العالمية - شوال - 1427 هجرية - نوفمبر 2006 م - العدد (199) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

   

ولــكــم فيمـا سبـقــكـم عـظـة وعبـــرة

حـــكــايــة عـثــمــان

 

اعداد يوسف ناصر اللهو

 

كانت العلاقة ولاتزال بين الراعي والرعية كما العلاقة بين الوالد وابنائه تسودها المودة والتراحم ولاتزال في بلدي الحبيب الكويت منذ نشأتها وستظل كذلك ان شاء الله تعالى.

الحـكـايــة

ايها القارئ الكريم هذه حكاية من الحكايات التي سطرها المغفور له بإذن اللــــه الشيخ عبــدالله النوري في كتــــابــه - حكاية من الكويت - تروي حكاية مواطن وشي به فما كان من الامير الا ان وقف موقف رجل مسؤول لحماية مواطنه ان يمسه سوء او يصيبه أذى ليحفظ سمعة بلده ويحمي مواطنه ويكون عزتنا ومستقبل اجيالنا، فعلينا السير على نهج من سبقنا لنحافظ على ماورثنا عن الابناء والاجداد وحتى تبقى بلدنا عزيزة مرهوبة الجانب - والله المستعان والهادي الى سواء السبيل.

(إنما المؤمنون إخوة)  (قرآن كريم)

(المسلم اخو المسلم) (حديث شريف)

الحرب قائمة 1914 - 1918 بين بريطانيا وحلفائها والمانيا وحلفائها، والحصار مضروب على تركيا وكل من يتصل بها، وحصلت مجاعات شديدة في كثير من البلاد التي يظن بها انها تتصل بدولة بني عثمان.

ولكن الكويت لم تبتئس ولم تيأس ولم تحل بها بنات بئس، ولم يجع فيها احد.

وكان الناس حديثي عهد بفراق تركيا ودولة الخلافة يومئذ، والخلافة امامة، وطاعة الامام واجبة ونصرته حتم، وفي الناس من يدعوهم الى الجهاد في سبيل الله وقتال اعداء الله دعاة من علماء الدين ومن الرجال المدنيين.

والقتال يكون بالنفس ويكون بالمال لان الله قال ذلك في مواضع عدة من كتابه الكريم منها قوله تعالى: شيا ايها الذين آمنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم ان كنت تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم، واخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنيند.

اذا فالجهاد واجب وهو بالنفس والمال، وهو سبب لاكتساب رضوان الله، وهو نصر وهو فوز في الدنيا وفي الآخرة.

وكان عثمان من التجار البارزين في الكويت، وكان نشيطاً يعامل اهل البادية وقراها في نجد وفي العراق، وكانت القوافل ترد اليه من هنا وهناك وتصدر منه الى هنا وهناك، محملة بالبضائع واردة او صادرة.

وفي يوم من الايام جاء من اخبر الامير بأن عثمان هذا يجمع السلاح في بيته ليعين به المجاهدين الذين يقاتلون حلفاء بريطانيا، تخرج به الجمال في حقائب مخبأة في الزكائب بين الحبوب والامتعة، وتذهب الى سوريا والى غير سوريا من البلاد العدوة التي لا تزال تحت حكم تركيا.

علم الامير بهذا من القنصل المقيم في الكويت يومئذ وكان حليفاً وقد كذب الامير الخبر وقال لمحدثه لا اصدق ان في الكويت من يخالف رأيي او يفعل ضد رغبتي، واعرف ان عثمان رجل من خيرة الرعية واحبها لاميرها ولكن سنقطع الشك باليقين وغداً نباغته في بيته مفتشين وسأكون انا المفتش بنفسي.

والامير لا شك يعرف من هو عثمان والامير مسلم يحب المسلمين اينما كانوا، ويريد لهم النصر ولا يكره عمل عثمان ان صح ما قيل عنه.

امسى المساء، واعتاد الكويتيون يومئذ ان يبكروا بالنوم، كما اعتادوا البكور باليقظة وبعد غروب الشمس بثلاث ساعات قل ان تجد من يمشي بالطريق لان الشوارع مظلمة، فلا كهرباء ولا سرج زيتية تشجع السائر في العتمة، وكانت العلامة الفارقة بين يقظة البلد ونومها الفراغ من صلاة العشاء.

اللهم الا من شباب يجتمعون في دواوين يسمرون قليلا ويتحدثون، ثم متى كانت الساعة الرابعة ليلاً اووا الى بيوتهم.

وكــــان التـــوقيت يومئـــذ يــبدأ بالغروب، كما ان اليــــوم ينتهي بغــــروب شمس نهـــاره، ويبدأ اليوم الجديد بأول ساعة من الليل.

وبعد ان ايقن الامير بالهدوء، بعث من تنكر رسولاً الى عثمان يقول له انا سنباغتك قبيل الفجر لتفتش الديوان والبيت، فاحذر فاننا ان وجدنا عندك اثراً من سلاح فربما نضطر ان نقتلك به.

فاياك اياك وسنقلب البيت تفتيشاً والاثاث نثراً، وسنبحث في الفراش وفي مخادع النساء، وقد اخبرتك بذلك لتستعد لهذا التفتيش وقد اعذر من انذر، ومتى اتيناك فاظهر لنا بلباس النوم ومثل دور من بوغت او فوجئ.

وقبيل اذان الفجر الاول كان الامير وحاشيته برفقة مندوب الدولة الحليفة، يقفون عند باب عثمان يضربون بشدة، وعثمان لا يعلم بالامر، واخيراً خلعوا الباب ودخلوا، وخرج اليهم عثمان يمثل دور من لا علم له بالامر احسن تمثيل. والامير بنفسه يتقدم المفتشين ويشتم كل خائن، ويعلم الله ان الامير لا يقصد بهذا الشتم عثمان وانما يقصد من نقل خبر عثمان الى هذا العدو اللابس لباس الصداقة.

فتش البيت كله والديوان ومخابئ النساء واستغرق التفتيش وقتاً طويلاً حتى اشرقت الشمس، ولم يجد المفتشون ما يؤخذ به على عثمان، وخاب فأل مندوب الخليفة، وخاب فأل من دس على عثمان، ونجح عثمان وسر الامير بهذا النجاح، واصر على ان يعرف الناقل لهذا الخبر، ولم يستطع ممثل الخليفة الا ان يخبر الامير باسمه.

وبعد مدة اختفى ذلك الرجل الخائن ولم يعرف الناس بعد ذلك له خبراً ولم يروا في الاحياء له اثراً.

والحكاية التي بين ايدينا خير دليل على متانة الصلة بين الحاكم والرعية، وحرص اولو الامر على حماية افراد المجتمع كأحد ابنائه، يتمثلون بذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" وحتى آخر الحديث ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة - متفق عليه - وقبل هذا يحرصون على ما جاء في القرآن الكريم : " يا ايها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم" ( الحجرات 12)