القاهرة : محمود عبد الرحمن
توقفت كتابات ومقالات المفكر الإسلامي الدكتور مصطفى محمود.. فى الآونة الأخيرة..
كما توقفت لقاءاته وبرامجه التليفزيونية التى استمرت سنوات طويلة.
تأثرت صحته بما أصاب الأمة من حروب وغزوات وأعمال قتل وتدمير وحصار تتجه وفق مخططها
نحو القلب.. وهو عقيدة الأمة ومستقبلها وثوابت دينها وإيمانها.
العلم والإيمان كان دائماً الراية التى حملها المفكر الكبير منذ بداياته وثورته على
المناهج الالحادية.. حقق انتصارات رائدة على كل المستويات الفكرية والنظرية من خلال
84 مؤلفا فى القضايا الفقهية والفلسفية والعلمية والإسلامية.. ومازالت أفكاره تثير
كثيرا من الجدل فى شتى الأوساط.
وإذا كان الإحباط قد ضرب حصاره حول كثير من المفكرين والفلاسفة حتى أودع مصطفى
محمود 82 عاماً قلمه فى غمده .. فما زال فى الأمة قلوب تنبض ومازلنا قادرين على
النهوض وتجديد الفكر والأدوات ومواجهة كل التحديات.
في هذا الحوار أبحرت العالمية في عقل أحد أبرز مفكري الأمة فى العصر الحديث.. د.
مصطفى محمود ليكشف أبعاد الهجمة الشرسة على العرب والمسلمين.. وكيفية التصدي لها
والوثوب إلى المستقبل .. ويوضح مغزى حرب الإبادة الوحشية التى يقودها الصهاينة ضد
العرب والمسلمين فى فلسطين ودورهم المحوري فى المؤامرة العالمية.. وأخيراً رؤيته
للقضايا الخلافية والفلسفية فى إدراك الحق.. والجمال وجانب من اسرار النفس البشرية.
النشأة والأفكار.. فى كلمات
- إذا قدمنا المفكر والأديب د. مصطفى محمود بداية من النشأة والأفكار القديمة
والحديثة .. فماذا تقول فيها..؟
- لا يمكن الحديث عن النشأة والأفكار فى سطور وإنما كل شيء عن حياتي ونشأتي وأفكاري
ورواياتي ومسرحياتي موجودة فى كتبي الـ 84 كتاب فمن أراد أن يعرف كل شئ عني فليقرأ
كتبي. لأنه من الصعوبة تلخيص أفكار انسان ورحلة عمر طويل حافل بالأحداث والمواقف أو
تاريخ كامل فى كلمات وذلك إنما يتحقق بالقراءة.
مواجهة الاعتداءات
المشهد المروع في فلسطين يفرض النجدة السريعة على
الأمة العربية والإسلامية بكل
الأساليب والوسائل الممكنة
ماذا عن الاعتداءات الصهيونية على الفلسطينيين؟
بداية هى جزء من المخطط الكامل.. إلا أن المشهد المروع الذى يجري على الأراضى
الفلسطينية يفرض النجدة السريعة على الأمة العربية والإسلامية كلها بكل الأساليب
والوسائل الممكنة والمتاحة، فسلبية العرب أمام هذه المشاهد اللاإنسانية الظالمة
أمام فساد وشرور وإجرام شارون والعدوان على القدس واغتيال قيادات المقاومة
الفلسطينية والاعتداء على المدنيين الأبرياء والأطفال يؤكد أننا نواجه حرب إبادة
بلا هوادة أو رحمة وسط أجواء من التآمر الغربي والصمت العربي الذى لا يرتفع أمامه
إلا صوت وإجرام شارون وتهديداته التي تكون علامة استفهام كبرى!!! فالوهن الذى يهيمن
على البيت العربي بعد هذا العدوان الصارخ لا يبدو مفهوماً، فما هذا الوهن أهو
الترف.. أو الحياة الوادعة؟ أم هو المن والإغترار بطول الأجل.. وصدق الله العظيم
حيث يقول فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم، فيجب علينا جميعا
كعرب ومسلمين أخوه أن نسارع إلى نجدة إخواننا بكل الوسائل بالمال والذخائر والأعوان
والمشورة والرأي والنصح والمساعدة.. اليوم بل الآن وفوراً. فالتاريخ يكتب بمداد من
دم الشهداء والأعمال تدون فى الصحائف يكتبها الملائكة، فالسكوت مستحيل وغض الطرف
عما يحدث جريمة.. والصمت سوف يكلفنا حياتنا واللامبالاة سوف تأكل دنيانا وآخرتنا.
