العالمية - شعبان - 1427 هجرية - سبتمبر 2006 م - العدد (197) - السنة الثامنة عشر 
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

شيخ الأزهر لـ «العالمية»:

أصحـاب تصــارع الحضــارات مخــطئــون

الجهاد ضرورة شرعية لدفع الظلم ورد العدوان وبذل الجهد لتأديب الطغاة والإرهابيين

الحضارات عند العقلاء تتعاون وتتآزر لنشر السلام والرخاء في المجتمعات الإنسانية

مستقبل الأمة مرهون بالأخذ بأسباب العلم والعدل

 

 

حول صدام الحضارات والعلاقات بين الامم ومفهوم الجهاد في الاسلام تحدث شيخ الازهر د. محمد سيد طنطاوي لـ «العالمية» واضعاً النقاط على الحروف.

- الحضارات يجب أن تتعاون لا ان تتصادم وان تتآزر لا ان تتصارع وذلك مما فيه خير للبشرية.

- الجهاد في الاسلام هو دفاع عن كل الحرمات وهو ضرورة لنصرة المظلوم وقمع الظالم.

- البعض يفسر الارهاب حسب مراده ويخلط بين مقاومة الظلم ورد العدوان وبين اقتران الاعتداء وسلب حقوق الآخرين.

- مستقبل الامة الذي ننشده والنجاح الذي نأمله يتحقق عند الاخذ باسباب العلم والعدل.

- هذه بعض النقاط التي وضعها شيخ الازهر على حروف الحوار التالي:

* ما يتعرض له الإسلام هذه الأيام من اتهامات والربط بينه وبين الارهاب، والخلط المتعمد من قبل البعض بين الجهاد والإرهاب يحتاج إلى وقفة لتوضيح الحقائق وتصحيح الصورة. كيف يرى الإمام الأكبر وشيخ الأزهر الشريف الذي؟

- السلام أصل من أصول شريعة الاسلام، ولفظ «الاسلام» الذي هو عنوان هذه الشريعة مأخوذ من مادة السلام، وهذان اللفظان «الاسلام والسلام» يلتقيان في توفير الامان والاطمئنان للبشر الذين ينتسبون جميعاً إلى أب واحد وام واحدة، كما قال سبحانه «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء».

أن السلام في شريعة الإسلام التي جاء بها رسول الله نبينا محمد  صلى الله عليه و سلم هو الأصل الأصيل والركن الركين، وأن من مبادئ شريعة الاسلام ان العلاقات بين الناس وبين الامم يجب ان تقوم على السلام وعلى التعاون والحوار مهما اختلفت عقائدهم كما قال تعالى «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان».

الفرق بين الجهاد والارهاب:

والحرب في شريعة الاسلام لا يلجأ إليها إلا من أجل الدفاع عن النفس والعرض والمال والوطن والحرية والكرامة الإنسانية، لا يلجأ إلى الحرب إلا لرد الظلم ودرء العدوان وردع القوة الباغية التي تعتدي على الحقوق وتبطش الآمنين، فيهم العقلاء وفيهم السفهاء فيهم الأخيار وفيهم الأشرار.

وإذا كان البعض يفسر العمل الإرهابي حسب هواه، وخلط بين مقاومة الظلم ورد العدوان، وبين اقتراف الاعتداء وسلب حقوق الآخرين فإننا نقول انه لا خلاف بين العقلاء على أن الارهابي هو الانسان الذي يعتدي على النفوس، ويسلب الأموال ويهتك الأعراض، ويعتدي على حرية الآخرين وعلى كرامتهم الإنسانية، الارهابي هو الذي يعتدي على الآمنين فيهدم مساكنهم، ويحاصرهم في بيوتهم، ويصادر ارزاقهم ويخرب ممتلكاتهم. الارهابي هو الذي يخضع غيره ويقهره بالظلم والهوان. ويكرهه إكراهاً على الاستكانة، ويعتدي عليه بشتى صور الاعتداء إذا ما طالب بحقه وحرية وكرامه.

هذه هي بعض صفات الإنسان الارهابي الذي ينقاد للظلم والغرور والعدوان. من هنا يتضح ان الفرق بين الجهاد والارهاب كالفرق بين السماء والأرض القرآن الكريم هو الذي شرع الجهاد لدفع الظلم ورد العدوان وأوجب صيانة كرامة الإنسان، وبذل الجهد لتأديب الطغاة الذين يخلطون بين الجهاد الذي شرعه الله والإرهاب الذي هو وسوسة من الشيطان .. لأن الجهاد في شريعة الاسلام هو دفاع عن كل الحرمات أما الإرهاب فهو عدوان على الانفس والأعراض والحرمات والجهاد ضرورة لنصرة المظلوم وقمع الظالمين .. ومن آداب الجهاد واحكامه التي شرعها الإسلام منع الاعتداء على النفس إلا إذا ارتكبت ما يوجب عقابها، فلا قتل للأطفال والنساء والشيوخ والمرضى والأسرى، ولا تمثيل بجثث القتلى، ولا تعذيب لأحد بل والحفاظ على الزرع والضرع والماء. بل إن الشريعة الاسلامية في سموها الزمت المعلم ان يجير المشرك إذا استجار به كما جاء في قوله تعالى: «وإن أحداً من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغ مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعملون».

