العالمية - شعبان - 1427 هجرية - سبتمبر 2006 م - العدد (197) - السنة الثامنة عشر 
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

العمارة الإسلامية... الأصالة والإبداع والحضارة

 

  إعداد د. نبيل فولي محمد

 

من تجليات الحضارة الإسلامية اهتمام المسلمين بفنون العمارة والبناء وجمعهم فيها بين تحقيق المنفعة وبين الجمال والإتقان. اختلاف طُرُز العمارة الإسلامية وتعددها لا يعكس فقط ألوانًا جديدة ومتعددة من الإبداع والروعة، وإنما يعكس أيضا ألوانًا من التفاعل مع البيئات التي استضافت الإسلام على أرضها.

مؤرخو العمارة الإسلامية ينطلقون في العادة من صورة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وداره الأولى التي بناها بعد الهجرة ومن توسيعات وتطويرات الخليفتين الراشدين الثاني والثالث - رضي الله عنهما - لعمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي.

أحبَّ الإسلامُ الجمال، وشجع عليه، وذكره كصفة من صفات الله تعالى، ومن محبوباته: "إن الله جميل يحب الجمال" (رواه مسلم)، وقد كان من تجليات ذلك في الحضارة الإسلامية اهتمام المسلمين بفنون العمارة والبناء، وجمعهم فيها بين تحقيق المنفعة وبين الجمال والإتقان.

وتتسع الرقعة الجغرافية الحالية التي تضم نماذج وطُرُزًا مبهرة للعمارة الإسلامية، حتى تشمل العديد من المناطق التي انحسر عنها السلطان السياسي للمسلمين، حيث نرى نماذج شامخة من هذه العمارة، كما في مسجد قرطبة وقصر الحمراء في إسبانيا، والمسجد الكبير وتاج محل في الهند.

ولا شك أن الخريطة الطويلة والممتدة لنماذج العمارة الإسلامية في قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا لم تحتفظ لنا بكل ما جاد به الفنان والمعماري المسلم طوال تاريخه، حيث إن الاجتياحات والحروب والفتن قد تسببت في تدمير تراث هائل من العمارة الإسلامية، خاصة في بخارى وسمرقند وبغداد في المشرق، والزهراء والزاهرة في الأندلس.

والعجيب أن ألوانًا أخرى من التشويه قد تعرضت لها العمارة الإسلامية في العصر الحديث، الذي يدعي أهله تقدير الإبداع والفن الراقي، كما فعل الإنجليز في قلعة شاهجهان بالهند، بل اقترح اللورد الإنجليزي بنتنك هدم تاج محل - إحدى عجائب الدنيا - وانتزاع فضتها وبيعها؛ للاستفادة من ثمنها!!

أنماط العمارة:

امتازت منشآت العمارة الإسلامية بتفاعلها مع حاجات الحياة، وجاء تنوعها تبعًا لتنوع هذه الحاجات التي تخدمها، وتراوح الأمر بين مبانٍ للعبادة، وأخرى للسكن والمعيشة وإدارة أمور الحكم والقضاء، وثالثة للأغراض العسكرية، وغير ذلك، وهذا تفصيل لأهم أنواع هذه المنشآت:

أ) فالحاجة إلى وجود دار للعبادة يتردد عليها المسلمون للصلاة انعكست على صورة المساجد التي ملأت كل أرض حل بها المسلمون، ابتداء بمسجد قباء ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - اللذين أُقيما في المدينة عقب الهجرة النبوية إليها سنة 623م، وجاء البناء بسيطًا يلبي حاجة المجتمع الناشئ، ويتجاوب مع الظروف التي يعيشها، واعتمد البناء على اللَّبِن والآجر وجذوع النخل والسعف، وفُرش المسجد بالحصباء. وقد امتاز المسجد عن دور العبادة التي اتخذها أهل الأديان الأخرى بانفتاحه على الحياة، فاعتنى المعماري المسلم بإدخال الضوء إلى المسجد بكل سبيل، مع الاحتفاظ بتكنيكات عالية للأداء توصله إلى هذا الهدف.

