العالمية - رمضان - 1427 هجرية - أكتوبر 2006 م - العدد (198) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

لـيـلـة الـقــدر.. خير من ثلاثين ألف يوم

 

بقلم: د. سعد المرصفي أستاذ الحديث وعلومه

 

إنها مناسبة للتسابق في عمل الخير، والتعويض عما سلف من تقصير، والتكفير عما مضى من أخطاء!

إن مضاعفة الأجر والثواب قضية ارتبطت ببعض الأزمان والأماكن، فهي قضيّـة فضل من الله الرحمن الرحيم، ومن الأزمان لقد فضل الله رمضان على غيره، ويوم الجمعة كذلك .. وهكذا!، كما فضّـل الله تعالى ليلة القدر على غيرها من الليالي والأيّـام، فكانت خيراً من ثلاثين ألفاً من الأيّـام الأخرى، ومن ثم قال العلماء: لله خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص!.

وتطالعنا سورة القدر المكيّـة كما قال الجمهور بتنويه فضل القرآن الكريم وعظمته بإسناد إنزاله إلى الله تبارك وتعالى، ورفع شأن الوقت الذي أنزل فيه ، ونزول الملائكة في ليلة إنزاله .. وتفضيل الليلة التي توافق ليلة إنزاله من كل عام ، قال :

(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)! ( سورة القدر )

والقـدْر يأتي بمعنى القضاء والحكم، والتدبير ، وعلوّ الشأن .. والحديث عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجّـلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال .. حديث عن ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى .. ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثـره في حياة البشر جميعاً.. العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري:

(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ )!

والتعريف في (الْقَدْرِ) تعريف الجنس ، ولم يقل (في ليلة قدر) لأنه - كما في التحرير والتنوير - قُصد جعل هذا المركب بمنزلة العلم لتلك الليلة، لأن تعريف المضاف إليه باللام مع تعريف المضاف بالإضافة أوغل في جعل ذلك المركّـب لقباً، لاجتماع تعريفـين فيه!

وقد ثبت أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان ، قال تعالى:

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)!

(آية 185 سورة البقرة)

ولا شك أن المسلمين كانوا يعلمون ذلك، إذ كان نزول سورة القدر المكيّـة قبل نزول سورة البقرة المدنيّـة، وعليه فلـيلة القـدر هذه كانت في رمضان!

والمقصود من تشريف الليلة التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها تشريف آخر للقرآن بتشريف زمان ظهوره، تنبيهاً على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله وقتاً شريفاً مباركاً، لأن عظم قدر الفعل يقـتضي أن يُختار لإيقاعه ما يناسبه من الأوقات والأمكنة، وابتداء إنزاله ينبئ عن علوّ قدره عند الله تعالى، كقوله جلّ شأنه:

(لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ)! (آية 79 سورة الواقعة)

على الوجهين في المراد من المطهرين! (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ)!

تـنويه بطريق الإبهام المراد به أن إدراك كنهها ليس بالسهل، لما ينطوي عليه من الفضائل الجمّـة!

والمعنى أيّ شيء، يعرِّفك ما هي ليلة القدر، أي يعسر على شيء أن يعرّفك مقدارها .. وأعيد اسم (لَيْلَةِ الْقَدْرِ) على خلاف مقتضى الظاهر، لأن مقتضى الظاهر الإضمار، فَقُـصد الاهتمام بتعيينها، فحصل تعظيم ليلة القدر صريحاً .. وكناية عن تعظيم ما أنزل فيها، وأن الله اختار إنزاله فيها ليتطابق الشرفان!

(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ)!

وهنا نبصر أن الله عزّ وجلّ قد فضّـل هذه الليلة على غيرها من الليالي والأيّـام، وأن من عبدَ الله وذكره، وفعل خيراً فيها كان خيراً له من جهة الثواب والأجر العظيم عند الله من ليالي وأيام كثيرة ليس فيها ليلة القدر ، تبلغ ألف شهر، وإذا كان الشهر ثلاثين يوماً تقريباً، كانت ليلة القدر خيراً من ثلاثين ألفاً من الأيّـام الأخرى، وأن من أحيا هذه الليلة بالعبادة والذكر والدعاء والأعمال الصالحة كان له من الثواب ما هو خير من ثلاثين ألفاً، وهي تعادل ثلاثاً وثمانين سنة وثلث السنة، وهذا عمر قلّ من الناس من يبلغه، فكيف بمن يعبد الله فيه، وهو لا يعبد إلا مميّـزاً على أقل تقدير!

حكمـة الإخـفـاء

أما إخفاء ليلة القدر في شهر رمضان، فقد أبان الرسول [ في أحاديث كثيرة أن مظانّ التماسها العشر الأواخر، وأكّـد على التماسها في آحاد هذه الليالي، ليجتهد المؤمن في العبادة، وضبط النفس على الطاعات طوال ليالي شهر رمضان من جهة، ثم ليضاعف من اجتهاده في العشر الأواخر منه، ثم ليزيد من الحرص وحسن العبادة في الآحاد، رغبة في أن يظفر بمصادفتها واغتـنام خيراتها!

