|
للمواطن في بلدي الكويت مكانة رفيعة لدى الحاكم وذلك منذ ان نشأت الكويت عام 1752 ميلادية تقريبا لترابطهم الروحي ولتواصلهم والتعاون فيما بينهم وتحسبهم اسرة واحدة وهم كذلك ان شاء الله وتسمعهم يرددون في كثير من المناسبات (كلنا اهل كربه - قرية - كل يعرف اخيه). وتزداد المكانة رفعة واحتراما اذا التقى الحاكم أحد المواطنين خارج الوطن فتراه يسارع في الترحيب به يسأله عن احواله ويعرض عليه مساعدته ويحيطه بالعناية والاهتمام حتى يجد المواطن انه في مكان قريب من الحاكم. ايها القارئ الكريم - ان الحكاية التالية حدثت لاحد المواطنين واثبتها فضيلة الشيخ عبدالله النوري يرحمه في كتابه (حكاية من الكويت) فيها الدليل القاطع على قوة الترابط بين المواطن والحاكم فاللهم اجعلها صلة محبة وتراحم تباركها وتقويها رجاء رحمتك وابتغاء مرضاتك آمين. (ان الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه احفظ ذلك ام ضيعه حتى يسأل الرجل عن اهل بيته) (حديث شريف) الحكاية قبيلة العوازم من القبائل الذي استوطن الكويت بعض افخاذها، وعمروا ساحلها يعتاشون بصيد الاسماك، ويحتالون على هذه المهنة تارة بالشباك واخرى بما يسمونه الحظور (جمع حظرة، وهي حظيرة من قصب لها مدخل واحد قد عمي الخروج منه، تدخله السمكة، سعة الحظرة نحو من خمسين متراً مربعاً، وارتفاعها كطول القصب مترين تقريبا)، وكان وما يزال يعمل بعضهم بتجارة المواشي او تجارة الحبوب، وتاجر بعضهم في الخليج ذهاباً واياباً وفي الغوص، وكانت لهم سفن وبحارة منهم ومن غيرهم، وكانوا محبين لقبيلتهم فلا يتزوج العازمي بغير بنت قبيلته، ولا يزوج غير ابنها، وندر ان زوجوا ابناءهم من غير قبيلتهم، او تزوجوا من غيرها. تاجر الحبوب وكانوا يكنون انفسم (اولاد عطا) وهي الكنية التي يتعارفون بها. وكان منهم سعود، وسعود هذا تاجر حبوب يذهب ايام الحصاد الى ساحل ايران فيشتري منه ما تيسر، ويشحنه في سفن يكتريها لهذا الامر، ثم يأتي بها الى الكويت ويبيعها معبأة او بلا تعبئة، بيعا بالجملة او المفرد. واقتضى لهذا الامر ان يتعرف بكثير من زراع الحبوب الايرانيين، فكانوا يأتون في الخريف الى الكويت ويستلفون من سعود ومن غيره مبالغ كبيرة استعداداً للزرع وعربونا للبيع بعد الحصاد. ودام الامر على ذلك سنين، ربح فيها سعود واربح، واتسعت معاملته في استيراده. غدر ونكران وفي سنة ساءت فيها نية معامليه، وعزموا على التنكر له بعد ان قبضوا ما كانوا اعتادوا قبضه منه في الخريف، لم يكن سعود يعلم بنيتهم هذه، فلما حل موعد الحصاد ارتحل كعادته الى هنديان، ولما وصلها لم يستقبله من كانوا يستقبلونه، ولم ير الوجوه التي اعتاد رؤيتها، لان الناس قد تنكروا واضمروا شراً، فقال في نفسه (وكان حسن الظن) لعل القوم قد اصيبوا بمكروه او فقدوا عزيزاً. ومضى يومان وثلاثة واتصل ببعضهم فصارحوه في الامر وقالوا: ليس لك عندنا حبوب، فلا حنطة ولا شعير، واذا اردت السلامة فارحل بجلدك، واظهروا بعض الشر الذي اضمروه. الخير فطرة والناس مهما خبثوا فلا يخلون من خير، والخير في طبيعة البشر فطرة، لهذا كان من واجب البشرية مراعاة هذه الفطرة وتنميتها لكي تنمو، والاديان السماوية نزلت وبعث بها الانبياء لتنمية غريزة الخير في البشرية. اما اذا اهملت ولم تراع ظلت مكبوتة حتى يبعثها باعث او تبقى خفية حتى ينتهي الأجل، واذا أميتت غريزة الخير في الانسان كان الانسان وحشاً لا يطاق. وبينما سعود