العالمية - محرم 1428 هجرية - فبراير2007 م - العدد (202) - السنة التاسعة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

    

 

العمل الخيري في أفريقيا ... صراع من أجل البقاء

 

ظلت القارة الأفريقية، وخاصة تلك المناطق التي يتركز فيها الوجود الإسلامي ميداناً فسيحاً ومجالاً مفتوحاً تمرح فيه المؤسسات الغربية العاملة في مجال العمل الخيري، وذلك منذ موجة الجفاف التي اجتاحت أجزاء شاسعة من القارة في العقد الثامن من القرن المنصرم حين تهافتت هذه المؤسسات على المنطقة مدعية إغاثة السكان لكنها في الحقيقة كانت تسعى إلى تنفيذ إحدى أخطر مخططاتها الاستراتيجية.

لكن سرعان ما اكتشف المتتبعون لأنشطة ومناهج تلك المؤسسات، المستور فوجدوا أن العمل الخيري هنا ليس إلا مجرد غطاء رقيق للوصول إلى عمق المجتمعات الإسلامية الأفريقية التي ظلت تستعصي على محاولات الاختراق نتيجة صمود الشعوب.

ولما انتبه المسلمون إلى أهمية الدور الخطير الذي يمكن أن يقوم به العمل الخيري، وإلى خطورة ترك هذا المجال الحيوي خالياً، سارع خصوم المشروع الإسلامي إلى الانتقال بالعمل الخيري إلى أفق أرحب، فانتقل من القطاع الشعبي الإغاثي حيث أصبحت المؤسسات العاملة قوة ضاربة تمارس الضغط على الأنظمة الهشة فاستطاعت ركوب حصان حقوق الانسان حتى كان لها صوت يدوي داخل المنتديات الدولية وترتعد لها فرائض الدول.

فهذا هو الخصم العتيد الذي نهضت المؤسسات الخيرية الإسلامية للتصدي له في كل ركن من أركان القارة، وقد مضى على ذلك اليوم ما يربو على ربع قرن، وهي مسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز والتحديات والإخفاقات كذلك.

وهنا يواجهنا السؤال: ألم يئن الأوان بعد لجرد ما في الحصالة حتى يتأتى بالتالي إعادة ضبط بوصلة الحركة؟

ورغم ما تتطلبه محاولة الإجابة عن سؤال ضخم كهذا من فحص واستقصاء و جمع وطرح لا يتيحه لنا هذا الحيز المحدود، فإننا نتجاسر هنا فنحاول القيام بمقاربة الموضوع ولو من باب الفضول ولفت الأنظار.

نزلت المؤسسات الخيرية الإسلامية الساحة والمؤسسات الغربية تعيث في الأرض فساداً عريضاً وتتخطف أولئك الضعاف الذين لم تنضجهم عقيدتهم على نار المعرفة المؤصلة، وكان الدافع يستند إلى عاطفة مشبوبة وغيرة تتأجج، ورغم عدم تكافؤ القوى، سرعان ما استطاعت المؤسسات الإسلامية تثبيت أقدامها.

يطيب للبعض توجيه النقد اللاذع للعمل الخيري الإسلامي في أفريقيا حين يعقدون مقارنة بينه وبين العمل الخيري المنافس، فبالإضافة إلى عدم اكتمال الصورة عند هؤلاء، فإن هذا النقد، وإن كان لا يمكن رده جملة وتفصيلاً، يحمل قدراً كبيراً من التجني والافتئات.

فولد هذا موجة هائلة من القلق لدى الطرف الآخر الذي تحرك بسرعة لاحتواء هذا الخطر الماحق الذي طلّ وذلك عندما اكتشف ما يمكن أن يمثله العمل الإسلامي من تحديات بحيث يكون قادراً على إرباك خططه وإفشالها في النهاية.

استطاع العمل الخيري الإسلامي، رغم المآخذ التي لا يخلو منها عمل بشري، تغيير المعادلة التي كانت قائمة حتى ذلك الوقت وعرف هذا العمل تحولات جذرية في ظرف قصير، ويمكن تلمس ذلك الأثر الإيجابي الذي تركه في:

كون العمل الخيري الإسلامي جعل مسلمي المنطقة يملكون البديل الذي يمكنهم من الصمود أمام جبروت الآلة الكنسية التي كانت تستفرد بالساحة وتفرض رؤيتها، وبالتالي يكونون قادرين على الإعراض، فتولد لدى المسلمين شعور بأن ثمة من يحنو عليهم باسم رابطة الانماء الإيماني.

والميزة الأخرى هي قدرة العمل الخيري الإسلامي على إيصال المنفعة إلى المحتاج بصورة مباشرة ودون أدنى جهد يبذله وتبرز هذه الخاصية في البرامج ذات الطبيعة الاجتماعية الصرفة (أيتام، أضاحي، آبار، إغاثة عاجلة...).

العمل الخيري الإسلامي استطاع في فترة وجيزة نسبياً
ترك بصمات واضحة في المناطق التي تحرك فيها في أفريقيا

وفضلاً عن ذلك اتسمت طرق العمل الخيري الإسلامي بسرعة الإنجاز، وهي خاصية يفتقدها كثير من المؤسسات الخيرية غير الإسلامية. وقصارى القول هو أن العمل الإسلامي استطاع في فترة وجيزة نسبياً ترك بصمات واضحة في المناطق التي تحرك فيها، وهو الأمر الذي دفع الطرف المقابل، الذي لم يكن يحسب للعمل الخيري الإسلامي في البداية أي حساب، إلى التحرك بسرعة وقوة وذلك من خلال استراتيجية مزدوجة:

تمثل الشق الأول في ممارسة نوع سيئ من التأليب على مستوى المصب وذلك بمضايقة العمل الخيري الإسلامي سعياً إلى عرقلة أنشطتها عن طريق توظيف النفوذ واستغلال ضعاف النفوس. وفي مرحلة لاحقة انتقلت المعركة من بلاد المصب (افريقيا) إلى بلاد المصدر أو المنبع (الخليج) وذلك في إطار المشروع الجهنمي الذي عرف في وسائل الإعلام بتجفيف المنابع، وقد تحول هذا الجهد إلى محاولات مستميتة لردم ينابيع الخير بصورة نهائية.