وهو أسلوب يحفز إلى العمل، والترغ يب فيه، لأن من طبائع الناس الرغبة بتـتبع الاحتمالات المحصورة في عدد معيّـن، للظفر بالربح العظيم المنوط بواحد منها، ومن تـتبع ذلك استيقن أنه على طريق الظفر بالمطلوب!

والناس مفطورون على محبّـة الأسرار، والرغبة في البحث عنها، والمحافظة عليها عند الوصول إليها، ومن ثم كانت حكمة الإخفاء .. وهذا يدفعنا إلى أن نجتهد ونبذل أقصى الجهد خلال تلك المدّة التي تـتنزّ ل فيها خصائص الخيرات، ومن ثم تكون الاستـقامة على الطريق!

يروي الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت:

كان النبي إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله!

وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

كان رسول الله يعتكف العشر الأواخر من رمضان!

وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها: كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفّـاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده!

وفي رواية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:

أن رسول الله كان يعتكف في العشر الأواسط من رمضان، فاعتكف عاماً، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين (وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه) قال:

"من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد أُرِيت هذه الليلة، ثم أُنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر"

فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فبصُرت عيناي رسول الله على جبهته أثر الماء والطين، من صبح إحدى وعشرين!

وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما:

أن رجالاً من أصحاب النبي أُرُوا ليلة القدر في المنام، في السبع الأواخر، فقال رسول الله:

"أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السبع الأواخر "! وتعددت الروايات في ذلك!

لـيلـة مـبـاركـة

ونجد أنفسنا أمام قول الله تعالى:

(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)!

(آية 3-6 سورة الدخان)

إنها لمباركة حقّـاً، تلك الليلة التي يفتح فيها ذلك الفتح على البشريّـة (كما في الظلال) والتي يبدأ فيها استقرار هذا المنهج الإلهي في حياة البشر، والتي يتصل فيها الناس بالنواميس الكونيّـة الكبرى مترجمة في هذا القرآن ترجمةّ يسيرة، تستجيب لها الفطرة وتلبّـيها في هوادة، وتقيم على أساسها عالماً إنسانيّـاً مستـقرّاً على قواعد الفطرة واستجاباتها، متناسقاً مع الكون الذي يعيش فيه، طاهراً نظيفاً كريماً بلا تعمل ولا تكلّف .. يعيش فيه الإنسان على الأرض موصولاً بالسماء في كل حين!

ولقد عاش الذين أنزل القرآن لهم أوّل مرّة فترةً عجيبةً في كنف السماء، موصولين مباشرة بالله، يطلعهم أوّ لاً بأوّل على ما في نفوسهم، ويشعرهم أوّ لاً بأوّل بأن عينه عليهم، ويحسبون هم حساب هذه الرقابة، وحساب هذه الرعاية .. في كل حركة وكل هاجسة تخطر في ضمائرهم، ويلجأون إليه أول ما يلجأون، واثـقين أنه قريب مجيب!

ومضى ذلك الجيل، وبقي القرآن كتاباً مفتوحاً موصولاً بالقلب البشري، يصنع به حين يتـفتّـح له ما لا يصنعه السحر ، ويحوّل مشاعره بصورة تحسب أحياناً في الأساطير!

وبقي هذا القرآن منهجاً واضحاً كاملاً صالحاً لإنشاء حياة إنسانيّـة نموذجيّـة في كل بيئة وفي كل زمان .. حياة إنسانيّـة تعيش في بيئتها وزمانها في نطاق ذلك المنهج الإلهيّ المتميّـز الطابع، بكل خصائصه دون تحريف، وهذه سمة المنهج الإلهيّ وحده ، وهي سمة كل ما يتصل بذلك المنهج الربانيّ!

ليلة القدر يكتـنفها السـلام

وحين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المجيدة السعيدة، ونتصوّر نزول الملائكة والروح:

(تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)! هذا المشهد المبارك في هذه الليلة!

وحين نتدبّـر حقيقة الأمر الذي تمّ فيها، ونتملّى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان، وفي واقع الأرض، وفي تصوّرات القلوب والعقول!

نرى أمراً عظيماً حقّـاً، وندرك طرفاً من حديث القرآن عن تلك الليلة المباركة!

ولقد تغفل البشريّـة (لجهالتها ونكد طالعها) عن قدر ليلة القدر، وعن حقيقة ذلك الحدث، وعظمة هذا الأمر، وهي منذ أن جهلت هذا وأغفلته فقدت أسعد وأجمل آلاء الله عليها، وخسرت السعادة والسلام الحقيقي!

لقد انطفأ النور الجميل الذي أشرق في روحها مرّة، وانطمست الفرحة الوضيئة التي رفت بها وانطلقت إلى الملأ الأعلى .. وغاب السلام الذي فاض على الأرواح والقلوب، فلم يعوّضها شــيء عــــن فـــرحــــة الــروح ونور السماء، وطلاقة الرفرفة إلى عليّـين!