|
القرآن الكريم يعالج مخاوف النفس المتنوّعة، وهي تواجه مخاطر الهجرة في سبيل الله طلباً للحريّـة والكرامة والحياة في رحاب الإيمان!، يعالج هذه المخاوف في وضوح وفصاحة، فلا يكتم عنها شيئاً من الأخطار.. بما فيها خطر الموت.. ويسكب فيها الطمأنينة بحقائق أخرى، وبضمانة الله سبحانه وتعالى: وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً! ( آية 100 سورة النساء ) إن المنهج القرآنيّ يعالج تلك المخاوف .. والتي قد تـتكرر بذاتها أو بما يشابهها في كل حين!، ويسكب الطمأنينة بحقائق أخرى، وبضمانة الله سبحانه وتعالى.. فهو أولاً يحدّد الهجرة بأنها: فِي سَبِيلِ اللّهِ ! وتلك هي الهجرة المعتبرة في الإسلام.. ومن يهاجر هذه الهجرة يجد في الأرض فسحة ومنطلقاً، فلا تضيق به الأرض، ولا يعدم الحيلة والوسيلة للنجاة وللرزق وللحياة! يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً! وإنما هو ضعف النفس وحرصها وشحها، يخيّـل إليها أن وسائل الحياة والرزق مرهونة بأرض، ومقيّـدة بظروف، ومرتبطة بملابسات، لو فارقتها لم تجد للحياة سبيلاً ! وهذا التصوّر الكاذب لحقيقة أسباب الرزق، وأسباب الحياة والنجاة، هو الذي يجعل النفوس تقبل الذلّ والضيم، وتسكت على الفتـنة في الدّين، ثم تـتعرّض لذلك المصير البائس!، مصير الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ! والله عزّ وجلّ يقرّر الحقيقة الموعودة لمن يهاجر في سبيله.. وأنه سيجد في أرض الله منطلقاً.. وسيجد فيها سعة.. وسيجد معيّـة الحق في كل مكان يذهب إليه، يحييه ويرزقه وينجيه ! ولكن الأجل قد يوافي في أثناء الرحلة والهجرة في سبيل الله!
والموت لا علاقة له بالأسباب الظاهرة.. إنما هو حتم محتوم عندما يحين الأجل المرسوم.. وسواء أقام أم هاجر، فإن الأجل لا يستقدم ولا يستأخر!
غير أن النفس البشريّـة لها تصوّراتها وتأثّـراتها بالملابسات الظاهرة.. والمنهج يراعي هذا ويعالجه، فيعطي ضمانة الله بوقوع الأجر على الله منذ الخطوة الأولى من البيت في الهجرة إلى الله ورسوله! وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ!
إنها صفقة رابحة دون شك.. يقبض فيها المهاجر الثمن كله منذ الخطوة الأولى، والموت هو الموت، في موعده الذي قدره الله.. والذي لا علاقة لها بهجرة أو إقامة، ولو أقام المهاجر ولم يخرج من بيته لجاءه الموت في موعده، ولخسر الصفقة الرابحة، فلا أجر ولا مغفرة ولا رحمة.. بل هناك الملائكة تتوفّـاه ظالماً لنفسه! كرامة الإنسان في الكـون هذا، والكرامة الإنسانيّـة قبل كل شيء كما يقول المرحوم الدكتور دراز سياج من الحرمة والعصمة، والصيانة والحصانة، تصون صاحبها من أن يهون على الناس، أو يضيّـعوا حقًّـا من حقوقه، أو ينتهكوا حرمةً من حرماته ! وذلك هو جانبها السلبي الخارجي الدفاعي! أما حقيقتها الإيجابيّـة فهي تاج من الشرف والنبل.. يتقاضى صاحبه أن ينظر إلى نفسه نظرة احترام وتكريم.. نظرة يعرف بها أن مكانته في هذا العالم مكانة السيّـد لا المسود.. لا أعني سيادة الإنسان على الإنسان، فالناس في نظر الدّين القيّـم كلهم سيّـد في نفسه، لا سيادة لأحد على غيره، ولا سيادة لغيره عليه.. وإنما هي من جهة سيادة عالميّـة، يسيطر بها المرء على مختلف الأشياء في البر والبحر والهواء!
