العالمية - شعبان - 1427 هجرية - سبتمبر 2006 م - العدد (197) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

الكلمة الأولي

 

العمل الخيري ...فريضة شرعية وضرورة بشرية

 

يستمد العمل الخيري مشروعيته من تعاليم القرآن الكريم وهدى النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل السلف الصالح والتابعين ، ومن ثم فإن ممارسته فريضة على كل مسلم ومسلمة، والعمل الخيري في الإسلام ينطلق من منطلقات إيمانية ويتدفق من ينابيع إسلامية صافية ويهدف إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى أولاً وأخيراً، كونه فريضة فرضها الله في أموال الأغنياء للفقراء والمساكين والمحتاجين والأرامل وبقية مصارف الزكاة المعروفة.

وهو يمثل إحدى الأدوات الإيمانية الفعالة لإشاعة قيم التكافل والتكاتف بين أبناء الأمة حتى يظلوا جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

فالعمل الخيري جزء من رسالة الإسلام العالمية، جزء من التكوين العقائدي للمسلم.

أولاً: ركن إسلامي

تعتبر الزكاة - كركن من أركان الإسلام - أحد أهم روافد العمل الخيري ، وقد أكد القرآن الكريم فرضيتها في مواضع كثيرة ، قال تعالى {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ، {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض}، {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله فريضة من الله والله عليم حكيم}.

وفى الإطار نفسه قال صلى الله عليه وسلم: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ).

وعن بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن فقال: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ) .

وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين )

ثانياً: هدي نبوي

الإنفاق فى سبيل الله هدى نبوي دعا اليه النبي صلى الله عليه وسلم وحبب المسلمين فيه ، وكان خيرة أسوة ، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يحب الإنفاق فحسب بل كان يبادر إليه، ولا يترك عنده من المال شيئاً إلا وينفقه في سبيل الله، ومن صور ذلك :

عن بن عباس رضي الله عنهما قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة )

فقد أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنفاق وحبب فيه وحث أصحابه على الإنفاق في سبيل الله ، عن أسماء رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله ما لي مال إلا ما أدخل علي الزبير فأتصدق ! قال : ( تصدقي ولا توعي فيوعى عليك )

عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك )

وقال في خطبة يحث فيها أصحابه على الإنفاق: (.. تصدق رجل من ديناره ، من درهمه ، من ثوبه ، من صاع بره ،من صاع تمره ، حتى قال ولو بشق تمرة )

ثالثاً: تشريع إسلامي:

لقد شرع الله الإنفاق وفرضه في الزكاة، وجعل مصارف أخرى للإنفاق، وجعل فيه الأجر العظيم، فمنها ما يكون تكفيراً عن الوقوع في خطأ أو حنث يمين أو غير ذلك أو تحقيقاً لنذر أو وقفاً في سبيل الله تعالى أو غير ذلك، ومن أوجه الإنفاق في الشريعة الإسلامية غير الزكاة :

الكفارات: ففي كفارة الظهار: قال تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لكا قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا }... { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا}

وفي كفارة الجماع فى نهار رمضان ورد فى الحديث ، عن عائشة أنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم في ظل فارع فأتاه رجل من بني بياضة فقال : يا نبي الله احترقت ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما لك ؟! قال : وقعت بامرأتي وأنا صائم - وذلك في رمضان - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : اعتق رقبة ! قال : لا أجده قال : أطعم ستين مسكيناً ...) .

وورد فى كفارة اليمين: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين لله لكم آياته لعلكم تشكرون}.

وأما الوقف ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أصاب عمر بخيبر أرضاً ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أصبت أرضاًلم أصب مالا قط أنفس منها فكيف تأمرني به ؟! قال : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه )

وكذلك الصدقة عن الميت، فعن ابن عباس أن سعد بن عبادة رضي الله عنهم توفيت أمه وهو غائب عنها ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها ، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها ؟ قال : نعم ، قال : فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها )

ومن أبواب الإنفاق الخيرية في الإسلام إفطار الصائم،عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا).

وفي الأضحية حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإطعام منها، عن سلمة بن الأكوع قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء ) ، فلما كان العام المقبل قالوا : يا رسول الله نفعل كما فعلنا عام الماضي ! قال: ( كلوا وأطعموا وادخروا ؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها ) .

رابعاً: فعل إنساني

العمل الخيري انسانى بالدرجة الأولى ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ، ثم خرج ، فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش ، فقال : لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي ! فملأ خفه ، ثم أمسكه بفيه ، ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ، قالوا : يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً ؟! قال : في كل كبد رطبة أجر ، اذا كان هذا حالنا مع الحيوان ، فما الحال الذى ينبغى أن نكون عليه مع الإنسان .

ويحفل التاريخ الإسلامي بصور مشرقة من العمل الخيري، من ذلك لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة لم يبق في خلافته فقير يأخذ الزكاة، فأمر بإعتاق الرقاب، وسد ديون الناس وتزويج الشباب ، حتى عدت هذه الحقبة من أزهى عصور التاريخ الإسلامي .

-كان حماد بن أبي سليمان ذا دنيا متسعة وكان يفطر في رمضان خمس مائة إنسان ويعطيهم بعد العيد لكل واحد مائة درهم .

وكان زين العابدين يحمل الطعام إلى بيوت الفقراء في المدينة، فقد كان ناس يعيشون لا يدرون من أين يأتيهم معاشهم فلما مات فقدوا ذلك الذي كان يأتيهم، ولما غسلوه وجدوا على ظهره أثراً مما كان ينقل الجرب بالليل إلى منازل الأرامل .وكان يعول مائة بيت .

وهكذا توارث المسلمون هذه الفريضة التي يتعدى نفعها إلي الآخرين من الفقراء والمعوزين والمساكين وأبناء السبيل والمنكوبين .

العالمية