ب) ولبت البيوت والقصور حاجة الناس إلى الإقامة والسُّكنى، وجاء ذلك تبعًا لحالة الساكن المادية ومكانته ومنصبه الاجتماعي. إلا أن ما حُفظ لنا من هذه البيوت والقصور أقل كثيرًا مما بقي من المساجد. ولعل قصر الحمراء بغَرناطة هو أهم ما حُفظ لنا من هذا النوع من المعمار، وتتناثر في القاهرة مجموعة من البيوت والقصور التاريخية المهمة، مثل: بيت الكريديلية (ق 10هـ)، وقصر الأمير قوصون (738هـ/ 1337م)، وقصر بشتاك (740هـ/ 1339م)، وبيت السحيمي الذي تعرض لحريق أليم أخيرًا، بعد عدة قرون من إنشائه ومقاومته لفعل الزمن.

ج) وأما المدارس، فطوال قرون عديدة لم يكن لدى المسلمين مكان مستقل لتلقي العلم وحده - على الرغم من الحركة العلمية الضخمة التي واكبت انتشار الإسلام واتساع سلطانه - حتى بنى الغزنويون في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي مجموعة من المدارس في نيسابور وغيرها، وجاء السلاجقة في القرن الخامس الهجري فاعتنى ملوكهم ووزراؤهم بهذا الجانب عناية فائقة، فبنوا الكثير من المدارس، وأشهر رجال السياسة السلجوقية الذين اهتموا بهذا الجانب هو الوزير نظام المُلك (ت 1042م)، واتسع الأمر فيما بعد بشكل لافت على يد الأيوبيين والمماليك. وتبدو مدينة القدس المحتلة إلى الآن عامرة بعدد كبير من المدارس التاريخية التي ترجع إلى أيام الأيوبيين والمماليك والعثمانيين؛ كالمدرسة الصلاحية، والمدرسة النحوية.

د) وأما السبيل الذي كان يلبي حاجة عابري السبيل إلى الماء، فهو تقليد ما زال متبعًا في البيئات الإسلامية المختلفة، وإن كان قديمًا يمثل لونًا من ألوان الفن المعماري الدقيق. وقد ظلت أسبلة الماء متصلة بالمساجد، حتى بناها المماليك وحدها، كما نجد في سبيل قايتباي، والذي شُيّد بالقاهرة سنة 884هـ/ 1479م.

هـ) وهناك مجموعة من البنايات تعلقت بالصوفية والزهاد ومعيشتهم، كالخانقاه والتكية، حيث تُوفَّر وسائل بسيطة للإقامة والمعيشة، إضافة إلى مسجد صغير للصلاة، وموضع آخر لتلقي العلم.

و) وأشهر البنايات العسكرية التي أقامها المسلمون: القلاع والأسوار والأبراج، دون أن يحدث لديهم فصام بين دورها الحربي وبين جماليات العمارة؛ فالأبراج مثلاً يزيل توزيعها على الأسوار رتابة اتساع السطوح، ويخفف ارتفاعها في المداخل ووجودها في الأركان من ثقل الكتلة الحجرية وطغيانها على العناصر المعمارية الأخرى، كالباب والقناطر الصماء والشرفات. وأشهر القلاع الإسلامية الباقية قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة، وقلعة هراة بأفغانستان.

ز) واستجابة لحاجة المسافرين من التجار والحجيج وغيرهم ظهرت على صفحة العمارة الإسلامية الخانات أو الفنادق، ومن مميزات الكثير من الخانات الإسلامية تشييد مداخلها من أبراج وعقود شاهقة أكسبتها فخامة وعظمة، مما يلبي حاجة المسافر إلى الشعور بالأمان. وقد حرص المعماري المسلم وهو يشيد الخان على أن يضم مكانًا مخصصًا لدواب النزلاء.

ح) كذلك ظهرت الحمامات العامة في البيئة الإسلامية، واشتهرت بغداد في عصرها الذهبي بكثرة هذه الحمامات، وذكر المقدسي في "أحسن التقاسيم" أن حمامات مرو معروفة بحسن السمعة، كما نقل المقريزي في "المواعظ والاعتبار" عن المسبحي "أنّ العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله، أوّل من بنى الحمامات بالقاهرة". وقد ضم الحمام في العادة حجرة للملابس، وحجرة لتسخين المياه، تسمى بحجرة المستوقد، ثم مواضع الاستحمام. وراعى المعماري فرش أرضية الحمام بالرخام لتيسير عملية تنظيفها، وعقد سقوفها بقباب بها فتحات مغلقة بقطع زجاج تسمح بمرور الضوء دون الهواء.

