|
معالم العيد تـفيض على الحياة البرء والعافية واليقين والاطمئنان والسلام .. وهي لمن يعيش في رحابها هدى إلى الطريق الواصل. لم يكن للمسلمين عيد في مكة قبل الهجرة فقد كانت حياتهم صبراً على الأذى .. وبعد الهجرة إلى المدينة وجد الرسول
صلى الله عليه و سلم أهلها يلعبون ، فوجههم إلى ارتباط العيد بالعقيدة ، وذلك فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله
صلى الله عليه و سلم المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهليّـة، فقال: شإن الله قد أبدلكم خيراً منهما: يوم الفطر ، ويوم النحرد! إظـهـار السـرور: ويروي الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل أبو بكر، وعندي جاريتان، من جواري الأنصار، تغنيّـان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث! قالت: وليستا بمغنيّـتين! فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه و
سلم ؟ وذلك في يوم عيد ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: شيا أبا بكر ! إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدناد! قال ابن حجر: فيه تعليل الأمر بتركهما، وإيضاح خلاف ما ظنه الصدّيق، من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه
صلى الله عليه و سلم، لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه، فظنه نائماً، فتوجه له الإنكار على ابنـته من هذه الأوجه، مستصحباً لما تقرّر عنده من منع الغناء واللهو، فبادر إلى إنكار ذلك، قياماً عن النبي
صلى الله عليه و سلم بذلك، مستنداً إلى ما ظهر له، فأوضح له النبي صلى الله
عليه و سلم الحال، وعَرّفَــه الحكم مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد! أي يوم سرور شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا ، كما لا ينكر في الأعراس، وبهذا يرتفع الإشكال عمن قال:
كيف ساغ للصدّيق إنكار شيء أقره النبي صلى الله عليه و سلم؟!
وتكلّف جواباً لا يخفى تعسّـفه! (وليستا بمغنيّـتين) قال القرطبي: أي ليستا ممن يعرف الغناء، كما يعرفه المغنيّـات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرّك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء، والخمر، وغيرهما من الأمور المحرّمة لا يختلف في تحريمه! قال: وأما ما ابتدعه الصوفيّـة في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانيّـة غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت في كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة ، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وإن ذلك يثمر سني الأحوال، وهذا - على التحقيق - من آثار الزندقة، وقول أهل المخرفة، والله المستعان! وأما التفافه صلى الله عليه و سلم بثوبه ففيه إعراض عن ذلك ، لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك! لكن عدم إنكاره دالّ على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقـرّه، إذ لا يقـرّ على باطل! والأصل التـنزّه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النصّ وقـتاً وكيفيّـة، تقليلاً لمخالفة الأصل، والله أعلم! فـوائـد مـن الحـديـث: وفي هذا الحديث من الفوائد: 1 - مشروعيّـة التوسعة على العيال في أيّـام الأعياد، بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس، وترويح البدن، من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى! 2 - وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين! 3 - وفيه جواز دخول الرجل على ابنته، وهي عند زوجها، إذا كان له بذلك عادة، وتأديب الأب بحضرة الزوج، وإن تركه الزوج، إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء! 4- وفيه الرفق بالمرأة، واستجلاب مودّتها، وأن مواضع أهل الخير تـنزّه عن اللهو واللغو، وإن لم يكن فيه إثم، إلا بإذنهم! 5 - وفيه أن التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستكره مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون في ذلك افتئات على شيخه ، بل هو أدب منه، ورعاية لحرمته، وإجلال لمنصبه! 6 - وفيه فتوى التلميذ بحضرة شيخه، بما يعرف من طريقته! 7 - ويحتمل أن يكون أبو بكر ظنّ أن النبي صلى الله عليه و سلم نام، فخشي أن يستيقظ، فيغضب على ابنته، فبادر إلى سدّ هذه الذريعة! 8 - وفي قول عائشة رضي الله عنها في رواية للحديث (فلماّ غفل غمزتهما فخرجتا) دلالة على أنها مع ترخيص النبي
