ء
 

   
العالمية - ذو الحجة - 1427 هجرية - يناير2007 م - العدد (201) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

الكعبة مركز السلام وبيت الأمان ومهوى الفؤاد

 

بقلم: د. سعد المرصفي أستاذ الحديث وعلومه

 

يأتي المسلمون من كل فج عميق ومرمى سحيق والقلوب تهوى إلى البيت الحرام وهذا يتطلب فهماً عميقاً لمقاصد الحج وأسراره وتشبّـعاً بروحه وحقيقته.

 الكعبة منطقة الأمان أقامها الحق للبشر في زحمة الصراع بين المتحاربين والمتصارعين.. بين الرغائب والمطامع والشهوات فحلت الطمأنينة مكان الخوف وحل السلام محل الخصام.

اقتضت حكمة الله عزّ وجلّ أن تكون (الكعبة البيت الحرام) أول بيت وضع في الأرض للعبادة ، وخصّـص لها ، وأن يكون مباركاً وهدى للعالمين، فيه آيات بيّـنات على أنه مقام إبراهيم عليه السلام، ومثابة الأمن لكل خائف عبر التاريخ، وليس هذا لمكان آخر في الأرض :
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}! (آية 96-97 سورة آل عمران)
وهنا نبصر فريضة الحج في العمر مرة، وفي الوقت نفسه تشدّ الرحال، وتقطع البراري والقفار، وتركب الأجواء والبحار، ويأتي المسلمون من كل فج عميق، ومرمى سحيق، والقلوب رفّـافة مجنّـحة، وهي تهوى إلى البيت الحرام.. وهذا يتطلب فهماً عميقاً لمقاصد الحج وأسراره، وتشبّـعاً بروحه وحقيقته!
وقد حفظ لنا ديننا كيف ارتبط تاريخ الإسلام والنبوة بهذه الرحاب الطاهرة، وكيف سعى إبراهيم الخليل عليه السلام، وأسكن من ذريته بواد غير ذي زرع .. وكيف كان الفداء!
وفوق هذه الأرض سعى خاتم النبيّـين صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل .. واستجاب الأنصار للرسول، واستقبلت المدينة المنورة خاتم النبيّـين .. وفتحت مكة .. وخطب الرسول صلى الله عليه وسلم في البيت الحرام، وفي عرفات .. داعياً إلى الإيمان بالله، مؤكداً كرامة الإنسان!

حرمة الزمان وحرمة المكان:

ونبصر ما يثير الجدّ والقصد، وينبّـه النفس والفكر، حيث أضفى التشريع على الحج لوناً من الجديّـة والقدس لا يزول، وحاطه بأسوار وخنادق عديدة جعلته بعيداً عن الغفلة والذهول، والعبث والفضول، وله في ذلك تشريعات دقيقة حكيمة، كفيلة بأن يبقى الحج عبادة عميقة الأثر في النفس والحياة، ووسيلة قويّـة للتقرب إلى الله.. منها أنه قد جمع للحج حرمتين: حرمة الزمان، وحرمة المكان .. ليقوى الشعور بحرمة هذا الركن وجلاله وروعته، والشعور بالمسؤوليّـة .. وليكون الحاج في جميع حركاته وسكناته مرهف الحسّ، حاضر الفكر، لا يذهل لحظة عن الجو الروحاني الذي يحيط به، قال تعالى:
{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}! (آية 36 سورة التوبة)

ويروي الشيخان وغيرهما عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» !
وعلى كثرة ما حرّف العرب فيما يعتـقدون، وعلى شدة ما انحرفوا عنه في جاهليّـتهم قبل الإسلام، فإنهم كانوا يعظمون هذه الأشهر الحرم، لارتباطها بموسم الحج، وبخاصة سكان (مكة المكرّمة) !
وهنا نبصر هذه الأدلة تردّ معيار الزمن، وتحدّد دورانه إلى طبيعة الكون التي فطره الله عليها، وإلى أصل خلق السموات والأرض، وأن هناك دورة زمنيّـة ثابتة ، مقسمة إلى اثني عشر شهراً، وأنها ثابتة، لا تتخلّف ولا تتعرّض للنقص والزيادة، لأنها تتم وفق قانون ثابت، هو ذلك الناموس الكوني الذي أراده الله يوم خلق السموات والأرض!

ونبصر سلسلة طويلة من المدلولات العجيبة .. يتبع بعضها بعضاً، ويمّـهد بعضها لبعض، ويقوّي بعضها بعضاً .. تشتمل على حقائق كونيّـة يحاول العلم الحديث جاهداً أن يصل إليها بطريقته ومحاولاته وتجاربه، ويربط بين نواميس الفطرة في خلق الكون وأصول هذا الدّين وفرائضه، ليقرّر في الضمائر والأفكار عمق جذوره، وثبات أسسه!
{ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}!

لا تظلموا أنفسكم في هذه الأشهر الحرم التي يتصل تحريمها بناموس كوني تقوم عليه السموات والأرض !
ولا تظلموا أنفسكم بإحلال حرمتها التي أرادها الله لتكون فترة أمان، وواحة سلام، فتخالفوا عن إرادة الله.. وفي هذه المخالفة ظلم للأنفس بتعريضها لعذاب الله، وتعريضها للخوف والقلق في الأرض .. حين تستحيل جحيماً عدوانيّـة، لا هدنة فيها ولا سلام !

{جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}! (آية 97-98 سورة المائدة)
إنها الكعبة البيت الحرام، والأشهر الحرام، منطقة الأمان، يقيمها الحق للبشر في زحمة الصراع بين المتحاربين والمتصارعين والمتزاحمين .. بين الرغائب والمطامع والشهوات، فتحل الطمأنينة مكان الخوف، ويحل السلام محل الخصام، وترف أجنحة من الحبّ والإخاء، والأمن والسلام، وتدرّب النفس البشريّـة في واقعها العملي لا في عالم المثل والنظريّـات على هذه المشاعر ، وتلك المعاني، فلا تبقى مجرد كلمات مجنحة، ورؤى حالمة!

منطقة أمان تشمل الإنسان والطير والحيوان عبر التاريخ:
لقد جعل الله هذه الحرمات تشمل الإنسان والطير والحيوان بالأمن في رحاب البيت الحرام، وفي فترة الإحرام للمسلم، حتى وهو لم يبلغ الحرم، كما جعل الأشهر الحرم الأربعة لا يجوز فيها القتل ولا القتال!
ولقد ألقى الله في قلوب العرب
{وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}! (آية 57 سورة القصص)

الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورٌ أن يعبد ربّ هذه البلدة الذي حرّمها:
ويطالعنا إعلان الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مأمور أن يعبد ربّ هذه البلدة الذي حرّمها، لا شريك له، وأن ربّ هذه البلدة هو ربّ كل شيء في الوجود، وأنه مأمور أن يكون من المسلمين، والرعيل الممتد في الزمن المتطاول من الموحّـدين:
{ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}!
(آية 91 سورة النمل)
ونقرأ ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم افتتح مكة:
«لا هجرة، ولكن جهاد ونيّـة، وإذا استنفرتم فانفروا، فإن هذا بلد حرم الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاها» !
قال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، قال: «إلا الإذخر»!

حـرمـة حمل الـســلاح:
ويروي مسلم وغيره عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح»!
وفي رواية قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها»!

دعوة إبراهيم عليه الـســلام:
وهنا نذكر دعوة إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ }! (آية 26 سورة البقرة)
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}! (آية 35-36 سورة إبراهيم)
وقد استجاب الله عزّ وجلّ دعوة خليله إبراهيم عليه السلام، وهو يتوجه إليه عقب بناء البيت وتطهيره، فجعل هذا البيت آمناً، وجعله عتيقاً من سلطة المتسلّطين، وجبروت الجبّـارين، وجعل من يأوي إليه آمناً والمخافة من حوله في كل مكان .. حتى حين انحرف الناس وأشركوا بربّـهم وعبدوا الأصنام .. لأمر يريده سبحانه بهذا البيت الحرام !

حبـس الفـيل عن مـكـة :

وحين أراد أبرهة وجنوده أن يحطّموا البيت الحرام أو يسيطروا على مكانه، حتى والشرك يدنّسه، والمشركون هم سدنته .. نبصر هذا البيت عتيقاً من سلطان الجبّـارين .. حتى تنبت العقيدة الحقة حرّ ة طليقة، لا يهيمن عليها سلطان، ولا يطغى منها طاغية، ولا يهيمن على الدين القيّـم الذي جاء ليهيمن على الأديان وعلى العباد، ويقود البشريّـة ولا يُقاد.. وهذا من تدبير الله لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن خاتم النبيّـين صلى الله عليه وسلم قد ولد في عام الفيل!

ويطالعنا قوله جل شأنه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ(2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ(3) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ(4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}! (سورة الفيل)
ونبصر حادثاً عظيماً لم يحدث مثله في تاريخ العرب، كان دليلاً على ظهور حادث أكبر، وعلى أن الله عزّ وجلّ يريد بالعرب خيراً، وأن للكعبة شأناً ليس لغيرها من بيوت الدنيا، ومراكز العبادة، وقد نيطت بها رسالة، ونبط بها دور في تاريخ الإنسانيّـة لابدّ أن تؤديه، وأن تقوم به!

أرادوا بالفيل أن يسير متجهاً إلى البيت الحرام، فوقف ولم يسر إليه، وحبسه الله تعالى، فوجهوه إلى الجهات الأخرى فاتجه، ثم أرادوا أن يوجهوه إلى البيت فامتنع! ولو أن أبرهة اعتبر واعتزم العودة إلى حيث جاء لرجع من الغنيمة بالإياب، ولكنه اعتزم تنفيذ ما أراد، فلم يبق إلا أن يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر!
ولما انتشر في العرب ما صنع الله تعالى بجيش الفيل تهيّـبوا الحرم وأعظموه، وزادت حرمته في النفوس، ودانت لقريش بالطاعة، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم، وكفاهم كيد عدوهم، فزادوهم تشريفاً وتعظيماً، وقامت قريش لهم بالرفادة والسدانة والسقاية.. وصار أصحاب الفيل مثلاً في الغابرين .. وكان شأنه رادعاً لكل باغ، ودافعاً لكل طاغ، عبر التاريخ!

وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لمّا فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة، قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:  «إن الله حبس عن مكة الفيل ..» الحديث.

تحت رايـة الإسـلام:
وعلينا كذلك أن ندرك أن العرب لم يكن لهم دور في الأرض، بل لم يكن كيان قبل الإسلام .. حيث كانوا في اليمن تحت حكم الفرس أو الحبشة، وكانت دولتهم حين تقوم هناك أحياناً تقوم تحت حماية الفرس!
وفي الشمال كانت الشام تحت حكم الروم، إما مباشرة، وإما بقيام حكومة عربيّـة تحت حماية الرومان!
ولم ينج إلا قلب الجزيرة من تحكّـم الأجانب فيه، ولكنه ظل في حالة بداوة، وفي حالة تفكّـك لا تجعل منه قوة حقيقيّـة في ميدان القوى العالميّـة، وكان يمكن أن تقوم الحروب بين القبائل أربعين سنة، ولكن لم تكن هذه القبائل متفرّقة ولا مجتمعة ذات وزن عند الدول القويّـة المجاورة!
وما حدث في عام الفيل كان مقياساً لحقيقة هذه القوة حين تتعرّض لغزو أجنبي!
وتحت راية الإسلام ، ولأول مرة في تاريخهم، أصبح لهم دور عالميّ يؤدّونه، وأصبحت لهم قوّة دوليّـة يحسب لها حساب .. قوة غالبة تتولّى قيادة البشريّـة!
وتحت راية الدّين القيّـم نسوا نعرة الجنس، وعصبيّـة العنصر، وذكروا أنهم مسلمون، ومسلمون فقط، ورفعوا راية الإسلام، وراية الإسلام وحدها، وحملوا عقيدة ضخمة قويّـة يهدونها إلى البشريّـة رحمة وبرًّا بالبشريّـة!
حملوا عقيدة يعلّمون الناس بها .. لا مذهباً أرضيّـاً يخضعون الناس لسلطانه!
وخرجوا من أرضهم جهاداً في سبيل الله وحده، ولم يخرجوا ليؤسّـسوا امبراطوريّـة عربيّـة ينعمون ويرتعون في ظلها، ويشمخون ويتكبّـرون تحت حمايتها، ويخرجون من حكم الروم أو الفرس إلى حكم العرب، وإلى حكم أنفسهم!
إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً إلى عبادة الله وحده !
عندئذ فقط كان للعرب وجود، وكانت لهم قوة، وكانت لهم قيادة .. ولكنها كانت كلها لله، وفي سبيل الله .. وقد ظلت لهم قوتهم ما استقاموا على الطريقة.. حتى إذا انحرفوا عنها، وذكروا عنصريّـتهم وعصبيّـتهم، وتركوا راية الحق ليرفعوا راية العصبيّـة نبذتهم الأرض، وداستهم الأمم!

وما العرب بغير الإسلام؟!
ما الفكرة التي قدّموها للبشريّـة أو يملكون تقديمها، إذا هم تخلّوا عن هذه العقيدة؟!
وما قيمة أمة لا تقدّم للبشريّـة هذه العقيدة؟!
إن كل أمة قادت البشريّـة في فترة من فترات التاريخ كانت تمثـل فكرة!
والأمم التي لم تكن تمثـل فكرة كالتتار الذين اجتاحوا الشرق، والبرابرة الذين اجتاحوا الدولة اليونانيّـة، لم يستطيعوا الحياة طويلاً، إنما ذابوا في الأمم التي فتحوها!
والفكرة الوحيدة التي تـقدّم بها العرب للبشريّـة كانت هي العقيدة الإسلاميّـة.. وتلك العقيدة هي التي رفعتهم إلى مكان القيادة والريادة، فإذا تخلّوا عنها لم تعد لهم في الأرض وظيفة، ولم يعد لهم في التاريخ دور.. وهذا ما يجب أن يذكره العرب جيّـداً، إذا هم أرادوا الحياة، وأرادوا القوة، وأرادوا القيادة والريادة، وأرادوا الفوز برضوان الله!

دورنا في الحـياة :
ما أحوجنا أن نعرف دورنا في الحياة، وأننا خير أمة أخرجت للناس، لتكون رائدة، ولتكون لها القيادة .. وأن تكون لنا شخصيّـتنا الإسلاميّـة في الاعتقاد الصحيح، والعلم الصحيح، وأن نقوم على صيانة الحياة من عوامل الفساد، وهذا يبعث في روح المؤمن بهذا الدّين القيّـم إحساس العزّة من غير كبر، وروح الثقة من غير اغترار، وشعور الاطمئنان في غير تواكل، ويبعث الشعور بالتبعة الإنسانيّـة الملقاة على كواهل المؤمنين .. تبعة القيادة في هذه الحياة لهؤلاء الضالّين المضلّين، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، بما آتانا الله عزّ وجلّ من نور الهدى والفرقان!