|
إن الله تعالى خلق هذا الكون وخلق الإنسان وجعله خليفته في الأرض فلذا جعله أشرف المخلوقات في هذا الكون، حيث أوجد فيه العقل والادراك وفهم الحقائق والنطق ومنحه مواهب جبارة ومعرفة التمييز بين الخير والشر، على الرغم من هذه الخصائص والمميزات والصلاحيات الجبارة فان هناك حقائق وأموراً كثيرة لا يستطيع الإنسان التوصل إليها وإدراك كيفيتها بعقله المحدود.  فلذا بعث الله تعالى إلى الأمم الأنبياء والرسل بمعارف الوحي، والوحي هو وسيلة مباشرة بين الله تعالى والأنبياء والرسل (قال الله تعالى: شوعلم أدم الأسماء كلهاد، والوحي اكبر وأقوى وسيلة يتوصل بها الرسل والانبياء إلى معرفة حقائق الكون كلها وكلف الله تعالى الأنبياء والرسل ليقوموا بمهمة دعوة الأمم وهدايتهم إلى معرفة الله تعالى وتوحيده بجميع انواعه عن طريق معارف الوحي وبدأت هذه السلسلة جيلاً بعد جيل من نبينا آدم عليه السلام واستمرت وامتدت وانتهت على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد الأنبياء والنبي الخاتم وامته امة خاتمة وتربى على أيدى الرسول صلى الله عليه وسلم - نخبة ممتازة من البشر هم صفوف الأمم وافضلهم بعد الأنبياء والرسل وهم أصحاب الرسول- صلى الله عليه وسلم - الذين انتشروا في ربوع العالم بمهمة الدعوة والتبليغ والهداية والرسالة تطبيقاً لقوله صلى الله عليه وسلم -:
ألا فليبلغ الشاهد الغائب ... وبلغوا عني ولو آية وانتقلت هذه المهمة والمسؤولية إلى العلماء الذين كانوا دعاة إلى الله تعالى على بصيرة حسب قوله - صلى الله عليه وسلم - العلماء ورثة الأنبياء وهم لم يورثوا درهما ولا ديناراً وإنما ورثوا العلم.
 ومن المعجزات المهمة لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وجود العلماء والدعاة الربانيين وأصحاب الجهود والخير في الأمة المحمدية بدءاً من فجر الاسلام إلى يومنا هذا الذين حافظوا على هذا الدين والتراث الإسلامي جيلاً بعد جيل. والشيخ الفقيد عبد الله العلي المطوع - رحمه الله - من أولئك الدعاة الأفذاذ الذي لم ير الزمان مثله، وان الزمان بمثله لبخيل وكان المرحوم داعية شجاعاً مجاهداً سخياً ومحبوباً ومتصفاً بصفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومتأسيا بأسوته، وكلما التقيت به زادت محبتي له ولم ينقص منها شيء وكان شخصه جاذباً حلواً عذباً، ولكون العلماء ورثة الأنبياء فإن صفاتهم تمركزت فيهم وهو حسب ما يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - من رأه هابه ومن خالطه أحبه، وقد تعرفت عليه في أوائل الثمانينات من خلال مؤلفات العلامة الفقيد الشيخ أبي الحسن علي الندوي - رحمه الله - ومجلة المجتمع الغراء حينما كنت طالباً في الجامعة الإسلامية في بنجلاديش وفي جامعة ندوة العلماء بالهند، وكان شقيق الداعية الفقيد الشيخ عبد العزيز علي المطوع - رحمه الله - الذي كان أكبر منه بـــ 18 سنة وكان من أهم اصدقاء الشيخ أبي الحسن علي الندوي - رحمه الله - الذي جعله عضواً في مجلس أمناء مركز اكسفورد للدراسات الإسلامية ببريطانيا، وهو كما أخبرني دخل في الثمانين حسب العام الميلادي ودخل في الثانية والثمانين حسب العام الهجري. وقد أجريت له حواراً شاملاً في عام 1993م يشتمل على معلومات وافية حول الإسلام ورد رداً جميلاً على جماعة الإخوان وجماعة التبليغ والجماعة الإسلامية والجماعة السلفية وقال كل واحدة مكملة للأخرى، فلذا كان محبوباً لدى الجميع.  