|
المملكة العربية السعودية هي قبلة المسلمين في شتى بقاع المعمورة، وقد شهدت أعظم حدث وقع في تاريخ البشرية ألا وهو نزول آخر الرسالات السماوية على خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد
صلى الله عليه و سلم. والحقيقة أن المملكة العربية السعودية في ماضيها القريب وحاضرها الزاهر كيان شامخ صنعه رجال أوفياء، وهي امتداد للدولة السعودية الأولى التي يمتد تاريخها إلى ما يقارب ثلاثة قرون. ولاشك أن هذه الملحمة العظيمة كانت بقيادة رجل منحه المولى عز وجل ثقة بنصر الله، فكان فتح الرياض في عام 1901، نقطة الانطلاق عندما قام المغفور له الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - بتأسيس دولة قوية ومتماسكة تحت راية التوحيد في عام 1351 هــ الموافق 1932. وتحتفل المملكة العربية السعودية بيومها الوطني في اليوم الأول من الميزان الموافق 23 سبتمبر من كل عام، وذلك تخليداً لذكرى توحيد المملكة وتأسيسها على يدى الملك عبد العزير بن عبد الرحمن آل سعود يرحمه الله الذي أعلن قيام المملكة العربية السعودية عام 1351هــ 1932م.  فعلى مدى مايزيد عن عقدين من الزمن كرس الملك عبد العزيز جهوده في ارساء قواعد النهضة الحديثة للبلاد من خلال ترسيخ الأمن والاستقرار والتعمير وتوطين البادية وتأمين طرق الحج وتأسيس مجلس الشورى وافتتاح المدارس وتحديث أساليب الحياة، إلى جانب اقامة علاقات مميزة مع الدول العربية والاسلامية والصديقة والدفاع عن قضايا الحق والعدل، وأصبحت المملكة العربية السعودية خلال سنوات قلائل احدى الدول المؤثرة على الساحة الدولية، وأصبحت تحظى باحترام وتقدير المجتمع الدولي. وكان من بشائر الخير على الدولة الوليدة أن اكتشـــف البترول بكميـــات تجارية في الجزء الشرقي من المملكة عام 1938م، مما ساعد في النهوض بالبلاد وتطوير مواردها الاقتصادية.  وفي الثاني من شهر ربيع الأول من عام 1373 هــ الموافق التاسع من نوفبر 1953 انتقل الملك عبد العزيز إلى رحمة الله، وتعاقب على سدة الحكم من بعد ابناؤه الملك سعود، ثم الملك فيصل، ثم الملك خالد، ثم الملك فهد (يرحمهم الله) والذين واصلوا على نهج والدهم العظيم مسيرة البناء والتعمير مع التمسك بشريعة الله دستوراً ومنهجاً. وفي 20جمادي الثاني 1426هــ الموافق 1 اغسطس 2005م أثر وفاة الملك فهد - يرحمه الله - بايعت الأسرة المالكة والشعب السعودي ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز ملكا على البلاد، وفي نفس اليوم أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يحفظه الله أمراً بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز وليا للعهد نائبا لرئيس مجلس الوزراء. وفي عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز الزاهر وانسجاماً مع ما نشأ عليه الملك عبد الله بن عبد العزيز من أخلاق كريمة وتواضع، رفض أن يخاطب (بمولاي) وكذا رفض تقبيل اليد والانحناء ورأى أن ذلك لايكون إلا لرب العزة والجلال، اما تقبيل اليدين فهو بر للوالدين فقط. وشهدت المملكة العربية السعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز قفزات تنموية سريعة اتصفت بعمق الأهداف وشمولية الغايات والتطلعات واختصار الزمن وآخرها انضمامها لمنظمة التجارة العالمية. كما تعتبر المملكة العربية السعودية عضواً فاعلاً في العديد من المنظمات التجارية والاقتصادية العالمية ومنها: البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، صندوق النقد العربي، المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، مجلس التعاون لدول الخليج العربي منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري البنك الاسلامي للتنمية. ابعاد التنمية اتسمت المسيرة التنموية في المملكة بالتوازن والشمولية والاسترشاد بتعاليم الدين الاسلامي الحنيف وقيمه السامية، وتضمنت اهداف المملكة منذ خطة التنمية الأولى ثلاثة ابعاد رئيسة هي البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والبعد التنظيمي. وتعتبر