صدام الحضارات

* روج البعض لما سمى بصدام الحضارات، وجاءت أحداث سبتمبر فأستغلها أصحاب هذه النظرية باتهام الاسلام بالارهاب. ما موقف الاسلام من هذه الاتهامات، وما موقف الإسلام من الحضارات الأخرى؟

- يجب على المسلم أن يقدم للناس ما يدل على أن شريعة الإسلام هي شريعة السماحة والعدل، شريعة الاعتدال والوسطية والابتعاد عن العنصرية، وبذلك نرد بالدليل العملي على من يقولون بتصادم وتصارع الحضارات أنهم مخطئون، فالحضارات عند العقلاء تتعاون ولا تتصارع، تتقارب ولا تتباعد، تتآزر من أجل نشر السلام والأمان والرخاء في المجتمعات الإنسانية.

هجمة ثقافية

* هناك تحديات داخلية وأخرى خارجية يعيشها المسلم هذه الأيام، من هذه التحديات بل وأهمها هجمة الثقافات الغربية الغازية لمجتمعاتنا الإسلامية، كيف نواجه هذه الهجمة الشرسة اعلامياً؟ وما هي المواصفات المطلوبة لعمل اعلامي ديني ناجح سواء كان موجهاً للداخل أو للخارج؟

- مما لا شك فيه نحن نعيش في عصر التحديات، تحديات العولمة، والسماوات المفتوحة والثقافات الغازية! حيث التطور التكنولوجي والتقدم العلمي يلعبان دوراً مؤثراً في إطار المنظومة الإعلامية التي تسهم في تشكيل بنيان وثقافة الفرد والمجتمع.

من هنا لابد على أهل العلم والاعلام في بلداننا الإسلامية زيادة الوقت المخصص للبرامج الدينية، لان البرنامج الديني عنصر فعال في نشر صحيح الإسلام ومفاهيمه السمحة، والحث على القيم والتقاليد النابعة من شريعتنا الغراء.

كما يجب على أولى الأمر ومسؤولي الأجهزة الإعلامية تقديم المادة الدينية الصحيحة التي تشرح مفاهيم الدين المعتدل وتنشر قيمه واخلاقياته، وتحث على التزام المسلم بخلق الإسلام ظاهراً وباطناً، ولا شك أن ذلك يقدم من خلال علماء الدين وأساتذة الجامعات المتخصصين لتوضيح أمور الدين وأسسه السليمة، حيث أنهم قادرون على مخاطبة الجماهير بشكل علمي، مع الأخذ في الاعتبار الاعداد الفكري الجيد للبرامج الدينية وأسلوب عرضها، وتوقيت بثها حتى تؤدي دورها المنشود وتسهم في نشر القيم الإسلامية في مواجهة الثقافات الغازية والأفكار المغلوطة.

ونحن عندما نقدم عملاً اعلامياً دينياً علينا مراعاة من نخاطب؟ .. هل المسلم في المجتمع الإسلامي .. أم المسلم المقيم في مجتمع غير مسلم .. أم اننا نخاطب غير المسلم؟ فلكل لغته التي نخاطبه بها وأسلوبه وحججه التي يقتنع بها والوسيلة التي نصل بها إليه حتى لا نقع في خطأ مخاطبة الذات، والآخر احوج ما يكون إلى حقائق الدين الاسلامي.

العلم النافع

* كيف ننهض بالأمة الإسلامية إلي الرقي والتقدم، وكيف نتغلب على التحديات التي تحيط بنا ونلحق بركب الحضارة الإنسانية ونكون فاعلين بنهضة البشرية؟

- أن مستقبل الأمة الإسلامية الذي ننشده والنجاح والتقدم والرقي الذي نأمله لها يتحقق عندما نأخذ بأسباب العلم والعدل، عندما يفهم المسلمون دينهم فهماً صحيحاً ويعرفون أن شريعة الإسلام تحث المسلم على اعتناق الفضائل واجتناب الرذائل وأن يسودها العدل والإخاء الصادق، والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان وهذه حقيقة سجلها القرآن الكريم واضحة زاهرة كأشعة الشمس في قوله تعالى «ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به»... هذه سنن كونية تتمثل في قوله تعالى «فمن يعمل مثقال ذرة شراً يره ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره».. وأن المولى عز وجل يعامل الأمة الإسلامية برحمته، ويعامل الأمم الأخرى أيضاً بعدله.

إن التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية في عالم اليوم كثيرة ومتعددة وعلى الأمة ان تثبت وجودها في مواجهة هذه التحديات وتخطيها بالأخذ بأسباب العلم النافع والمشاركة بفعالية في مسيرة التطور الحضاري، والاهتمام بالتقدم التكنولوجي والبحث العلمي الهادف لتطوير جميع جوانب حياتنا.

ان تعمير الأرض والنهوض بمستوى الشعوب الإسلامية يعد فريضة دينية وتكليفاً إلهياً لا يقل شأناً عن بقية التكاليف الدينية الأخرى التي أوجبها الإسلام على كل مسلم. وهكذا فإن الأمة الاسلامية تجد نفسها في مفترق الطرق، وعليها أن تقرر لنفسها أي طريق تسلك، فإما أن تسلك الطريق الذي يؤدي بها إلى التقدم والازدهار وإما أن تظل مكانها متخلفة عن الركب الحضاري فيتجاوزها الزمن .. وليس هناك خيار آخر!