و ما يجري على أرض فلسطين من أحداث هى محاولة لتغيير التاريخ والجغرافيا واستبدال
الخريطة السكانية.. هناك لافساد توازن القوى سعيا لتغيير مواقع الثروة والموارد فى
المستقبل، ولن يترك الغرب وإسرائيل مفاتيح القوة فى أيدى العرب أبدا ، والخطر سوف
يتسع ليشمل مستقبل الثقافة والفكر والتاريخ فهم يعملون جاهدين على إخراج الإسلام
والمسلمين من التاريخ والمستقبل فهل ينجحوا؟! سوف ينجحوا إذا استمرت هذه السلبية..
ولا أظن إنها سوف تستمر أبداً.. فلابد من صحوة قادمة وهو سؤال حيوى وهام سوف تجيب
عنه الأجيال القادمة.
تناولت كتبكم ومقالاتكم فى الجانب الأكبر منها قضية الصهيونية وإسرائيل حتى أصبحت
هاجسكم الدائم؟
- أجاب مقاطعاً: الصهيونية هى لواء الحقد المرفوع وهى صائغة المخطط الدموى لإسرائيل
الكبرى والإسلام يكشف مخططها الإجرامي بصريح آياته فهو عقبة أمام أطماعها ومن أجل
هذا فهو فى المركز من عدوانها وتآمرها وهى فى حرب معه اينما كان وأينما وجد.
تلقيت تهديدات بالقتل بسبب مقالاتى وآرائى التي أعلنتها فى
مختلف
وسائل الإعلام ضد الممارسات الوحشية الصهيونية
وما أكثر ما تلقيت من تهديدات بالقتل بسبب مقالاتي وآرائي التي أعلنها فى مختلف
وسائل الإعلام والتى أفضح فيها الممارسات الوحشية ضد الشعب الفلسطيني وضد المقدسات
الإسلامية.
والمشكلة الحقيقية التى يجب التأكيد عليها أن المذابح والمجازر والإبادة واستعباد
غير اليهود وتسخيرهم واستغلالهم هو أصل ثابت من أصول الصهيونية التى تنسب إلى
التوراتية التى يتداولها اليهود منذ الصغر ويتلونها كل يوم فى مدارسهم وبيوتهم
ويؤمنون بها إيماناً أعمى وعليها أقاموا دولتهم . فاليهود والصهيونية منتشرين
كالأخطبوط فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والكونجرس ومجلس العموم ومجلس اللوردات
وإدارات المخابرات وشركات صناعة الأسلحة والطائرات والصواريخ والمفاعلات النووية
كما إنهم يوجهون الاعلام الغربي من خلال مؤسسات النشر والصحافة والكتاب والتليفزيون
والسينما والمسرح كما أن اليهودية والصهيونية هما الأيدي القابضة على أعصاب
البورصات والبنوك والأسهم والسندات وأسواق البترول والذهب وغيرها كما تمتد أذرعها
حتى الفاتيكان والهيئة البابوية وهم يعدون لكى تكون الصهيونية هى القوة الفاعلة
الوحيدة فى العصر القادم وسبيلهم إلى ذلك تعقب الإسلام ورموزه وضرب معاقله وكل هذه
بلاءات للأمة . ولكن لا يجب أن نيأس .. فإن رحمة الله قادمة وما هذا البلاء إلا
مقدمة لتلك الرحمة وذلك وعد غير مكذوب فإنه لا يأتي عسراً إلا ويحف به يسران
ورحمتان فأبشروا وأعملوا فلا ييأس من روح الله إلا القوم الضالون.
وكيف إذن يكون الاستعداد والإعداد لمواجهة ما يدبرون..؟
لن تكون المواجهة بإطلاق اللحى أو تقصير الجلاليب أو بلبس القباقيب إلى آخر التمسك
بالمظهريات والثانويات وإنما تكون بالعمل وطلب العلم فإن أول آية نزلت فى القرآن هى
الدعوة إلى العلم والقراءة وأتساءل كيف يكون هذا دستورنا وكتابنا وعقيدتنا ونكون
أمة الجهل والكسل؟!
