العالمية - محرم 1428 هجرية - فبراير2007 م - العدد (202) - السنة التاسعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

   

 

ولــكــم فيمـا سبـقــكـم عـظـة وعبـــرة

ويـؤثـرون علـى أنـفسهـم

اعداد يوسف ناصر اللهو

 

ايها القارئ الكريم ... ان الحكايات التي تعيد نشرها - مجلة العالمية - تحت عنوان - ولكم فيما سبقكم عظة وعبرة - من كتاب حكايات من الكويت لفضيلة الشيخ عبدالله النوري تعطي صورة ناصعة على اخلاق اهل بلدي الكويت واصالتهم وحبهم للخير والتسابق على فعله هي الحقيقة الثابتة لما كان عليه وما هم عليه الآن وسيكون كذلك ان شاء الله اهل خير وتعاضد بالتسابق على اعمال الخير حفاظا على ما اخذوه من الاباء والاجداد ليكون ذلك للاجيال اللاحقة عظة وعبرة، والله الهادي الى سواء السبيل. 

 

الا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحبه لنفسهد حديث شريف (الكويت بلاد العرب) هكذا كان الآباء من رجال بلدي يعنونون اوراق رسائلهم التجارية والشخصية التي يستعملونها في معاملاتهم بعد كتابة الاسم والعنوان باضافة - الكويت بلاد العرب - وذلك ايمانا منهم بأن العرب اخوة يجمعهم الاسلام، لهذا فهم يشاطرونهم في الافراح والاتراح، ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة، ويظهر هذا جليا عندما تتعرض البلاد الى بعض الابتلاءات فتراهم يقفون وقفة رجل واحد الصغير والكبير، الغني والفقير على اختلاف آرائهم ومشاربهم، والحكاية التي بين ايدينا والتي ضمها كتاب - حكايات من الكويت - لفضيلة الشيخ عبدالله النوري - يرحمه الله رحمة واسعة هي خير دليل وشاهد.

(ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً واسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) (قرآن كريم)

وصف الله عباده الانصار في المدينة المنورة بأنهم يؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة، فقال جل شأنه شوالذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصةد.

وضاقت الارض بأهل الكويت تلك السنة جوعاً وعرياً، وكانوا يؤثرون على انفسهم ولكنهم يؤثرون المواطن قبل غيره من الناس، والاقربون اولى بالمعروف واحق به، واشتهروا بهذه الصفة بين الناس.

وحصلت في العالم مجاعات شديدة اضطر الناس فيها الى بيع بناتهم في الاسواق مقابل لقمة يخفف بها الانسان جوعته او يسد رمقه.

وفي الخليج حصلت مجاعات شديدة جداً اشدها تلك المجاعة التي سميت (الهيلك) ولعلها كلمة جاءت من الهلاك، دارت على السنة الناس فأبدلت فيها الكاف جيما مصرية او قافا مخففة، ولا اعلم من اين جاءوا بهذا اللفظ وقد أكلوا في تلك المجاعة دماء البهائم وجلودها وميتتها، وبدأت المجاعة هذه في سنة 1285هـ واستمرت حتى 1288هـ، وامتدت المجاعة تلك الى بلاد شاسعة هي ما بين اواسط الفرات في العراق حتى الاحساء في الجنوب، وكذا البلاد الواقعة على الساحل الشرقي في الخليج العربي.

وكان الاغنياء في الكويت يشركون الفقراء في طعامهم، واشتهر من الناس في ذلك العهد رجلان هما: يوسف بن بدر، ويوسف بن صبيح، اتخذ كل واحد منهما بيتا يطبخ فيه الرز ويطعمه للفقراء والجائعين، ويجهز فيه الموتى بما يحتاجون اليه من تجهيز.

وقبل سنة المجاعة هذه كان الامير جابر الاول ابن صباح الاول يطعم الفقراء، وقد عمل مضافة كبيرة يطبخ فيها الرز والذي يسمى في الكويت (العيش) لاطعام الفقراء وسمي بعد ذلك (جابر العيش).

وفي سنة 1914م كانت الحرب العظمى، وحوصر كثير من البلاد، وفي سنة 1916م حصلت مجاعات شديدة لا سيما في العراق وسوريا وكانت الكويت تمد المعونة لسوريا ولبلاد غيرها بالاطعمة المستوردة بسفن الكويت من الهند وافريقيا، ومع كل هذا ومع الخيرات التي كانت تستوردها سفن الكويت وتصدرها لهم لم يسلم بعض الناس فيها من المجاعة بسبب البطالة التي اشتدت وطأتها على جميع بلاد الناس، الا انه لم يبت فيها احد جائعاً.

فلن يجوع فقير وفي المحلة غني، لقد جاد الاجواد بما منّ الله عليهم من الخير، وآسوا الضعفاء واطعموا الجياع وكسوا العراة، وتفقدوا من يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف، فأرسلوا اليهم بالدراهم والطعام على ذلك بلا منّ ولا أذى.

من اولئك الاجواد كان حمد بن عبدالله الصقر، فقد تصدق يوما من الايام بشحنة سفينة من الرز تفقد فيها اهل الحاجة فأنفقها عليهم في يومين اثنين، ولم يتبع ما انفق على مواطنيه منا ولا أذى وقد وجد ولا شك ذلك عند الله.

ولو اردنا ان نحصي اهل الفضل في اوقات المحن لما قدرنا لانهم الكثير، ولا ابالغ اذا قلت انهم الجل، وان الشحيح فيهم قليل او اقل من القليل.