العالمية - شوال - 1427 هجرية - نوفمبر 2006 م - العدد (199) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

الإعلام لغـة تثقيفية ذات حـديـن

 

د. نزار المحلاوي*

 

 

تحتوي حياتنا على مغريات كثيرة، تنطلق منها بالحب أو بالغدر سهامٌ قد تصيب أو بفضل من الله قد تخيب.

فهكذا تتداعى الذكريات وأنت تقف على جبل الأمنيات، وأنت تنظر إلى قمم شواهق من نجاح وانتصارات كانت دومًا وأبدًا نموذجًا وفخرًا لكل المسلمين.

فإن نجاح المسلمين في السابق كان بمعزلٍ عن كل عدوان، فقد كان الصراع شريفًا، نعم صراع الحرب كان شريفًا فأنت تحمل سلاحك وأنا أحمل سلاحي ونرى من منَّا ينتصر بكل أدب جمٍّ وبكل كرامة وشموخ، وهذا هو أدب الحروب.

أما الآن ونحن في عالم تسلط فيه غير الشرفاء فمن الطبيعي أن تستعمل أساليب الضعفاء والتي تعتمد على كسر الجمود وارادة الشعوب بسيطرة داخلية وروابط عقلية مخيفة، ولنستعرض معًا هذه الفكرة:

تنقسم الظواهر النفسية عند علماء النفس إلى ثلاثة أركان رئيسة، وهذه الثلاثة هي كل مكونات أي خبرات نفسية تؤثر على تصرفاتك المستقبلية أو على حياتك المهنية.

هذه الأركان هي (الأفكار، المشاعر، السلوك) وتوضع هذه الثلاثة في نموذج يسمَّى النموذج الثلاثي

ويقول علماء النفس إن بداية أي ظاهرة نفسية تكون أحد هذه الأركان، ثم يتحرك الترتيب حتى تكتمل الدائرة، فإذا بدأت الظاهرة النفسية في التكوين من منطلق السلوك ثم تحولك إلى المشاعر فمن الطبيعي توليد فكرة معينة ولنأخذ مثلاً:

طفل صغير رأى شمعةً مضيئةً فاقترب منها، ثم وضع يده على لهيب الشمعة، فمن الطبيعي أن تحرق يده ويتألم هذا الطفل، ثم ستجد أن الأمر أصبح عند هذا الطفل مُعتقدًا داخليًّا يفيد الألم عند رؤية اللهب في هذا المثال، فإن تحرك الطفل المعبر عن السلوك في النموذج الثلاثي قد أعقبه ألم متمثل في المشاعر؛ ولذلك فإن الجزء الثالث من النموذج الثلاثي يعبر عن أفكار ومعتقدات راسخة، وما نلاحظه في الفترة الحالية أن الإعلام ينتهج هذا الأسلوب فهو مدرك تمامًا أن نقطة الضعف في هذا النموذج هي المشاعر، وأن النقطة المحرِّكة هي الأفكار، وأن السلوك ُيكذب ذلك أو يصدقه، فإذا بلغت المشاعر درجةً من القوة بحيث أثارت العواطف الجياشة وأيقظت الأفكار النائمة، وبالطبع فإن مشاعر الألم أكثر إثارةً من مشاعر الفرحة؛ لأن العقل الباطن يحتفظ بالخبرات المؤلمة لا بتفصيلاتها ولكن بألمها، فتصير كل الخبرات الفاشلة السابقة مؤلمةً، والألم في إناء واحد تُشحن فيه كل الخبرات المؤلمة، بينما مشاعر الفرح ولأنها مشاعر خاصة فمن الصعب أن تعمقها أو تنشرها على خبرات النجاح الكثيرة.

الإعلام بمعرفته لذلك النموذج وبتخصصه في إثارة مشاعر الألم والرعب بحيث يرتبط أي صراع بالألم وأي جهاد بالقتل وأي دفاع مشروع عن الوطن بالدم فإن تعمق الأفكار المعبرة عن الألم مع كل خطوات التحرير هو ما يختزل داخل عقول أطفالنا وبالطبع عقولنا نحن أيضًا.

ولذلك فإن تنافس القنوات الفضائية في إثارة مشاعر الرعب والألم هو ما يثير داخل أطفالنا السلوك السلبي وفي معظم الأحيان السلوك العدواني، على اختلاف في طبيعة الطفل نفسه ومستوى تربيته ودرجة ثقافة بيئته.

حيث إن الإعلام بالنسبة للطفل ما هو إلا كمثال الشمعة إن أُحرقت يدُه منها مرةً فإنه سيخاف منها مدة عمره، فهو إما سيتجنَّب الشمع فترةً ليست بالقصيرة من عمره وإما أنه سيتحوَّل لطفل عدواني ينتقم ممن حوله بسبب الشمعة وكل هذا بسبب ألم الشمعة المكبوت داخل نفسه!