ط) وأما البيمارستان أو المستشفى، فقد ظهرت في البيئة الإسلامية منذ وقت مبكر، حيث بنى الوليد بن عبد الملك مارستانًا خاصًا لرعاية بعض أنواع المرضى، وتضم مدينة القدس مارستانًا شهيرًا يُنسَب إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي.

طرز العمارة الإسلامية:

ليس من المعقول أن يسعى أي مفكر إلى إثبات الأصالة لحضارة من الحضارات بأن ينفي اقتراضها من الحضارات الأخرى؛ فهذا - في الحقيقة - ضد طبيعة الأشياء، والمسلمون في نهضتهم الحضارية الضخمة لم يكن في بالهم هذا الخوف من الاقتراض من الآخر، ولا شعروا بالنقيصة لأجل هذا، لكنهم - في الوقت نفسه - سعوا إلى انتقاء ما يقترضونه، فلم يترجموا مثلاً الشعر الوثني اليوناني لهوميروس وغيره، كما لم يستعيروا في الفنون رسم الأحياء ولا نحت التماثيل، وهي فنون كانت بارزة لدى المصري القديم وعند اليونان والرومان وغيرهم من الأمم السابقة على المسلمين.

إذن، هناك مقياس آخر للأصالة، لا يعطله الاقتراض من الآخر، والاستفادة مما سبقت إليه قرائح المبدعين من مختلف الأمم، وهذا المقياس هو تطوير ما أنجز الآخرون، وعدم الوقوف عند تقليدهم، والتجديد في الأنماط المنتَجَة، وإخضاعها لحاجات البيئة والجماعة البشرية... وهذا، بل أكثر منه، ما فعله الفنان المسلم فيما أنتجه من ألوان العمارة، بعد أن استعار من الفن الساساني والفن البيزنطي والهندي وغيرها ما راق له أن يستعيره لخدمة منشأته وأغراضه الحياتية، حتى تاهت العناصر المستعارة في خضم عناصر وتشكيلات أخرى أبدعتها أو حوَّرتها قريحة الفنان المسلم.

ويمكن القول إن اختلاف طُرُز العمارة الإسلامية وتعددها بين المشرق والمغرب، لا يعكس فقط ألوانًا جديدة ومتعددة من الإبداع والروعة، وإنما يعكس - إلى جانب ذلك - ألوانًا أخرى من من التفاعل مع البيئات التي استضافت الإسلام على أرضها، سواء في الهند أو إيران أو إفريقيا السمراء، وذلك من خلال العمارة السابقة على الإسلام في هذه البيئات، أو من خلال طبيعة البيئة نفسها، بين صحراوية وزراعية وغابية، وحارة ومعتدلة وباردة، ولهذا لا نعجب حينما نجد أن نمط المسجد العثماني لا يعتمد على الصحن المكشوف كما هو الحال في أكثر المساجد الأخرى، فاعتمد المسجد العثماني على التسقيف بالقباب والقبوات بشكلها البديع المعروف.

ومهما يكن، فإن مؤرخي العمارة الإسلامية ينطلقون في العادة من صورة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وداره الأولى التي بناها بعد الهجرة، ومن توسيعات وتطويرات الخليفتين الراشدين الثاني والثالث - رضي الله عنهما - لعمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي؛ ليتحدثوا عن تاريخ هذه العمارة وطُرزها على سبيل التأصيل لفن العمارة الإسلامية بنسبة بدايتها إلى الرسول العظيم وأصحابه.. فيذكرون مثلاً أن دار النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأت بحجرتين جدرانهما من الطين واللبن، وأمامهما فناء به أسوار من اللبن أيضًا ترتفع أكثر من قامة الرجل بقليل.

ومع الفارق الكبير بين هذه النماذج العمرانية المبكرة وبين الكثير مما تلاها، وكذلك مع ميل هذا الجيل الإسلامي الأول إلى البساطة - فإن مجموعة من المبادئ الرائعة اتُّبعت في هذه المنشآت المبكرة، وصارت فيما بعد من الثوابت في فن العمارة الإسلامي، وأهم ذلك ما يلي:

-الاعتماد في البناء أساسًا على ما تسمح به البيئة من مواد، ولا يتم خرق هذه القاعدة إلا في أحوال قليلة، وعند وجود مسوِّغات لها، كما نراه في استعانة جلب أحجار وأعمدة من المعابد الرومانية في الشام للاستعانة بها في بناء المساجد والقصور.

