من المقاعد في الانتخابات البلدية الأخيرة وتراجعت شعبيته نتيجة سياساته الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في الفترة الماضية التي سببت تصدعا في ترابط المجتمع وخلفت انكماشا اقتصاديا لحق الطبقة العاملة والوسطى، واستياء لدى الأقليات جراء قوانين وإجراءات جائرة في حقهم. وبدورها فندت حرصي علي وهونت من الأمر بتصريحات متضاربة ومتناقضة لعديد من وسائل الإعلام والدوائر الرسمية، وأخيرا ما عليها إلا الخضوع (وهو عنوان فيلمها المتهكم على المسلمين) للكشف عن حقيقتها، والامتثال للقوى السياسية بعد هذه الفضيحة بتقديم استقالتها ومغادرة هولندا لأن القانون الهولندي ونزاهة الساسة الهولنديين لا تتسامح مع الكذب والخداع، وقد امتثلت في الحين لمغادرة هولندا غير مأسوف عليها متوجهة إلى أمريكا حيث حصلت على عمل في معهد "أميركان ن انتربيرسيس" اليميني المحافظ في واشنطن. ومهما بلغت الجروح الغائرة التي أحدثتها هذه النائبة للأقلية المسلمة بهولندا بالاعتداء على الحقوق الشخصية للمسلمين يبقى سلاحنا الصدق في القول في نشر ثقافة الحب والعدل والسلام لنحقق التعايش الآمن بين المجتمعات والحضارات . هذا ونشيد بمستوى الشفافية التامة التي تعاطى معها الإعلام والدوائر الحكومية، ونتمنى من كل مسؤول أن يبتعد عن هذا السلوك المشين لان الكذب والخداع، يؤدي للانقسام والفساد والتلاعب السياسي الذي يقوض السلم والاستقرار. * مدير المركز الثقافي الاجتماعي بهولندا
- kamis@wanadoo.nl |