وهكذا الحال مع الإعلام المرعب من صور قتل وقصف أو دم وهدم، فإن الطفل إما أن ينزوي خوفًا على روحه ونفسه فيتربى على السلبية والانطواء وحب الذات، وإما أن تتفجر داخله ينابيع الألم التي لا يعرف مصدرها، ومِن ثم ينتقم ممن حوله فيصير عدوانيًّا، ومن الآباء من يسأل وكيف الخلاص والإعلام في كل مكان ولا سبيل للهروب منه؟! وهذا سؤال يستحق البحث والدراسة؛ فإن الآباء المهتمين بتربية أولادهم حريصون عليهم وليس كل الآباء كذلك.

نحن نعلم أن المشكلة تكمن في تعديل السلوك.. أليس كذلك؟! فإن كان السلوك سلبيًّا نريده إيجابيًّا ونريد الطفل اجتماعيًّا ومؤثرًا ودودًا عطوفًا، وإن كان السلوك عدوانيًّا نريده لطيفًا هينًا لينًا مُحبًّا ونريده مُصلحًا وليس مفسدًا، وهذا التغيير يتمحور في ثلاثة أساليب مهمة هي:

الأسلوب الأول:
الحرص على تعديل البرمجة، من برمجة سلبية مصحوبة بالإعلام إلى برمجة إيجابية أثناء عرض المناظر المرعبة، ولكن كيف ذلك؟!

من الصعب أن ننعزل نحن وأطفالنا عن الإعلام وعن سلبياته فإن الوسائل الإعلانية تحيط بنا في كل مكان، وإذا تركنا أطفالنا نهبًا لصراعات القنوات الإعلامية لسقطوا سريعًا.

والأفضل لنا أن نستغل هذا الإعلام لمصلحتنا، كأن نتعمد أن نكون بجوار أطفالنا عند استعراض أحد هذه المشاهد الدموية، ونقوم باحتضانه جيدًا لنشعر بالأمن ثم نخبره بصوتنا الأفكار الإيجابية البناءة التي نريد أن نغرسها في نفوس أبنائنا، كأن نفرِّق لهم بين لفظَي ?القتل والشهادة?، وأن الشهيد له الجنة، ثم نذكر لهم قول الله عز وجل: شوَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ قُتِلُوا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَد (آل عمران: 169).

فنحن هنا نقوم بغرس أفكار جديدة إيجابية مع نفس المشاعر السلبية والتي نعتقد أنها بإذن الله سيتولد عنها أسلوب جيد.

الأسلوب الثاني:
 بواسطة الحوار الصحي، فنحاول ملاحظة المخاوف عن أطفالنا، ونقوم بالنقاش الهادئ معهم، ونحاول استشعار مفاهيم الألم عندهم، ثم نستدرك الأفكار التي ترسَّخت في الماضي، ونحاول تغييرها بأخرى جديدة، وهذا الأسلوب يعتمد على احتراف الوالدين في التربية، وعادةً ما تنجح فيه الأم أكثر من الأب؛ لأنها تكون أكثر صلةً وقربًا من أبنائها، ولا ينزعج الآباء عندما يطول العلاج بهذا الأسلوب، فإنك إنما تحاول إفراغ حصيلة سنوات، فلا بد أن تأخذ فترةً أطول قليلاً من المرحلة الأولى.

الأسلوب الثالث: ويكون باعتماد أسلوب التحصين المستقبلي، أي محادثة الطفل وافتراض فروض مستقبلية، ثم مناقشة رأيه فيها بشكل موضوعي إيجابي، ويعتمد هذا الأسلوب على حرفيه الآباء في استقراء الواقع وتميزهم في أسلوب إداراتهم للحوار مع أطفالهم بشكل مغرٍ وجذاب، كأن نفترض مثلاً أنك مع ابنك قد حصلتم على جائزة عبارة عن رحلة لمدة أسبوع إلى القدس مثلاً، فما الذي يتوقعه طفلك؟!

وبالحوار الإيجابي سوف تستطيع أيها الأب أو تستطيعين أيتها الأم أن تغرس أو تغرسي في ابنك كل ذلك.. أن تمنحوا ابنكم أهم هدية، وهي منهجية التفكير السليم وتحليل الأحداث بالشكل الأمثل، وهو ما يعتبر بالنسبة إليه حصنًا مستقبليًّا يقيه ويحميه بإذن من الله تعالى.

وفي نهاية حديثي أودُّ أن أشير أن الأمر ليس بالهيِّن، فهم أولادنا فلذات أكبادنا، وحرصنا عليهم هو ما يدفعنا لأن نحترف أساليب الحفاظ عليهم والتميز في تربيتهم.. حتى يهبنا الله وإياهم جنة الخلد مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

هذا وفي النهاية أدعو الله أن يحفظ أبناءنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا سبحانه بما علمنا.. إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

 

* مدير مركز (إبداع) للتنمية البشرية