ألم يسخّـر الله عزّ وجلّ للإنسان ما في السموات وما في الأرض جميعاً، ولم يسخّـره هو لشيء منها؟! اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ! ( آية 12-13 سورة الجاثية ) الإنسـان يـحظـى بـرعايـة اللـه سبحانـه حـيـث يسـخـر لــه
الخلائق الكونيـة الهائلة لينتفـع بـها عـلى شتى الوجوه إن الإنسان يحظى من رعاية الله سبحانه بالقسط الوافر، الذي يتيح له أن يسخّـر الخلائق الكونيّـة الهائلة، وينتفع بها على شتّـى الوجوه.. وذلك بالاهتداء إلى طرف من سرّ الناموس الذي يحكمها، والذي تسير وفقه ولا تعصاه! ولولا هذا الاهتداء إلى طرف السرّ ما استطاع الإنسان بقوّته الهزيلة المحدودة أن ينتفع بشيء من قوى الكون الهائلة، بل ما استطاع أن يعيش معها، وهو هذا المخلوق الصغير، وهي هذه المردة الجبابرة من القوى والطاقات والأحجام والأجرام!. وهدى الله الإنسان إلى هذا كله فأمكنه أن ينتفع به، وأن ينتفع كذلك بالبحر في نواح أخرى، كالصيد للطعام والزينة، وكذلك التجارة والمعرفة، والتجربة والرياضة والنزهة، وسائر ما يبتغيه الحيّ من فضل الله في البحار! سخّـر الله للإنسان البحر والفلك، ليبتغي من فضل الله، وليتجه إليه بالشكر على التفضّـل والإنعام، وعلى التسخير والاهتداء.. وهو يوجه قلبه بهذا القرآن إلى الوفاء بهذا الحق، وإلى الارتباط بذلك الأفق، وإلى إدراك ما بينه وبين الكون من وحدة في المصدر ووحدة في الاتجاه إلى الله! كرامة الحريّـة والعزّة تأبى بصاحبها أن يهون على نفسه
وأن يذّ ل لمخلوق غيره وتلك ما أورثنا إياها الإسلام وتـتألّف المرتبة الثانية من الكرامة الإنسانيّـة.. كرامة الحريّـة والعزّة التي تأبى بصاحبها أن يهون على نفسه، وأن يذّل لمخلوق غيره، كائناً من كان.. هذه المرتبة من الكرامة هي كسابقتها منحة فطريّـة عامة، تولد مع الإنسان، غير أنه لا يشعر بها على تمامها، ولا يقدّرها حق قدرها إلا المؤمن الذي لا يعرف السجود لحجر، ولا لشجر، ولا لشمس ولا لقمر، ولا لملك ولا لبشر! كرامة العمل الصـالح وأخيراً ترتفع من مستوى الطبيعة، ومن مستوى العقيدة، إلى مستوى السلوك والسيرة، لتلتقي بمرتبة ثالثة ينشئها المرء إنشاء، ويكتسبها اكتساباً، بما يختطّـه لنفسه من نهج حميد، وما يحققه بجدّه وجهده من أهداف رفيعة.. مستوحياً مواهبه الإنسانيّـة العليا.. مسيطرًا على قواه وغرائزه الدنيا.. مسترشدًا بأمر ربّـه وهداه.. محاذراً من خداع شيطانه وهواه! الإسـلام والرق وقد يقول قائل : إذا كان الإسلام قد كرّم الفرد، وهو لبنة في بناء البشريّـة، فما لنا نراه لم يـبتّ في إلغاء الرق؟ ونحن نعجب لمن يـتحدّث عن الإسلام والرق، كأنما يتحدّث عن نظامين قابلين للتعاون والتساند، أو عن طبيعتين قابلتين للاختلاط والامتزاج، على حين أن الرق والإسلام ضدان لا يلتقيان إلا كما يلتقي سواد الليل وبياض النهار! وهل كانت الصيحة الأولى للإسلام إلا صيحة التحرير من ربقـة العبوديّـة؟! وهل كانت الحملة الأولى إلا حملة التطهير من ذلّ الخضوع، والخنوع لشيء أو لأحد غير الله؟! إن الاسترقاق إهدار للكرامة الإنسانيّـة، فكيف يكون من صنع الإسلام الذي أعلن كرامة الإنسان؟! وإن الاستعباد تبديل للفطرة، فكيف يكون من نظم الإسلام الذي هو دين الفطرة؟! نبأ ما قبل الإسلام لقد كانت هناك شرائع في الشرق والغرب.. في اليونان وفي الرومان.. وفي غيرهما.. فتحت باب الرق على مصراعيه، فكان جزاء القاتل أن يكون عبداً لوليّ الدم! وكان المدين الذي يعجز عن وفاء دينه ينقلب مملوكاً لدائنه!وكان السارق الذي يضبط عنده متاع يصبح رقيقاً لربّ المال!
وفي قصة يوسف عليه السلام : قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ! (آية 75 سورة يوسف ).