الخروج من المأزق
هناك كثير من التضارب فى الفتاوى والأفكار رغم أن الأوضاع العربية والإسلامية
تستوجب التوحد لمواجهة المشكلات الاقتصادية.. فما هى رؤيتكم فى ذلك..؟
حقيقة أن
الأمة العربية والإسلامية تعاني مشكلات اقتصادية كبيرة ومتعددة فلدينا مشكلة
التعليم والإسهام الحضاري وصولاً إلى مشكلة رغيف العيش فلا نستطيع تحرير اقتصادنا
ونتجاوز كل هذه المشكلات إلا من خلال قوانين جديدة وحلول غير تقليدية ومتابعة يومية
تخرجنا من هذا المأزق ولا تحل هذه المشكلات بالقروض أو إلقاء المشكلة على أحد
المسئولين أو التصريحات الواعدة إنما يكون بالعمل والبناء حتى تتحقق الوحدة
الاقتصادية العربية التى نأمل تحقيقها ثم تتحول الى وحدة اكبر تضم العالم الاسلامى
هذه هى المشكلة التى يجب أن ننشغل بها فى الوقت الراهن فهمونا كبيرة.. أكبر من
الاختلاف فى الفتاوى أو تضاربها أو اختلافها.
فالمطلوب من الأمة الآن إنقاذ الأرض فى فلسطين وانقاذ الاقتصاد المدين الذى
استنزفته القروض بالعمل والإنتاج ولا إستقلال له وهو عاجز عن إطعام شعبه ولا قوة
يدعيها وسلاحه مستعار من عدوه، كما أنه مطلوب انتفاضة من شباب الوطن العربي تكون
انتفاضة عمل وعلم ، انتفاضة تستبعد الخلافات والانقسامات وترفض العنف والتسلط
والغوغائية تتصدى للتفتت مذاهب ونحل متصارعة.
تعدد الاجتهادات
إسلامنا واسع الأفق ديمقراطي النزعة يسمح بكل الأطروحات الفكرية
وتعدد الاجتهادات
في الرأي الواحد
تشهد الساحة الفكرية والثقافية والسياسية حوارات كثيرة حول الأخذ بالديمقراطية
ودعمها فما هي رؤيتكم لهذا الطرح..؟
الإسلام الذى نعرفه من القرآن والسنة هو إسلام رحب واسع الأفق ديمقراطي النزعة يسمح
بكل الأطروحات الفكرية وتعدد الاجتهادات فى الرأي الواحد وهذا هو الإسلام الذي نؤمن
به وهو لن يزدهر إلا فى أحضان حكم ديمقراطي مدني تعددي والديمقراطية هي المخرج
الوحيد من مأزق العصابات المدفوعة علينا من كل الاتجاهات بهدف دفن الإسلام ذاته فى
مقبرة التخلف والرجعية وحرمانه من مدد الحرية والعقلانية ومن آفاق العلم المتجدد.
إذا ما هي رؤيتكم الفكرية للتجديد فى الفكر الاسلامى وكيف ومتى يتم ذلك..؟ فى
تقديري أن الفكر الإسلامي لن يتجدد إلا فى مناخ تسوده الحرية والعقلانية والعلم
لذلك أرفض كل الصيغ والوصفات الجاهزة والحكومات السلطوية التى تريد احتلال الساحة
الدينية والفكرية والسياسية وإرجاعنا إلى فوضى القرامطة .
الغرور فضيلة..!
بعيدا عن عالم السياسة مع أهميته.. نركن الى عالم الفلسفة اشرتم فى حواركم.. وبعض
مقالاتكم إلى اغترار الإنسان.. برؤيتكم.. هل يمكن أن يتحول الغرور إلى طاقة للإبداع
والخلق..؟
الرغبة فى الشموخ أكثر أصالة من الإلهام المعماري الشامخ ، فالإنسان طاووس، فيه
غرور خلاق، فهو بناء.. معمر ومخرب.. مدمر فى الوقت نفسه، وهو فى محاولته تحقيق هذا
الغرور وتأكيده يتحايل فى البحث عن تبرير ومنطق وحجة معقولة يتوسل بها إلى أغراضه،
وحينما يجد هذه الحجة يكون فنانا ومخترعا وفرعونا، وعلما من أعلام الإنسانية،
وحينما لا يجده يمكن أن يكون سفاحا يقتل ويذبح ويسرق ولا يجد حجة يبرر بها جرائمه
أمام ضحاياه ، وتنتهي به لا معقولية غروره إلى السجن والمشنقة.