-وضع المنفعة المطلوبة من البناء في بؤرة التفكير، حتى لا تشوش عليه أهداف أخرى؛ ولهذا نجد أن الزخرفة والتزيين مهما بلغت في نماذج العمارة الإسلامية، فإنها لم تكن حائلاً دون الانتفاع بالبناء فيما قُصد منه.

- التوافق بين البناء وبين أحكام الشرع الإسلامي، بحيث تراعي البيوت مثلاً ستر المحارم عن المارة والداخلين إليها من الغرباء، وتراعي المساجد أن يكون الجدار الرئيس فيها هو جدار القبلة، وعليه يُحدَّد اتجاه البناء عامة.

وبعد التعرض لهذه النماذج المبكرة من فنون العمارة الإسلامية، نجدنا أمام نقطة بدت مؤرقة للكثير من مؤرخي العمارة الإسلامية من المسلمين المعاصرين، وسبق الإشارة إليها، وهي تحقيق جانب الأصالة في هذه العمارة... والمشكلة التي تواجه المؤرخ هنا هي أننا ننتقل فجأة مما بناه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وما جدده أصحابه من بعده، وما بنوه من مساجد ومدن في الأمصار (البصرة والكوفة والفسطاط خاصة) - إلى إنجازات بني أمية العمرانية الفاخرة، والتي لا زالت أهم نماذجها العظيمة ماثلة أمام أعيننا إلى اليوم، كما نراه في المسجد الأموي في دمشق، ومسجد قبة الصخرة في مدينة القدس، فالفارق الفني شاسع بين هذا وبين ما سبقه من مبانٍ أقامها المسلمون، مع ميل بني أمية إلى بناء دولة مُلْك وسلطان.

والحق أن بني أمية كانوا قد ألِفوا الشام وسكنوها زمنًا قبل أن يحكموا العالم الإسلامي بانفراد من مدينتها العظيمة دمشق، فألِفوا مباني الرومان ومساكنهم، ولم يكن غريبًا أن تقع هذه القفزة في البناء على أيديهم، فينشئ الخليفة عبد الملك بن مروان سنة 72هـ/ 691م تحفة رائعة كقبة الصخرة.

وتشير الأخبار إلى أن هذا الخليفة الأموي القوي قد رأى انبهار المسلمين بكنائس النصارى في الشام وفخامتها، مقارنة ببساطة المساجد، فعزم على أن يقيم مسجدًا له من الجلال ما له، فشرع في بناء هذه القبة التي أنفق عليها أموالاً طائلة (خراج مصر لسبع سنوات).

ويهمنا هنا أن نثبت أن الذي أشرف على البناء في هذه الحالة رجلان من الفقهاء المسلمين، وهما: رجاء بن حَيْوَة ويزيد بن سلام، مع التأكد من أن الذي زاول البناء هم من أهل البلاد نفسها، ممن تمرسوا على فنون العمارة وورثوها من أيام الرومان. ولا ندري إن كان هؤلاء المنفِّذون كانوا مسلمين أم لم يكونوا، لكن من المؤكد أيضًا أن رجاء بن حيوة وصاحبه قد زاولا مع المعماريين دور الرقابة الفقهية التي تحول دون خروج البناء على حكم من أحكام الدين؛ ولهذا نجد الزخرفة قد نأت عن تصوير الأحياء الحيوانية والبشرية أو نحتهم، واعتمدت على عناصر نباتية مرسومة بالفسيفساء، وألواح من البرونز المطروق تكسو بواطن الأعتاب.

من هنا أصبح فن العمارة الأموي أقدم طُرُز العمارة الإسلامية، وتلاه بعد ذلك الطراز العباسي، والطراز الفاطمي، والطراز السلجوقي، والطراز المغربي، ثم الأيوبي، فالمملوكي، والطراز الإيراني المغولي، والهندي المغولي، والطراز الصفوي، والطراز العثماني، مع تداخل كبير في الفترات الزمنية بينها..

