|
يتزايد الفقر في البلاد العربية والإسلامية مع تزايد عدد السكان وتزايد الفساد
الإداري والتخلف العلمي والتعليمي وضعف الرقابة المالية وضعف الديمقراطية، والحد من حرية الصحافة التي تكشف الفساد والظلم، والفقر في بعض البلدان وتزايد المسافة بين الفقراء
والأغنياء وتزايد البطالة. وقد وصل عدد الفقراء الذين يعيشون تحت خط الفقر في اليمن إلى 25% من السكان، وفي مصر 23 في المائة وفي الجزائر 23 في المائة وفي الاردن 12% وفي المغرب 19% وفي تونس 8%. وحول مشكلة الفقر في العالم العربي والاسلامي، اكد الخبير الاقتصادي الدكتور رفعت العوضي استاذ الاقتصاد الاسلامي بجامعة الازهر ان الاسلام جاء بتشريعات متنوعة تستهدف علاج مشكلة الفقر والقضاء عليها، فمبدأ الاستخلاف يعطي الغطاء الرقابي لتنفيذ هذه التشريعات، وذلك لان المخاطب بهذه التشريعات مستخلف على ما في يده، وهذا يوجد نوعاً من الرقابة، وهي رقابة ذاتية ايمانية، وهي ارقى انواع الرقابة. واضاف ان مبدأ الاستخلاف له رباطه الوثيق مع موضوع مواجهة الفقر لعلاجه والقضاء عليه، حيث يوجد البيئة العقيدية التي يقبل فيها من بيده الملكية على ان يوظف هذه الملكية في معالجة مشكلات المجتمع، هذا الامر الذي عبر عنه الفقهاء بقولهم: للملكية وظيفة اجتماعية. كما يحدد مبدأ الاستخلاف طبيعة الملكية في الاسلام، سواء خاصة أو عامة، فيجعل هذه الملكية تستمد مشروعيتها من تشريعات اللّه سبحانه وتعالى، وغرس هذا المبدأ في نفس المالك، فردا أو دولة ما يجعله يتصرف على أنه وكيل على ما في يده، وبموجب هذه الوكالة فإنه يلتزم بالتشريعات المنظمة للملكية، من حيث الوسائل التي يكتسبها بها، ومن حيث الطرق التي يستثمرها بها، ومن حيث الالتزامات الاجتماعية التي يكلف بها بسبب هذه الملكية، مثل الزكاة. وأوضح الدكتور رفعت العوضي أنه لمواجهة الفقر ولعلاجه والقضاء عليه تتطلب بيئة عقيدية صحيحة، ومبدأ الاستخلاف يوفر هذه البيئة العقيدية، وكذلك فإن مبدأ الاستخلاف من اساليب القضاء على الفقر في الاسلام، وهذا المبدأ وان لم يمكن ترجمته في اسلوب مادي الا انه يهيمن على كل الاساليب المادية التي تواجه بها مشكلة الفقر، كما يعطي مبدأ الاستخلاف الاساليب الاسلامية في مواجهة الفقر صيغة تجعلها متميزة، وهذا التميز يجيء من انطلاق هذه الاساليب من مبدأ مهيمن عقيديا على من تقع عليه الالتزامات للمشاركة في مواجهة الفقر، يمكن ان يوضح هذا المعنى بأن المستخلف يلزم بان يجعل جزءاً مما استخلف فيه للقضاء على الفقر، وهذا هو التميز الذي يتحقق في الأساليب الاسلامية للقضاء على الفقر. قضية اجتماعية ويقول: ان الفقر يمثل القضية الاجتماعية الكبرى التي واجهها الانسان ولا يزال يواجهها منذ أن بدأت المجتمعات التبشيرية، واخذت ظاهرة الفقر اشكالا متعددة، منها الشكل التقليدي، وهو وجود فقير في مقابل غني، والمعيار في هذا الشكل من الثروة ومعها الدخل، وهذا معيار اقتصادي، وايضا وجود حر في مقابل عبد شكل آخر من اشكال الفقر في الدخل والثروة والمعيار السياسي وهو فقد الارادة السياسية، فليس للعبد ارادة سياسية، فإرادة سيده تصبح ارادته في ظل النظام الاقطاعي. وظهر شكل آخر من اشكال الفقر وهو رقيق الارض في مقابل الاقطاعي، وفي رقيق الارض لا يكون العامل الاقتصادي هو الاقوى وانما فقد الارادة السياسية هو العامل الظاهر وهو الاقوى ويجيء تبعاً له العامل الاقتصادي. وعند الحديث عن الفقر فإن المعنى القريب الذي يدل على الفكر هو وجود فرد فقير في مقابل فرد غني، وهذه الصورة التي يكثر الحديث حولها توجد صوراً اخرى للفقر ومن ذلك وجود جماعة فقيرة في مقابل جماعة غنية وأشهر ما عرف عن هذه الصورة جماعة المنبوذين في الهند. وإذا كانت هذه هي الصورة الاشهر فانها ليست الصورة الوحيدة فكل مجتمع بشري وجدت فيه جماعات عرفت بفقرها لاسباب كثيرة متنوعة، مثل احتلال دولة لدولة اخرى يضمن صورة اخرى من صور الفقر، فلقد استهدفت الدولة التي قامت بالاحتلال آفاق الدولة التي وقع عليها الاحتلال، وتحقق هذا الفقر في مجالات متعددة، منها فرض التخصص في انتاج المنتجات الاولية الرخيصة، ومنها الحرمان من التعليم، خاصة الفني، ومنها فرض الالتزامات المالية على مواطني الدولة التي ابتليت بالاحتلال لتحقيق مصالح الدولة التي