الإنسان غرور يبحث عن معقولية.. أنه نسر محلق.. صقر متعال يبحث عن قمة يقف عليها
وأرض يستوى عليها بجبروته وعزته وغروره، والقمم الوحيدة الممكنة التى يستطيع هذا
النسر أن يتربع عليها هى الأهداف المجردة مثل الحق والجمال والعدالة والخير، وكلها
فى حاجة إلى الحجج والمنطق والبراهين، فإذا استطاع الإنسان المغرور أن يغطى غروره
ويخفى رغبته الأصيلة فى الطموح والتفوق بقناع جميل بهيج من الخير والجمال والحق،
فهو بهذا يفيد ويستفيد.. يريح ويستريح، وإذا لم يستطع يتحول إلى صقر مجنون ونسر
بهلوان لا يجد قمة يقف عليها سوى نفسه فيقف على رأسه ورجلاه لأعلى، وهكذا الإنسان
دائما.. رغبته فى التفوق لا تشبع وهذه لذته، والإنسان تحكمه ضرورة نموه التى تدفعه
دائما إلى فوق، والعاطفة التى تمارس هذه الدوافع هى الغرور والطموح وعشق المجد.
فغرورنا ينفخ فينا فنطير مثل طيارات الورق إلى فوق وكلنا أطباق طائرة تتفاوت
مجالاتها ونجاحاتها بحسب ما بنا من وقود وغرور.
سر الجمال
الشئ الجميل يحصل على صفته لكونه نافع أم لأنه قيم أم لأن به سراً آخر..؟
الحقيقة
أن حيثيات الحكم على أن شيئا جميلا كثيرة. لدرجة أنك تتعب فى الوصول إلى ذلك،
فالسبورة السوداء والتى يتعلم عليها الأطفال أكثر نفعا من اللوحة الجميلة، ومع ذلك
فاللوحة أجمل، وحبة القمح أنفع من اللؤلؤة، ومع ذلك فاللؤلؤة أجمل، وجناح الفراشة
ليس فى حاجة إلى كل ما عليه من زخرفة ونمنمة، إذا المنفعة ليست سر الجمال وكذلك
ليست القيمة الخيرة، ليست أيضا سرا للأشياء الجميلة، ذلك لأن الأخلاق مهما بلغت فى
السمو لا تستطيع أن تجعل من المرأة القبيحة ملاكا. وقد يتزوجها الرجل من باب
التصاقه بها ، وليس من باب الإعجاب بجمالها. فأخلاقية العمل الفني وحدها لا يمكن أن
تجعل منه عملا جميلا، وإنما تجعل منه عظة، وغالبا ما تكون عظة ثقيلة وخطبة سمجة
بعيدة كل البعد عن الجمال.
أما عن الصدق فهو غالبا ما يكون خشنا يصدم الحواس، فالصدق فى حاجة دائما إلى سياق
حلو وأسلوب جميل ليشرحه ويرسمه، إذا فالجمال شيء آخر غير الصدق إنه قيمة تطلب
لذاتها وبدون حاجة لقيمة أخرى تبررها.
وسر الجمال أراه فى لحظة الاتصال بين نفس وموضوع بين عين وإذن وقلب، وبين رسم جميل
أو لحن عذب أو منظر أخاذ وسر الجمال أيضا في النفوس التى ترى وتشاهد وترقى فالجمال
لا يوجد فى الرسم نفسه ولا في اللحن ذاته بدليل أن الأذان البليدة والعيون البدائية
قد يفوتها ما فى اللحن وما فى الرسم من نغم ومنظر جميل رغم أنها تسمع و ترى!!
النفس خلقت أولا.
هل الإنسان هو مجموع المنظور والمحسوس والملموس، أم أن هناك أشياء كثيرة بداخل
النفس يجب أن نتفكر فيها؟!
الإنسان هو و الصورة التى تراها لنفسك، حينما تنظر إلى المرآة ، ومجموع ما فيك من
شحم ولحم وعظم وأحشاء وما تتالف منه من عناصر ومركبات ، وما ينطوي عليك من غرائز
ورغبات وما يعيش فى عقلك من هواجس وخيالات، هذا هو ما يظهر لك من أجهزة التصوير
والاستشعار المختلفة، هذا هو الجانب المشهود منك، أما حقيقة الإنسان فى العمق. هي
فى الجانب الغيبي فيك، فمن هذا الجانب يأتيك المدد لكل ما يظهر وما يتجلى من أفعالك
فالإنسان يتضمن غيبا خافيا اسمه النفس، ونفسك كانت موجودة قبل أن تودع بجسدك، وقد
استدعاها الله من ظهور أجدادك وأجداد أجدادك قبل أن يظهر لك أب أو أم، قال تعالى:
وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى.
معنى ذلك أنه كان لك حضور غيبى وكانت لك شخصية غيبية ، كما أن لك شخصية مشهودة هى
التى تراها وأنت عليها الآن .