ولكل واحد من هذه الطرز ما يميزه عن الآخر، فالعباسي مثلاً، فضَّل الفنان المعماري المسلم فيه حمل العقود والبواكي على الأكتاف والدعامات بدلاً من الأعمدة، كما هو الحال في جامع أحمد بن طولون بالقاهرة (265هـ)، وأما الطراز السلجوقي، فامتازت مبانيه بالضخامة والاتساع وقوة المظهر، كما استُخدمت فيه الزخارف البارزة أو المجسمة، وخاصة في واجهات المباني، ويمتاز الطراز المغربي في المساجد مثلاً بالتركيز على رواق القبلة وتعميق تجويفه، حتى اقترب من الشكل المربع، والمئذنة عبارة عن برج مربع سميك الجدران، ينتهي بشرفة للأذان، والعقود مدببة أو على هيئة حدوة فرس، وتقوم على دعائم من الحجر أو الآجرّ، أو أعمدة رخامية قصيرة...

عناصر النموذج المعماري الإسلامي:

امتلك فن العمارة الإسلامية ألسنة ناطقة تؤكد إلى الآن تمكن المعماري المسلم من حرفته، وامتلاكه منظورًا فنيًا رفيعًا للإبداع، وأن ما صنعته هاتان اليدان الصَّنَاع يعكس رؤية فنية عامة تتكئ على مبادئ أخلاقية وشرعية واضحة في أغلب الأحيان.

وقد أتاحت العناصر الفنية الكثيرة التي تضمنتها نماذج فن العمارة الإسلامية - أتاحت للفنان المسلم مساحة واسعة للإبداع المتنوع، معبِّرًا في فنه عن العظمة التي تبعث الهيبة في نفس الرائي، دون أن يستوحش، بل يشعر بحميمية حين يلاحظ الدقة والإتقان والجمال مع الضخامة في مركب واحد حسب الغرض من العمل المعماري. وكما يشد الفن المعماري الإسلامي الرائي بأجزاء البناء نفسه، فإنه يَشْدَهُه بتوزيع الفراغ حول البناء وفي داخله.

وأهم العناصر التي ضمَّنها المعماري المسلم لمنشأته ما يلي:

1 - العقود: وهي الأقواس ذات الأشكال المختلفة التي نراها في الكثير من البناءات الإسلامية القديمة؛ كمسجد قرطبة وقصر الحمراء. والعقود تُحمَل على أعمدة، ويمكن أن يمتد العقد نفسه من أعلى نقطة فيه حتى يصل إلى مستوى الأرض، ويمكن أيضًا أن نجد العقود محملة على أكتاف وحوائط ناقصة.

2 - الأعمدة: ودورها حمل العقود التي تحمل بدورها الأجزاء العلوية من البناء. وقد تعددت أشكال قواعد الأعمدة وتيجانها، وبرع المعماري المسلم في ذلك براعة خاصة، فمنها الأسطواني والحلزوني والمثمن، وغيرها. وحين تتواصل مجموعة من الأعمدة على خط مستقيم مع العقود من أعلى، فإنها تكون ما يُسمَّى "البائكة"، كما نراها في بوائك مسجد قبة الصخرة البارزة للعيان في ساحة الحرم القدسي.

3 - القباب: وهو عنصر بنائي قديم، ولا يقتصر وجوده على الفن الساساني والبيزنطي،

وقد اهتم المسلمون بالقباب حتى كانت هي سقف البناء بأكمله في أحيان عديدة، كما في قبة مسجد الصخرة والكثير من الأسبلة والمساجد العثمانية. وارتبطت القباب بالمساجد أساسًا، وإن كانت شائعة في بعض المباني الأخرى، كما نجدها في نموذج مبكر بصحراء الأردن فيما يُسمَّى قُصَير عمرة (96هـ)، حيث غُطيت بها إحدى وحدات الحمام.

4 - المآذن: كانت الحاجة داعية إلى توفير مكان عالٍ ينطلق الإعلان بالصلاة من فوقه، ويتيح لصوت المؤذن أن ينتشر في مساحة واسعة.

 وقد ذكرالبلاذري أن أول مئذنة شيدها المسلمون هي مئذنة جامع البصرة، أقاموها من الحجر سنة 45هـ/ 665م،

وفي عام 53هـ شيدوا أربع مآذن لجامع عمرو بن العاص في الفسطاط. وقد تعددت أشكال المآذن، فمنها المربعة كما في الأندلس والمغرب، والمخروطة الشكل كما في بلاد فارس، والأسطوانية في تركيا، وذات الأشكال المختلفة من طبقة إلى أخرى كما في مصر.