ثم استمرت اللقاءات والاجتماعات معه وعين عضواً في مجلس أمناء الجامعة الإسلامية العالمية وساهم معنا في بناء هذا الصرح العلمي الشامخ ثم انضم إلى مصاف الجماعة الإسلامية العالمية وحضر في جميع الاجتماعات التي عقدت في الكويت على النطاق الاقليمي تحت رئاسة العم الفاضل الشيخ يوسف جاسم الحجي - حفظه الله - وكان يتبرع بانتظام لصالح هذه الجامعة، وكان متواصلا مع الأحزاب، دائم الفكر في قضايا الأمة المسلمة، وكان يحترق قلبه إذا نكبت الأمة المسلمة أينما كانت ويتابع أحوالهم بصفة مستمرة ، ومجلة المجتمع الغراء عبارة عن لسان حاله ومقاله ، وكان بالإضافة إلى المساعدات المنتظمة لمسلمي العالم يتبرع بمبالغ ضخمة لقضايا كبرى للأمة المسلمة امثال فلسطين ومسلمي كشمير وتسونامي اندونيسيا وزلزال باكستان وفيضانات بنجلاديش وغيرها، وهو أول من تبرع بمليون دولار امريكي لمبنى الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت وتبرع بمليون دولار أمريكي كذلك لمقاومة فتنة الإرساليات التنصيرية عبر العالم الإسلامي حين ذكر له شيخنا الدكتور يوسف القرضاوي، حفظه الله - وينطبق عليه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - حقاً
"المسلم للمسلم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وكان الفقيد المرحوم مدرسة في السياسة والاقتصاد والدعوة إلى الله والعمل الخيري، وفقدت الأمة الإسلامية نموذجاً شامخاً بأعماله الجليلة وسيرته الحسنة وكان مفكراً بعمق وداعية بصدق وتاجراً بإخلاص وأمانة وإجلال وكان رجلاً في أمة وأمة في رجل، حمل في وجدانه وعقله - قولاً وعملاً - هموم أمته ،وكان لايخشي في الحق لومة لائم ،وكان يسدي النصج إلى الجميع ويدعو الحكام إلى تطبيق الشريعة الإسلامية والتمسك بالكتاب والسنة، وهو يشبه في كثير من الجوانب والصفات أمير الدعاة الإمام الفقيد الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، - رحمه الله - كما اجد الشبه الكبير في وفاة الإمامين والأميرين أمير الدعاة الشيخ الندوي، وأمير العمل الخيري الشيخ عبد الله العلي المطوع الذي انتقل إلى ذمة الله كأنه كان مستعداً له نفسياً دون أي تعب وهو في عمل الخير مثل ابنه الكبير بدر عبدالله العلي المطوع الذي توفي ساجداً لله تعالى، هكذا وفاة الشيخ الندوي، في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان قبل الأذان وكان يتلو سورة يس حسب المعتاد، ولما بلغ إلى هذه الآية
"فبشرهم بمغفرة وأجرٍ كريم" سقط إلى الوراء وانتقل إلى ذمة الله تعالى راضياً ، هكذا موت الصالحين. أصر العم عبدالله المطوع على تبرئة ساحة انور إبراهيم
كشرط لإنجاح مؤتمر مهم لرئيس وزراء ماليزيا السابق أود أن اقص قصة صغيرة في هذا المناسبة: في عام 1988م عقد اجتماع اقليمي لمجلس أمناء الجامعة الإسلامية العالمية في بنجلاديش في مقر الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت وفي الوقت نفسه حضر السكرتير السياسي لرئيس الوزراء الماليزي (محاضير محمد) داتو حاجي دسوقي احمد مع السفير الماليزي انذاك لدعوة الشيخ عبد الله العلي المطوع، والشيخ يوسف الحجي إلى مؤتمر عالمي يعقده رئيس الوزراء الماليزي في كوالالمفد لبحث قضايا المسلمين وازالة سوء التفاهم الذي انتشر على مستوى العالم الإسلامي بعد سجن انور إبراهيم (نائب رئيس الوزراء السابق) وأنا انتهزت هذه الفرصة وقلت للعم ابي بدر، هذه