السعادة الحقيقية في حياة د. محمود
سعادة الإنسان في الخلاص من الكبر والعناد والرضا بما قسم الله
وأسعد لحظة في
حياتي يوم أن سجدت لله
اللحظة التي سكت فيها القلق وكف الاحتجاج وانتهى الكبر وتبخر العناد وتوقف التمرد
ردا على سؤال ل العالمية حول سعادته الحقيقية قال د. محمود هذا السؤال طرحته على
نفسي كثيرا.. فمر بخاطري شريط طويل من المشاهد هل هي لحظة تخرجى من كلية الطب؟ أم
لحظة حصولي على جائزة الدولة فى الأدب؟ أم نشوة السفر الأول ؟ أم الحب الأول؟ أم
لحظة قبضت أول مرة ألف جنيه؟ أم لحظة وضعت أول لبنة فى المركز الإسلامي بالدقي؟
وكانت الإجابة من داخلي. لا ليست هذه الأحدث ، بل هى لحظة أخرى ذات مساء من عشرين
عاما، اختلط فيها الفرح بالدمع بالشكر بالبهجة، حينما سجدت لله فشعرت أن كل شيء فى
بدني يسجد قلبي عظامي أحشائي عقلي ضميري وروحي تسجد.. فى هذه اللحظة التى سكت فيها
القلق وكف الاحتجاج ورأيت الحكمة فى العذاب فارتضيته، ورأيت كل فعل الله خير فقبلته
مرحبا شاكرا، وانتهى الكبر وتبخر العناد وسكت التمرد، ولا تأتي هذه اللحظة بجهد
العبد بل بفضل الله.. وعرفت آنذاك أن تلك السعادة الحقة التى لا يساويها أي كسب
مادي أو معنوي.
وسألت نفسي وأنا أطوف بالكعبة ما بال المسلمين يطوفون الآن فى خشوع وتبتل فإذا
خرجوا تفرقوا وانقسموا وأصبح كل منهم يطوف حول نفسه أو حول اسمه أو حول شيطانه. ولو
أن العرب طافوا فى سياستهم حول نقطة واحدة كما يطوفون الآن، واجتمعوا ابيضهم
واحمرهم وأسودهم واصفرهم فى رحاب رأي واحد كما يجتمعون فى الكعبة لما ذلوا ولما
هانوا ولما أصبحوا كما نراهم الآن!!
الاحساس بالجمال في فكر المفكر الإسلامي
قال د. محمود إن لحظة الإحساس بالجمال هى لحظة اهتزاز ورنين وإنسجام وانعطاف بين
النفس وبين موضوع اكتشفت فيه ذاتها وأسرارها وحقائقها الدفينة. إنها حالة من
التعارف بين المثل العليا القائمة فى النفس وبين الخطوط التى تشرح هذه المثل
وتجسدها وترسمها، وهي تكون حالة من النشوة، تتحد فيها النفس بموضوعاتها وتحصل من
هذه الوحدة على الراحة واليقين.
وحول الحكم على الجمال ذكر أن الموضوع الجميل هو وثيقة من العالم الخارجي بأن النفس
على صواب، وأن خيالاتها ومثلها وقيمها الباطنية حقيقية وحقيقة التركيبات المثالية
من الشكل واللون والصوت والنغم الباطنة فى نفوسنا هى حاصل عملية طويلة من الإنتقاء
والحذف والإضافة، وهى تأخذ محسوسات الواقع وتصنع منها كيانات غامضة مثالية تحتفظ
بها فى الخيال والذاكرة ففي ذاكرة كل منا مثلا صورة مثالية للغروب أو الشروق أو
الطفولة أو الأنوثة أو الرجولة كل ذلك يشكل محصلة من التجارب الواقعية وكل المدركات
الحسية أعملت فيها النفس الحذف والإضافة والتعديل بما يتفق مع آمالها وأحلامها فى
خيال كل منا، والفنان والمتذوق للجمال هو الذى يجسم هذه الأحلام ويقدمها للعين
والقلب، فتطرب وتنتشي وتشعر بهذه اللذة النادرة وهي لذة العثور على أحلامها
وأمنياتها وصورها الدفينة. أما الشخص العادى فيشعر بها غامضة مهزوزة، فالنفس إذا هي
المرجع والأرشيف الذى يحتوي على مراجع الجمال، وهي التي تحتوي على شفرة العلاقات
الجمالية، وتظل مشكلة الفنان هي محاولته الدائبة لاكتشاف هذه الشفرة والتعرف على
هذه العلاقات بأنها علاقات جميلة، وهنا يكون اللغز بوجود الموهبة التى تجعل الفنان
على صلة وثيقة بنفسه وبكنوزه أكثر من صلة الرجل العادي والمكاشفة التى يمتاز بها
الفنان عن سائر خلق الله.
|