5 - المقرنصات: وهي ألوان من الحلية المعمارية توضع مدلاة على هيئة طبقات أو مستويات منتظمة، وتُرَص بالتبادل بعضها مع بعض. وقد ظهرت في القرن الخامس الهجري بعد أن لم تكن معروفة من قبل، ثم اتسع استخدامها، واستُعملت على نطاق واسع في واجهات المساجد والمساكن وتحت القباب وفي تيجان الأعمدة وفي الأسقف الخشبية.

6 - المداميك: وهي صفوف الحجارة أو اللَّبن أو القرميد، ولها أشكال متعددة، فقد يوضع الحجر فوق الآخر مع تساوي أطرافهما، وقد توضع الأحجار على سبيل التبادل.

7 - القراميد: وهي عبارة عن بروز يكون في الجزء العلوي من المبنى، وفي أعلى المداخل الرئيسة، وفتحات الشبابيك. وفي العادة تتخذ القراميد زاوية ميل معينة، وتُركَّب عليها في صفوف متراصة وحدات نصف أسطوانية مفرغة من نوع معين من الخزف. وقد شبه البعض هذه القراميد في أعلى المساجد من الخارج بصفوف المصلين في تناسقها وخشوعها.

هذا إضافة إلى عناصر أخرى احتواها الفن المعماري الإسلامي، مما لا مجال لتفصيل الحديث عنه هنا؛ كالمنابر والمحاريب والثريات (النجف) والقناديل والفوانيس، والمشربيات والنوافذ والقواطيع، وغيرها.

وقد اعتمد المهندس والمعماري المسلم في أبنيته على مواد عديدة، من الخشب (خاصة في المنابر والمشربيات) والزجاج (في القناديل والنوافذ) والآجر (الذي اعتمد عليه مسجد ابن طولون بالقاهرة) والأحجار والبيتون - وهو مزيج من الكلس والرمل والصلصال والحصباء - (واشتهر استعماله لدى الأندلسيين)، والطين.

وأمام هذا الإبهار الذي تتركه نماذج فن العمارة الإسلامية في نفس الرائي، لا نملك إلا أن نختم هذه السطور بقول شيخ المعماريين الراحل حسن فتحي - رحمه الله - في وصف شعوره حين طالع مجموعة من اللوحات لنماذج من فن العمارة الإسلامية: "وجدتني أنفذ إلى عالم من سحر العمارة الإسلامية يمتد من مشارف شرق آسيا حتى أطراف غرب الشمال الأفريقي، أتنقل بين آثار يستأثر جمالها بالوجدان، ويسكب في النفس دفقات من الورع والإمتاع، لا أتوقف أمام تحفة تتماوج جاذبيتها حتى أجد صوتا أليفا يكشف لي في همس شاعري وادع أسرار تلك الجاذبية الدفينة".

المصادر:

1 - د. أبو الحمد محمود فرغلي: الدليل الموجز لأهم الآثار الإسلامية والقبطية في القاهرة، الدار المصرية اللبنانية 1991م.

2 - د. ثروت عكاشة: القيم الجمالية في العمارة الإسلامية، دار الشروق - القاهرة - ط. الأولى: 1414هـ/ 1994م.

3 - جوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر، الهيئة المصرية العامة للكتاب - مكتبة الأسرة 2000م.

4 - طارق والي: نهج الواحد في عمارة المساجد، إصدارات بيت القرآن 1993م.

5 - د. عبد الرحيم غالب: موسوعة العمارة الإسلامية، جرّوس برس - بيروت - ط. الأولى: 1408هـ/ 1988م.

6 - عبد السلام أحمد نظيف: دراسات في العمارة الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1989م.

7 - د. فريد محمود شافعي: العمارة العربية الإسلامية ماضيها وحاضرها ومستقبلها، عمادة شؤؤن المكتبات - جامعة الملك سعود - الرياض - ط. الأولى: 1402هـ/ 1982م.

8 - د. محمد عبد الستار عثمان: المدينة الإسلامية، سلسلة عالم المعرفة الكويتية 128، ذو الحجة 1408هـ/ أغسطس 1988م.

9 - مكتبة موقع الوراق على الإنترنت (http://www.alwaraq.com).