|
كانت معجزة الإسراء والمعراج عوضاً عن جفوة الأرض للرسول
صلى الله عليه و سلم، وفقد النصير، ومنحة بعد منحة، قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من أياتنا إنه هو السميع البصير}. وهنا نبصر التنزيه والتقديس في مطلع هذه الآية الأولى من سورة الإسراء كما نبصر الحمد في ختامها: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً). ونبصر عطمة المنحة بعد ضراوة المحنة، حيث كانت المعارضة شديدة قاسية، عنيفة جاسية، لأن كلمة التوحيد التي أعلنها الرسول تنطوي في أعماقها على العبودية الحقة، والإذعان الكامل لمنهج الحق. ونبصر في الوقت ذاته أن هناك أسراراً خاصة بخوارق العادات لا
نعرفها، ولقد تكشف لنا من العلم ما كان محجوباً، وهناك من سيتكشف للأجيال القادمة.
ومن هنا كانت تلك المحنة التي أيد الله بها خاتم النبيين، وسجلها القرآن الكريم الذي تكفل الحق بحفظه .. فقد اختير الرسول عليه الصلاة والسلام من قوم عرفوا بتملك زمام الفصاحة والبلاغة، والتصرف في فنون القول ودروبه، حتى كان هدف العاقل بمنهم أن يكون شاعراً مفلقاً، أو خطيباً مصقعاً، وكانوا جميعاً يتفاخرون بالشعر والأدب. ومن ثم كانت آية الرسول الكبرى قرآناً يتلى بلغ أقصى درجات البلاغة التي يعجز الخلق كل الخلق عن مجاراتها بحال من الأحوال.. وإذا كانت معجزات الأنبياء السابقين في صورها العامة ملائمة لما اشتهر في زمان كل رسول، حتى إذا ماعجز الناس جميعهم عن الإتيان بمثلها كان ذلك أكبر شاهد على صدق من ظهرت على يديه.. فقد شاء الحق أن يجمع الفضل من أطرافه لخاتم رسله، فأعطاه معجزات حسية، لأن الناس ليسوا سواء في الإدراك والتفكير. ومن ثم أوتي من الآيات المتكاثرة ما لم يؤت غيره من الأنبياء.. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منيفاً على سائر المعجزات .. ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: ما أعطى الله نبياً شيئاً إلا أعطى
الله محمداً صلى الله عليه و سلم ماهو أكثر منه، فقيل له: أعطني عيسى بن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ، لأن حياة الخشبة أبلغ من إحياء الميت، ولوقيل: كان لموسى فلق البحر، عارضناه بفلق القمر، وذلك أعجب، لأنه آية سماوية، وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر، عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه
صلى الله عليه و سلم، لأن خروج الماء من الحجر معتاد، أما خروجه من اللحم والدم فأعجب، ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان، عارضناه بالمعراج. في هذه الليلة المباركة شاهد الرسول صلى الله عليه و سلم ما شاء
الله عز وجل أن يشاهد من الأيات والآلاء، والأمثال التي ضربت للنبي
صلى الله عليه و سلم في هذه الليلة الميمونة ذات البركات، تحمل العبر والعظمات، والإشارات والبشارات. وللأمثال عند بين الإنسان - ولا سيما العرب - شأن وأي شأن، فهي ترينا المعقول في صورة المحسوس، والغائب في صورة المشاهد، والمأمول المرتقب في صورة الواقع المحقق، وهي بما فيها من دقة التصوير، وسمو التعبير، وعظمة التقدير، وقوة التأثير، تستولي على النفس، وتسيطر على الحس، وتهز أوتار القلوب هزاً، ومن ثم لا عجب أن ضربت الأمثال للنبي
صلى الله عليه و سلم، وصورت تصويراً دقيقاً معبراً، حيث يرى المشهد العجيب، فيستفسر عنه،فيجيب جبريل عليه السلام. أمانة الكلمة: وأول ما يطلعنا من هذه المشاهد أمانه الكلمة، فقد ورد في أحاديث صلاة النبي
صلى الله عليه و سلم بالأنبياء في بيت المقدس، فيما رواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: (فإذا قوم يأكلون الجيف، فقال: من هؤلاء يا جيريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس). هذا مشهد. وروى أحمد بسند حسن عن أنس رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه و سلم قال: «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال قلت: من هؤلاء؟ قال: خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟». وفي رواية: (من هؤلاء ياجبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك). هذا مشهد ثان. ويأتي مشهد ثالث فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن أنس رضي الله
عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لما عرج بي ربي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم صدورهم، فقلت: من هؤلاء ياجبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم».