في وحدته ليلاً يفكر في غده اذ طرق عليه طارق يستأذن بالدخول قال له سعود: ادخل، وكان الداخل يتلفت خوفاً من ان يراه احد ثم جلس الى سعود وقال له: ان القوم قد اتفقوا على التنكر لك وانكار دينك الذي في ذمتهم، كما اتفقوا على اخراجك من البلد، وعندي رأي اذا فعلته استوفيت حقك، ولا يستطيع احد بعد ذلك ان يمسك بسوء، وانا مدين لك ايضاً، وناو ان اوفيك مالك على سر بيني وبينك، لاني لو اظهرت نيتي لاغضبت جماعتي. اميركم في قلوبنا ان اميركم اليوم في بلدنا في ضيافة شيخنا، فزره وسلم عليه واطلب العون منهما على تحصيل حقوقك، ومتى حصلتها فلن تخيب بعدها ابداً، لان جماعتنا يخافون القوي، فتوكل على الله وافعل ما اقوله لك، ولا تخف فالله مع العاملين، وتوكل على الله انه مع المتوكلين. تردد سعود في اول الامر، وبات يقلب المشورة في فكره فلعلها تكون حيلة او حيالة نصبها القوم له، ولما تأكد من وجود اميره في البلاد اطمأن قلبه وركب فرسه وذهب الى الاهواز يزور الامير ويستعين به، وهو يعرف حب الامير للشعب وحب الشعب للامير ووصل سعود بيت الضيافة وكان امامه سرادق عظيم من شعر اسود يقوم على سبعة اعمدة جلس الامير الضيف المبارك، والامير المضيف خزعل في صدر البيت، والوجوه والخدم والغلمان محيطون بهما. بشير خير دخل سعود السرادق فلمحه مبارك وقال: كأنه ابن دهام قادم من الكويت، عسى ان يكون بشير خير، وعندما وصل مدخل السرادق، قام الامير الضيف مرحباً به، ماداً يده لمصافحته، مستدنياً اياه وسائلاً عمن قدم معه من افراد العائلة ووجوه البلد، وسعود يجيب على كل سؤال، ثم التفت الضيف الى المضيف قائلا له: هذا سعود بن دهام من وجوه العوازم في بلدنا ومن خيرة رجالنا، ولو نابنا امر فليس لنا عنه غنى، ولو وقف في سوق الكويت مناديا (اولاد عطا) وهي الكلمة التي يستعملونها للتعارف فيما بينهم، للباه الف من العوازم. ثم التفت الى سعود قائلا له: (خيراً قدمت له يا سعود؟) قالها مستفهماً. فقال: والله يا طويل العمر جئت كالعادة استحصل ديوني من اهل هنديان، ولما علمت بقدومكم جئت للسلام عليكم. علم مبارك او تفرس بأن في الامر خديعة ارادها اهل هنديان بسعود، والتفت الى خزعل وقال: ان سعوداً رجل واسع العمل ووقته ثمين، وما دام وصل الينا وجب علينا ان نبعث معه من يساعده على انجاز مهمته وتحصيل ديونه، ثم التفت الى سعود وقال: شاركنا الغداء وبعد ذلك نرخصك بالسفر الى عملك. وتلطف الاميران معه، وطارحاه الحديث والنكت مما جعل سعوداً ينكر نفسه لانه لم ير هذا اللطف من اميره في كويته. ورجع سعود الى هنديان ومعه اثنان من رجال خزعل ساعداه في تحصيل ديونه القديمة والجديدة، ورجع الى الكويت وعاد رفيقاه الى الاهواز. وعاد الامير مبارك الى الكويت وذهب سعود ليسلم عليه ويشكره على ما كان قد اسداه له من عون في الغربة، ولكن الامير رد السلام بكبرياء ولم ير منه ذلك الوجه الذي رآه في الاهواز. علم سعود بعد ذلك ان الامير كان في غربة، وانه احب ان يظهر رعاياه امام الاجانب بمظهر الكبار ليحترم الناس في الغربة رعاياه، فلا تضيع لهم حقوق، ولا تهان لهم حرمة، ولا يخفر لهم ذمام. وحدث سعود اصحابه بما كان بينه وبين مبارك وترحم على روحه وهو يقول: رحم الله مباركاً فقد كان لنا نعم الراعي اذا حضرنا، ونعم العون اذا سافرنا، وبسبب رعايته لنا كنا في الغربة محترمين، ثم رفع رأسه الى السماء وقال: اللهم ارحم مباركاً وبارك لنا في ذريته. |