فرصة ذهبية وألزموا بعض الشروط على الوفد الماليزي حول الإفراج عن انور إبراهيم، فوقع هذا القول على قلب العم أبي بدر وقال للوفد الماليزي بصراحة وصرامة وجرأة، اخواني: - نحن نتعاون معكم في إنجاح هذا المؤتمر ويحضر من الكويت وفد رفيع المستوى ولكن نظموا لنا لقاء مع رئيس الوزراء الماليزي لكى نقنعه حول انور إبراهيم ونزيل سوء التفاهم بينهما ويطلق سراحه حيث أن انور إبراهيم بريء مما يقولون وتعرض رئيس الوزراء الماليزي للمؤامرات المدبرة من قبل التيارات الهدامة المعادية للإسلام والمسلمين وأيد الحضور كلهم هذا الاقتراح ثم لم يرجع الوفد بعد ذلك بعد ان التزم الصمت تجاه هذا الموقف الجريء للعم ابي بدر. كان جمعية خيرية متحركة على الأرض ودعا إلى الله بصدق واخلاص منذ أن التقى مع الإمام حسن البنا في مكة سنة 1946م مع شقيقه الأكبر الشيخ الفقيد عبد العزيز علي المطوع وأسهم في انشاء جامعات اسلامية كثيرة وجمعيات خيرية لاتحصى وتصدى لمحاولات النيل من العمل الخيري، وكان عضواً في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي والمجلس الأعلى للمساجد. مازالت الأمة الإسلامية تعيش أحزانها والامها ونحن فقدنا شعورنا وحواسنا وكأن الصاعقة وقعت علينا حينما وصلنا هذا النبأ المؤلم، لو لم تكن هناك العراقيل والعقبات والحدود والثغور لطرنا إلى الكويت لحضور جنازته ولكن انطبق علينا قول الإمام الشافعي في شعره: كيف الوصل إلى سعاد ودونها قلل الجبال ودونهن حلوف والرجل حافية ولا لي مركب والكف صفر والطريق مخوف وقد فقدت الأمة الإسلامية في الماضي القريب كوكبة من العلماء الربانيين أمثال الشيخ ابي الحسن علي الندوي والشيخ بن باز والشيخ الدكتور مصطفى أحمد الزرقاء والشيخ علي الطنطاوي والشيخ محمد الغزالي والشيخ متولي الشعراوي والشيخ مجاهد الاسلام الفارسي والعلامة عبد الفتاح ابو غدة والشيخ أحمد ديدات وغيرهم - رحمهم الله جميعاً - ونرجو الله عز وجل أن يملأ هذاالفراغ بالعلماء الموجودين في الوقت الراهن حسب سنته وفطرة الكون أمثال العلامة الدكتور يوسف القرضاوي والعم الفاضل الشيخ يوسف جاسم الحجي والدكتور عبد الله عمر نصيف والسيد يوسف إسلام والبرفسيور خورشيد والعلامة السيد/ سلمان الحسني الندوي والدكتور عبد الله عبد المحسن التركي والدكتور عبد اللـــه عبد العـــزيز المصلح والدكتور عصـــام البشير والشيخ نادر عبد العزيز النوري والعلامة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي والمشير عبد الرحمن سوارالذهب والدكتور كامل الشريف والدكتور وهبة الزحيلي وغيرهم من العلماء - أطال الله في حياتهم جميعاً- نســـأل الــله عز وجل أن يتعمد الفقيد الشيخ عبد الله علي المطوع بغفرانه وأسكنــه في وسط الجنـــان وأن يلهم أولاده الصــــبر والسلــوان ويوفقــــهم للحفـــاظ على تـــراث آبائهــــم وأجـــدادهم إلى يوم القيامة. وصـــلى اللـه على محمد وآله وصحبه وسلم. هذه الكلمة ألقيت في حفلة عقدت في المسجد الكبير بالحساوي على عنوان شصور وقبسات من حياة الداعية الفقيد الشيخ/ عبدالله العلي المطوع - رحمه الله - في تاريخ 29/9/2006م بعد صلاة الجمعة بحضور فضلية الشيخ نادر عبد العزيز النوري وأبناء الفقيد عبد الاله وعبد الرحمن عبد الله العلي المطوع مع بعض احفاده وحضور الأخ الفاضل / مسلم محمد الزامل ومساعد صالح عليان وحضر فيها حوالي ثلاثة ألاف شخص من الجاليات البنجلادشية. |