الخطة الخمسية للتنمية الثامنة (1425 -1430هــ) (2005 - 2009) م الجاري تنفيذها حالياً امتداداً للأهداف بعيدة المدى للمسيرة التنموية في المملكة. ومن أبرز أهداف الخطة ما يلى: تنمية قدرات الموارد البشرية وتوفير الفرص الوظيفية الملائمة لزيادة مشاركة القوى العاملة ورفع كفاءتها من خلال توفير الخدمات التعليمية والاجتماعية والصحية وتدريب الكوادر الوطنية، تنفيذ سياسة التخصيص باعتبارها خياراً استراتيجيا، الاهتمام بالتجهيزات الأساسية لتهيئة المناخ الملائم لجميع قطاعات الاقتصاد الوطني وصيانتها لإطالة عمرها التشغيلي. ويقدر اجمالي الانفاق على قطاعات التنمية في الخطة بنحو 488.2 مليار ريال منها 276.9 مليار ريال لتنمية الموارد البشرية. المدينـــة المنــورة في رمضـان مهـوى القلــوب
 لم أكن قادراً على ضبط مشاعري، القلب يخفق، والنفس تتوثب والعين تتلهف، واراني احس برهبة ووجل، وعجلات المركبة تقطع الكيلو مترات الباقية من طريق طويل يدفع بنا إلى مدينة رسول الله "صلى الله عليه وسلم". ورغم أني ومن معي يسر الله لنا ألا نتخلف كثيراً عن المجيء إلى المدينة المنورة بين الحين والآخر، فإني لم اكن قادراً بالفعل على تفسير هذه المشاعر التي تنتابني كلما أكرمني ربي بزيارتها، فتراني طوال مقامي فيها أحسن بالرهبة، ويعلو على مواكبها جلال قيمتها وعظم من يرقدون في ارضها، ولا تحس أنك في بلد عادي أو مدينة معتادة، فها هو خير من أظلت الأرض يحفظه ترابها، وتظلل هيبته المكان، وكأنما يتجسد حياً، في قلوب محبيه ومتبعي نهجه ومقتادي هديه. المدينة المنورة، أو طيبة الطيبة، قصة لا تنتهي، يمكنك أن تكتب فيها وعنها وحول تاريخها، حاضراً وماضياً ومستقبلاً بما لا ينفد القلم، اليست هذه هي الارض التي كانت مسرحاً لجاهلية جهلاء قبل سنين من انعام الله عليها بمقدم رسول الله
صلى الله عليه و سلم إلى أهلها، فأنقذهم من الضلالة وأخرجهم من الظلمات وجعل لهم ذكراً لا ينتهي إلى يوم القيامة.  اليست هذه هي المدينة التي أقام فيها رسول الله صلى الله
عليه و سلم بذور وجذور دولة الإسلام الفتية التي ستظل تحمل دين التوحيد وشريعة العدل إلى يوم الدين؟ اليست هذه هي المدينة التي شهدت نزول القرآن الكريم لنحو عشر سنين؟ اليست هذه هي المدينة التي مشى على ترابها افضل أهل الأرض جميعاً: رسول الله
صلى الله عليه و سلم وصحابته الكرام: الصديق والفاروق وذو النورين والإمام عليّ والعشرة المبشرون بالجنة وبقية الجيل الفريد من المهاجرين والانصار والذين خطوا بقلوبهم وجهادهم اعظم تجربة في تاريخ البشرية من العدل والقسطاس، ولا يزال الناس يحلمون بمقدم جيل مماثل يعيد الكره من جديد، وما ذلك على الله ببعيد. كل ذلك ما كان ليغيب وانا اتلهف شوقاً لدخول المدينة في كل مرة يهيئ الله لي زيارتها. هل تكفي الكلمات لوصف المشاعر، ربما لا، لكنها - على كل حال، مدينة مهوى القلوب مع مكة المكرمة، تستهوي الأنفس، وتحفز الرجال على شد الرحال إليها من اقطاب الارض، لينعموا بلحظات من عبق التاريخ وسمو الروح، التي لا تتكرر كثيراً في حياة الفرد. المدينة المنورة، في رمضان الكريم، شيء آخر، فهذا الشهر له خصوصية يعرفها من شهد ولو يوماً واحداً منه فيها حيث يحرص الكثيرون على أن تجتمع لهم قدسية الزمان وقدسية المكان، فتشهد المدينة كلها، والمسجد النبوي خصوصاً حشوداً هائلة تملأ أروقته وسطحه وساحاته الخارجية، وخاصة عند المغيب، يتوجون يومهم من الصوم بالتلاوة الخاشعة، والدعاء الضارع ويسارع بعضهم لاكتساب اجر: من فطر صائماً، وينظمون موائد الافطار في رحابه وساحاته، ويجتهدون في اجتذاب الناس إليها، وتجود الانفس بالعطاء تأسياً بالحبيب الأعظم
صلى الله عليه و سلم، الذي كان في رمضان اجود بالخير من الريح المرسلة. ويغدو المسجد النبوي كخلية النحل، ولاسيما في صلوات المغرب والعشاء والتراويح والقيام ويحتضن الاعداد الغفيرة من المعتكفين، تبلغ ذروتهم في العشر الأواخر، يتذوقون حلاوة الإيمان، ويسألون الله ان يعيده بالطاعات والرضوان. |