تمكنت من الاحتلال. كما ان النظام الاقتصادي المعاصر - احد عناصر المعارصة التي فرضت على العالم منذ تسعينات القرن الماضي - أوجد صورة جديدة للفقر، هذا النظام بتبني نظرية اطلق عليها نظرية 20 - 80، وهي تعني أن 20% من سكان العالم يكونون بالقوة اغنياء، وان 80% وهم الباقون سوف يفرض عليهم الفقر، وتشمل الفئة الغنية سكان البلاد المتقدمة وافرادا محددين من البلاد الفقيرة، وهي آخر صورة للفقر تواجهها المجتمعات البشرية، وهي صورة شديدة التعقيد، وبالتالي صعبة العلاج لاسباب كثيرة منها: * انه فقر تفرضه قوى عالمية تملك تفوقا ساحقا في المجالات التقنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية. * الفئات الغنية في البلاد الفقيرة تستمد قوتها من غناها ومن سيطرتها على نظام الحكم، بجانب ذلك فإنها تستمد قوتها ايضا من ارتباطاتها الدولية التي توفرها لها العولمة المعاصرة. ويضيف الدكتور العوضي قائلاً: ان هناك صعوبة في مواجهة فقر العولمة المعاصرة، فلا يقتصر على اسباب من جانب الاغنياء، وانما ايضا من جانب الفقراء، لان ثورة الاتصالات والتي تتيح للفرد العادي أن يعرف كل مظاهر الحياة في العالم فجرت عند الفقراء ثورة تطلعات طبقية بطرق مشروعة وغير مشروعة، وهذا أمر قد يحمل عنصر تحذير للفئات الفقيرة. كما ان التجربة التي تمت مع الاشتراكية تركت آثاراً سلبية عميقة في النفس البشرية.. هذه الآثار تجعل فئات واسعة من الفقراء قد تقبل فقرا مع العولمة الرأسمالية المعاصرة وذلك بدلاً من الوقوع فريسة للاشتراكية التي سحقت البشر في المجتمعات التي طبقت فيها قد تكون روسيا الاتحادية في هذه الحالة. وبدراسة التاريخ ثبت أن الفقر أحد الاسباب الكبرى التي حركت الثورات في المجتمعات، وقد يكون اقوى الاسباب، وهي حقيقة تاريخية تجد اثباتها في جميع المجتمعات، فالافكار والحركات التي وجدت في عصور طويلة وصفت بالاشتراكية فجرها الفقر.. بالمعنى السياسي والاقتصادي، هذا في ظل النظام الاقطاعي، والفقر بالمعنى الاقتصادي في العصور التي تلت الاقطاع. ولقد شهد تاريخ المسلمين حدثا له اهميته في موضوع الفقر وقع في عصر عمر بن عبدالعزيز رضي اللّه عنه عندما جمعت الزكاة ولم يوجد فقير تدفع له.. هذا بالمعنى المعروف به المصطلح في اقتصادياتنا المعاصرة، بسبب ذلك صرف سهم الفقراء والمساكين في سد احتياجات من نوع قضاء الديون والمساعدة على الزواج وتحرير الارقاء، وهكذا عصر عمر بن عبدالعزيز بعد قيام الدولة الاسلامية بمائة عام، وهذه كانت فترة كافية لان يطبق فيها المنهج الذي جاء به الاسلام للقضاء على الفقر، وبحيث تعمل العناصر التي يتكون منها المنهج وتتفاعل، وبالتالي تعطي نتائجها في الواقع، ودور عمر بن رضي اللّه عنه انه اتاح البيئة الملائمة لتطبيق المنهج الاسلامي وبالتالي اعطى نتيجته. ولم تثبت الدراسات لكل عصور التاريخ انه قضى على الفقر في امة اخرى من الامم، اي ان ما وقع في المجتمع الاسلامي في عصر عمر بن عبدالعزيز ليس له مثيل في تاريخ المجتمعات البشرية، والامر على هذا النحو يحمل رسالة للباحثين وهي ان يدرسوا المنهج الاسلامي الذي انتج تطبيقه هذه النتيجة الفريدة، وهي دراسة واجبة على كل الباحثين، مسلمين وغير مسلمين، وذلك لان المجتمعات البشرية جميعها في حاجة لهذا المنهج لتواجه به اخطر مشكلة اجتماعية تهدد امنها واستقرارها، ولا يمكن حصر المنهج الذي يقضي به الاسلام على الفقر في العنصر الاقتصادي وحده، وانما الاسلام ككل فاعل في ذلك بعقائده وعباداته واخلاقه.. الاسلام ككل فاعل في ذلك بنظامه السياسي ونظامه الاجتماعي ونظامه الاقتصادي، مع صحة القول بأن ما جاء به الاسلام كله يمثل المنهج الذي يقضي به على الفقر. الاقتصاد الاسلامي له طبيعته المذهبية التي تميزه عن الرأسمالية والاشتراكية، ويترتب على ذلك ان له منهجه الذي يواجه به مشكلة الفقر، ويمكن القول ان هذا المنهج يتكون من عنصرين اساسيين، العنصر الاول يتحقق من خلال العقيدة الاقتصادية واسلوب ادارة الاقتصاد، اما العنصر الثاني فإنه يتحقق من خلال العقيدة الاقتصادية واسلوب ادارة الاقتصاد، اما العنصر الثاني فإنه يتحقق من خلال التحويلات من الاغنياء إلى الفقراء في نظام الاسلام المالي، اما العناصر الثاني فتدخل فيه الزكاة والضرائب وغير ذلك. |