وكان السلطان المطلق المخوّل لرب الأسرة على أعضائها يبيح له أن يقـتل منهم من شاء، وأن يبيع من شاء، وكان نير العبوديّـة متى وضع على عنق فلا فكاك منه أبد الدهر، إلا أن يتفضّـل السيّـد بفكّـها بمحض إرادته! ثورة حكيمة منظمـة هكذا كانت أوضاع المجتمع الإنسانيّ قبل بعثة محمد خاتم النبيّـين وقدوة المصلحينصلي
الله علبه وسلم.. فماذا صنع محمد صلي الله علبه وسلم حين جاء بالإسلام؟! إنه أعلنها ثورة غاضبة على هذه الأوضاع كلها.. ولكنها ثورة حكيمة منظّمة، كثورته على الخمر، وثورته على الربا، وثورته على سائر النظم الفاسدة المزمنة، والرذائل الموروثة المتمكّـنة! لقد كانت سوق الرق في تلك المجتمعات مقبرةً مفتّـحة المداخل، موصدة المخارج، وكان الرق وباء يتساقط فيه الناس تساقط الفراش في النار، وكان الحريق أعظم من أن تطفئه نفخة واحدة، والداء أوسع من أن يعالج بوسيلة مفردة ! فانظر إلى الجهاز الذي أعدّه نبيّ الإسلام صلي الله علبه وسلم لإنقاذ هذه العمارة الإنسانيّـة المحترقة المتآكلة، إنه جهاز مركب من ثلاثة أجهزة : نطاق من الحواجز ضربه حول النار، حتى لا يندلع لهيبها إلى خارجها! ومفاتيح فتح فيها أبواب الدار، لينطلق منها كل من استطاع النجاة!. وميازب من الغيث صبّـها على من بقي في الدار، لتكون النار عليهم بردًا وسلاماً.. ريثما يتيسّـر لهم الخروج منها!
ولم يكتف الإسلام بتحصين الأحرار أنفسهم من خطر الاسترقاق، بل إنه حال بينهم وبين أن يخرج من أصلابهم ذريّـة تستعبد، وذلك بمنع التزاوج بين الأحرار والإماء إلا في حالة الاضطرار، وخشية العنت، وهذا من أوضح الأدلة على أن الإسلام قبل أن يبدأ بالعلاج الشافي من الرق بالفعل، أراد بهذه التشريعات الواقية منع إنشاء فئة جديدة من الأرقاء! أسـرى المـحـاربــين غير أن هناك شبهة تجول في الخواطر، ونرى من الأمانة العلميّـة أن نعرضها، وأن نعالج كشفها وجلاء الحق فيها!
أما الشبهة فهي أن الإسلام وإن كان قد سـدّ كل الأبواب التي أشرنا إليها، والتي كانت تـتّخذ ذريعة إلى إنشاء رق جديدة إلا أنه قد ترك بجانب هذه الأبواب منفذاً صغيراً لم يغلقه، ذلك هو حال الحرب الإسلاميّـة المشروعة، وهي التي يعتدي فيها الكفار على بلاد الإسلام.. أليست الشريعة قد أباحث للمسلمين في هذه الحال أن يعاملوا أسرى المحاربين لهم بإحدى خطط ثلاث: إما بإطلاق سراحهم!وإما باسترقاقهم! وأما بقتلهم! . والجواب أن الأمر ليس كما يظنّـه الناس في هذه الخطط الثلاث.. فالواقع أنها في نظر الإسلام ليست سواء في المشروعيّـة!
فنحن إذا نظرنا في نصوص القرآن الكريم، لم نجد فيه أثراً لقـتل الأسير ولا استرقاقه، وإنما نجد له فيه مصيراً واحداً كريماً، وهو إطلاق سراحه ببدل أو بغير بدل: فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء! ( آية 4 سورة محمد ) كما أننا إذا تـتبّـعنا سنة الرسول صلي الله علبه وسلم لم نجد فيها أنه أذن قط بقتل الأسير، إلا في حالة شاذة نادرة، كان الأسير فيها معروفاً بخطورته وشدّة نكايته بالمسلمين، فهو ليس قاعدة عامة ، وإنما هو استثناء يطبق على الشاذين الخطرين!
وهذا هو ما يعرف في لغة العصر باسم عقوبة مجرمي الحرب ! بقي الاسترقاق.. وواضح أنه يلي القـتل في القسوة والشناعة، وأن الإسلام ينظر إليه كنظرته إلى القتل، كما أن الحريّـة في نظره شقيقة الحياة، ألا ترى كيف جعل كفارة الخطأ تحرير رقبة؟!
إن هذا هو تعويض الحياة بالحياة، فإن رفع الرقيق إلى مستوى الحريّـة يعدّ إدراجاً له في زمرة الأحياء.. بعد أن كان محسوباً في عداد الأموات! وهكذا يتبيّـن لنا أنه ليس في روح التشريع الإسلامي ولا في نصوصه، ما يشجّـع المسلمين على استرقاق أسراهم، أو يجعله في نظرهم سواءً هو والمنّ على هؤلاء الأسرى بالحريّـة، فإن لجأ الإسلام يوماً إلى استرقاق الأسير، فإنما يكون ذلك منه نزولاً على حكم الضرورة، اتقاءً لخطره، وكسرًا لشوكته، وشوكة قومه.. على أنه لا يجعل ذلك مصيره النهائي.. وإنما يجعله إجراءً مؤقتاً، وخطوة انتقاليّـةً إلى الحلّ الصحيح الذي يرضاه ويلحّ في المطالبة بتحقيقه.. ألا وهو التحرير الكامل! |