صلى الله عليه و سلم لها في ذلك، راعت خاطر أبيها، وخشيت غضبه عليها فأخرجتهما، واقتناعها في ذلك بالإشارة فيما يظهر، للحياء من الكلام بحضرة من هو أكبر منها، والله أعلم! 9 - واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء، ولو لم تكن مملوكة، لأنه
صلى الله عليه و سلم لم ينكر على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره، واستمرتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج، ولا يخفى أن محل الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك ، والله أعلم! 10 - واستنبط منه كراهة الفرح في أعياد المشركين، والتشبه بهم، وبالغ الشيخ أبو حفص الكبير النسفي من الحنفيّـة فقال: من أهدى فيه بيضة إلى مشرك، تعظيماً لليوم ، فقد كفر بالله تعالى! شـهـود العـيديـن: ويروي الشيخان وغيرهما عن حفصة رضي الله عنها قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فقدمت امرأة فنزلت قصر بني خَلَف، فحدّثت عن أختها - وكان زوج أختها غزا مع النبي
صلى الله عليه و سلم ثنتي عشرة، وكانت أختي معه في ستّ - قالت: كنا نداوي الكَلْمى، ونقوم على الْمرضَى، فسألت أختي النبي
صلى الله عليه و سلم: أعلَى إحدانا بأس، إذا لم يكن لها جِلْبابٌ أن لا تخرج؟ قال: شلِتُـلْبِسْها صاحبتُـها مِن جِلْـبَابِها، ولْتَشْهد الْخَيْر ودعْوَةَ المسلميند فلما قدمتْ أُمُّ عطيّـة سألتُها: أسمعت النبي
صلى الله عليه و سلم؟ قالت: (بأبي) نعم، وكانت لا تذكره إلا قالت (بأبي) سمعته يقول:"يخرجُ العواتق، وذواتُ الخُدُور - أو العوائق ذوات الخُدور - والحُـيَّض، ولْيشْهدن الخير، ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحُـيَّض المصَلّى" قالت حفصة: فقلت: (الحُـيَّض)؟ فقالت: أليس تشهد عرفة، وكذا وكذا؟ وهكذا نبصر المسلمين والمسلمات في يوم فرح وسرور، وبشر وحبور! النـهـي عـن الصـوم: ويروي الشيخان وغيرهما عن أبي عبيد، مولى ابن أزهر: أنه شهد العيد يوم الأضحى مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فصلّى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: يا أيها الناس: إن رسول الله
صلى الله عليه و سلم قد نهاكم عن صيام هذين اليومين: أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم، وأما الآخر فيوم تأكلون من نسككم! ويروي أحمد وغيره بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله
صلى الله عليه و سلم: "يوم عرفة، ويوم النحر، وأيّـام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهن أيام أكل وشرب"! {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}: تلك معالم نذكرها لنتبيّـن مكانة العيد في الدّين القيّـم الذي جاء ليبصرنا بمعالم الحياة المباركة الطيّـبة، رجاء أن نعيش في رحابها، وتحيا القلوب، وتشفى الصدور من الخرافة التي نراها في حياة الكثيرين، تملأ النفوس، والشك الذي يسيطر عليها، والزيغ الذي يمرضها، والقلق الذي يحيرها! وهذه المعالم تـفيض على الحياة البرء والعافية واليقين، والاطمئنان والسلام .. وهي لمن يعيش في رحابها هدى إلى الطريق الواصل، ورحمة .. وبهذا الفضل الذي آتاه الله عباده .. وبهذه الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان .. بذلك وحده فليفرحوا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَـةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}! (آية 57-58 سورة يونس) بهذا الفضل، وبهذه الرحمة، يكون