فحين اشتد الصراع واستحرت المصاولة، ركب الخصوم حصان الإرهاب بدل حصان طروادة على عادتهم، وللأسف وجدوا مرة أخرى طابوراًخامساً يؤازرهم بل يسول لهم ويسهل، لكن القابضين على الجمر صمدوا: "وما ضعفوا وما استكانوا"

نعم! وضعت رقبة العمل الخيري الإسلامي بين السيف والنطع لكن قافلة الخير مضت صعداً وامتد خط الإنجاز فتحول إلى معالم بارزة تنير الدرب فكانت تلك الحصيلة الخيرة:
عشرات الألوف ممن كان اليتم على وشك أن يدمر مستقبلهم أعيدوا إلى قارب الحياة وهي اليوم تبتسم لهم بعد أن كلحت في وجوههم زمانا.

صدحت كلمة التوحيد في قرى ونجوع وتلال طالما عششت فيها الخرافة المتهافتة وأسرت أهلها أسلاك التخريف وأحاجي الثالوث.

- انتعاش بلدان واخضرار ربى كان الظمأ يقتلع بذور الحياة في جنباتها.

فاللوحة الوضاءة ضخمة الحجم، يا ليت قومي يحسنون العد ويحذقون الإحصاء لكن يكفي: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".

لنرى حجم جني أيادي الخير التي امتدت من ضفاف الخليج الإسلامي لتعبر المحيطات وتقطع الفيافي متوغلة في غابات القارة المسلمة لتنتشل الألوف بل الملايين من براثن الجوع وحصار العلل وأسر الجهل. وبحكم مواكبتي لنشأة وتطور العمل الخيري الإسلامي في أفريقيا أقول وأنا مطمئن بأن المنجز يشرف الأمة ويسوء العدو وإلا فما كان يبالي حتى يكبد هذا الكيد كله، ورغم ذلك فإن التحدي لا يزال يربو على الإنجاز.


العمل الخيري يجتاز عقبة خطيرة تقتضي قدراً عالياً من اليقظة
ونظرات سديدة للتخفيف من وطأة المعوقات أمامه

وهنا نستدير لنواجه أنفسنا بالسؤال: أتكون قراءتنا للوضع صحيحة إذا تصورنا بأننا أدينا الشهادة ولم يبق إلا المحافظة على المكاسب؟

لا! فالعمل الخيري الإسلامي يجتاز عقبة خطيرة تقتضي قدراً عالياً من اليقظة ونظرات سديدة تمكننا من اعتماد الأسس والآليات ما يمكننا من التقييم الصحيح والرصد الحصيف لخطوات العاملين وتقييم ما بذل من الجهد وما تحقق من الأهداف وماتبقى من الغابات والمرامي وبالتالي نهيئ أنفسنا لمتطلبات المرحلة القادمة، ومن كل ذلك نستخرج خطة رشداً نستهدي بها. فهذا الجهد الجاد سينتهي بنا إلى:
- إعادة ضبط الأهداف والتفريق ما بين الثانية والمتحولة أو النهائية والوسيطة.
- رؤية أوضح لاحتياجات ومطالب المجتمعات التي نتحرك في جنباتها.
- الوقوف على خطط واستراتيجيات الخصوم ومقايسة ذلك كله بما عندنا حتى يتأتى أن نقارع ومستوى الأهبة لدينا جيد.
- القدرة على إزالة أو التخفيف من وطأة المعوقات على العمل الخيري الإسلامي في أفريقيا.

ومن العوامل التي يمكن أن تسهل المهمة في التحرك بالعمل الخيري الإسلامي في أفريقيا الاستفادة من السند الشعبي الذي لا يملكه الخصم، وبالأخص التجمعات الشعبية التي تشكل ظهيراً قوياً وامتداداً طبيعياً للعمل الخيري الإسلامي مع العلم أن معظم المؤسسات الإسلامية لم تحسن بعد الاستفادة من هذا الرصيد الجيد.

فثمة قضايا جوهرية على مؤسساتنا العناية بها منها فهم وحسن استغلال الآليات الإدارية للدول التي نعمل بها، الاهتمام برسم الأولويات انطلاقاً من واقع ومتطلبات المجتمعات المسهدفة مع تحوير النشاط على فكرة التنمية المستدامة من خلال شرؤية المدى البعيد.

العمل لتغيير النظرة النمطية المصوبة على العمل الإسلامي وذلك بتصويره مجرد قنوات بسيطة لإيصال الصدقات لا أقل ولا أكثر، الأمر الذي ينتج عنه تغيب الدور الحقيقي الذي تؤديه المؤسسات الخيرية الإسلامية، رغم أن كثيراً من المؤسسات الإسلامية أصبحت اليوم تتفوق على ضراتها في مجال إيجاد التنمية. الانتقال من الارتجال إلى التخطيط الذي هو البعد الغائب لدى قطاع عريض من المؤسسات الإسلامية العاملة في مجالات العمل الخيري.

وأخيراً لا بد من الاستعداد لمزيد من التناطح والمناولة مع الخصوم لسببين، أولهما عدم الجدوى من محاولات الحصول على شهادة الخلو من فيروس الإرهاب، وثانيهما مجرد وجود لافتة "إسلامي" يقض مضاجع القوم الظالمين.