|
لحكايات الصادقة التي تروى عن الآباء والاجداد كلها عظات وعبر، ولا تحيد عن
تعاليم الاسلام لانهم يسيرون على ما جاء في كتاب ربهم فهم لإماناتهم راعون،
ونية المرء خير من عمله. (أثر حسن) فقد كانت علاقاتهم الشخصية ومعاملاتهم
التجارية تسير وفق ما قال الله تعالى وما جاء في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم
-، فجمعهم على الصدق بالقول والعمل، ولا تزال آثار معاملاتهم وصلاتهم
بغيرهم حكايات تروى فيها الكثير من العظات والعبر.
نية
المرء خير من عمله ضاقت الحال بسليمان، ولم يكن سليمان من أهل الكويت ولكنه ممن يتردد عليها، يجلب
إليها ما يستورد من العراق أو من بلدان الخليج، ويخرج منها ببضائع يصدرها إلى
الشمال وإلى الجنوب إلى بلدان الخليج.
وخسر في عمله هذا ولم يجد مخرجاً من هذه الخسارة، وخاف على مستقبله ومستقبل من
يقوتهم من عياله.
وفكّر وقدّر، وعرف الناس رجلاً أميناً كان مستودع أمانات يقال له عبد الله بن
خالد.
وجاء سليمان إلى عبدالله بن خالد قائلاً له:
تذكر يا أخي أني منذ سنتين أودعتك 50 ليرة عثمانية ذهبية، والآن أنا في حاجة
إليها فأعد إلي وديعتي حفظ الله عليك صحتك ومستقبلك.
ونظر عبدالله إلى وجه الرجل فلم يعرفه ولم يذكر أنه رأى هذا الوجه من قبل. عبد الله داره وأتى بخمسين قطعة ذهبية عثمانية سلمها إلى الرجل.
ذهب سليمان بما استلم وتاجر وسافر وعاد وكرر السفر والعودة وربح كثيراً، وبعد
عام جاء إلى مجلس عبدالله بن خالد، وبعد أن غص المجلس بمن فيه من رجال، وقف
سليمان وفي كفه خمسون قطعة ذهبية قائلاً: يا عبدالله بن خالد، أتيتك في العام
الماضي مدعياً بأني أودعت عندك ذهباً، ولم تسألني عن موعد الإيداع ولا عن شهود
ولا بينة، وإنما سلمت لي المبلغ من غير أن تقول كيف ومتى، والحق أني لم أكن
صادقاً فيما ادعيت، ولكني كنت تاجراِ فخسرت، ونويت أن أعمل وأن أرد إليك ما
أخذت منك وأطلع الله على صدق نيتي فأنعم عليّ بخير وفير وربح كثير.
وها أنا وقد حال الحول أعيد المبلغ إليك معتذراً وشاكراً، وهذا مالك في يدي
خمسون قطعة ذهبية عثمانية، أرجو أن تقبلها وأن تغفر لي كذبي. وأن تقبل مني عذري
وشكري.
قال عبدالله بن خالد لجلسائه، جاءني هذا الرجل في العام الماضي وفي مثل هذا
اليوم، وادعى انه اودع عندي خمسين قطعة ذهبية. ونظرت إلى وجهه وقرأت ملامحه،
وعلمت أنه تاجر على أبواب الإفلاس، ويخشى على مستقبله، وعلمت كذلك أنه معيل وقد
أعطيته المبلغ الذي طلبه، وأنا ناوٍ في نفسي أنه لله لأنقذ به مستقبل شاب
وعائلته، وقد كان الله عند حسن ظني، والحمد لله فقد كنت واثقاً بالحديث الشريف
القدسي الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه (أنا عند حسن ظن
عبدي بي)، وقد وفق الله هذا الرجل وربح وأسأل الله له التوفيق.
ثم التفت إلى سليمان وقال له: إن المبلغ الذي عندك والذي استلمته مني العام
الماضي كان لله، وليس لك فاذهب مباركاً لك فيه إن شاء الله.
أيها القارئ الكريم هكذا كانت معاملات من سبقنا من الآباء والأجداد: صدق،
أمانة، خشية لله تعالى في السر والعلن «يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والابصار».
فيارب اسألك المغفرة لعبدك المحتاج إلى رحمتك فضيلة الشيخ المرحوم - عبدالله
النوري - واسكنه فسيح جناتك وجازه أحسن الجزاء، وأن يتحقق له قصده لتكون هذه
الحكايات لمن بعده عملاً ينتفع به وفيها العظة والعبرة - والله المستعان. |