الفرح العلويّ الذي يطلق النفس من عقابيل المطامع الأرضيّـة، والأعراض الماديّـة، فتلك خادمة للحياة لا مخدومة! والدّين القيّـم لا يحقر الأعراض الدنيا، ليهجرها الناس، ويزهدوا فيها، إنما يزنها بوزنها ليستمتع بها الناس، وهم أحرار الإرادة، طلقاء اليد، مطمحهم أعلى من هذه الأرض، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض، فالإيمان هو النعمة، وتأدية مقتضيات الإيمان هي الهدف، والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم، لا سلطان لها عليهم! يروي ابن أبي حاتم عن بقيّـة بن الوليد، عن صفوان بن عمرو: سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يقول: لما قدم خراج العراق إلى عُمر رضي الله عنه، خرج عُمر ومولى له، فجعل عمر يعـدّ الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله تعالى! ويقول مولاه : هذا والله! من فضل الله ورحمته، فقال عمر: كذبت ، ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}! وهذا مما يجمعون! هكذا كان الرعيل الأول - كما في الظلال - ينظرون إلى قيم الحياة .. كانوا يعدّون الفضل الأول والرحمة الأولى هي ما جاءهم من الله من موعظة وهدى! فأما المال، وأما الثراء، وأما النصر ذاته فهو تابع .. لذلك كان النصر يأتيهم، وكان المال ينـثال عليهم، وكان الثراء يطلبهم! إن طريق هذه الأمة واضح .. إنه في هذا الذي نبصره في كتاب الله، وسنة النبي
صلى الله عليه و سلم، وفي سيرة السلف الصالح .. هذا هو الطريق! إن الأرزاق الماديّـة، والقيم الماديّـة، ليست هي التي تحدّد مكان الناس في هذه الأرض .. في الحياة الدنيا .. فضلاً عن مكانهم في الحياة الأخرى! إن الأرزاق الماديّـة، والتيسيرات الماديّـة .. يمكن أن تصبح من أسباب شقوة البشريّـة - لا في الآخرة المؤجّـلة، ولكن في هذه الحياة الواقعة، كما نشهد اليوم في حضارة المادة الكالحة، وفي الأعياد عند غير المسلمين! إنه لابدّ من قيم أخرى تحكم الحياة الإنسانيّـة، وهذه القيم الأخرى هي التي يمكن أن تعطي للأرزاق الماديّـة، والتيسيرات الماديّـة قيمتها في حياة الناس، وهي التي يمكن أن تجعل منها مادّة سعادة وراحة لبني الإنسان! إن المنهج الذي يحكم حياة مجموعة من البشر هو الذي يحدّد قـيمة الأرزاق الماديّـة في حياتهم .. هو الذي يجعلها عنصر سعادة أو عنصر شقاء .. كما يجعلها سبباً للرقيّ الإنسانيّ أو مزلقاً للارتكاس! ومن هنا كان التركيز على قـيمة الـدّين في حياة المؤمنين! ومن هنا كان الذين تلقّـوا هذا القرآن أول مرّة يدركون هذه القيمة العليا! وقد كان عمر الفاروق شهيد المحراب رضي الله عنه يعرف أن فضل الله ورحمته يتمثلان بالدرجة الأولى في هذا الذي أنزله الله لهم كما قال الله: {قد جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}! لقد كانوا يدركون قيمة النقلة البعيدة التي نقلها لهم هذا الدّين القيّـم، من وهدة الجاهليّـة التي كانوا عليها .. وإنها لنقلة بعيدة بالقياس إلى الجاهليّـة في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل ، وعصر ومصر! إن النقلة الأساسيّـة في هذا الدّين القيّـم نبصرها في إعتاق رقاب العباد من العبوديّـة للعباد، وتحريرهم من هذه العبوديّـة، وتعبيدهم لله وحده، وإقامة حياتهم كلها - بما فيها العيد - على أساس هذا الانطلاق الذي يرفع تصوّراتهم، ويرفع قيمهم، ويرفع أخلاقهم، ويرفع حياتهم كلها من العبوديّـة إلى الحياة في رحاب الدّين القيّـم! والذين يركّـزون على القيم الماديّـة ، وعلى الإنتاج الماديّ، ويحفلون بها في حياتهم، وفي أعيادهم .. ويغفلون تلك القيمة الكبرى الأساسيّـة .. هم الماديّـون الجاهليّـون، حتى في أعيادهم! والقيمة العليا يجب أن تبقى لفضل الله ورحمته في هذا الدّين القيّـم الذي يشفي الصدور، ويعلي من القيم الإنسانيّـة في الإنسان .. وفي ظل هذه القيمة العليا تكون الحياة المباركة الطيّـبة، كما يحبّ الله ورسوله، ويكون الفرح والسرور، والبشر والحبور! |