تلك المشاهد تحذر الإنسان وتنذره أن يقول غير الحق، وهي ترهب النفس في صور ترتجف لها فرقاً، ويقشعر الوجدان رعباً، سواء في صورة هؤلاء الذين يخمشون وجوههم وصدورهم بأظفار من نحاس! يا للهول! إن الخيال الشاخص يقف حاجزاً عن أن يتصور مآل هؤلاء الذين يقولون غير الحق! في أية صورة من صوره! ألا إنه للهول البشع الذي يتحامى الخيال ذاته أن يتخيله، لأنه أشد وأقصى من أن يطيقه! ولكنه الواقع الذي ينتظر هؤلاء الذين يسعون بالفتنة، ويمشون بالسوء من القول! ويزداد الهول البشع شدة، ويعجز القلم عن التعبير، وترتجف الأوصال، ونحن نقرأ: (خطباء من أمتك)!. وهذه المشاهد تدعو الإنسان إلى أن يرغب في أن يحفظ للكلمة أمانتها.. وحسبنا أن نذكر ما رواه الترمذي وغيره عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي
صلى الله عليه و سلم في سفر، فأصبحت يوماً قريباً منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول
الله ! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، قال: «لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره
الله عليه، تعبد الله ولاتشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، كما
يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل» قال: ثم تلا: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) حتى بلغ (يعلمون) ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذروة سنامه». قلت: بلى يا رسول الله ! قال: «رأس الأمر الإسلام،وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي
الله ! فأخذ بلسانه،قال: «كف عليك هذا» فقلت: يانبي الله ! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا
حصائد ألسنتهم». وكذا تأتي أمانة الكلمة ملاك هذا كله .. ومع هذا فما يزال الوجد ان يرتعش وهو يتصور - مجرد تصور - تلك المشاهد.. وهنا تشف الروح، ويراقب الإنسان ربه فيما يقول وفيما يعمل. مجتمع مثالي: وفي سورة الإسراء نبصر مكانة الفرد ومسؤوليه ونحن نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً «اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً» من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولاتزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاَ).
وبذلك الناموس تتضح التبعية الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه، وتربط قاعدة العمل بالجزاء.. ومن ثم نبصر الربط بين الحركة المسؤولة والكلمة الصادقة، والقول والعمل، والعقيدة والسلوك والفكرة والتنفيذ.. وسبق أن عرفنا كيف أن النبي صلى الله عليه و سلم اختاراللبن، وأعرض عن الخمر، وذلك في الحديث الأول الذي رواه مسلم عن ثابت عن أنس، وفيه: «فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر، إناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة». ونبصر في هذا ترفعاً عن الحرام وبعداً وإعرضاً، واختياراً للفطرة .. هذا مشهد. ومشهد ثان نبصره فيما رواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لما كانت الليلة التي أسرى بي فيها، أتت علي رائحة طيبة ، فقلت: يا جبريل،ما هذه الرائحة الطيبة؟ قال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت: وماشأنها؟ قال: بينما هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى من يديها، فقالت: باسم
الله ، فقالت لها ابنة فرعون: أبي، قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله ، قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرته، فدعاها، فقال: يافلانة، وإن لك رباً غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك
الله ، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحداً واحداً، إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، وكأنها تقاعست من أجله، قال: يا أمه، اقتحمي، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت).
ويطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا
الشأن.. ونبصر في مشهد الفطرة كل خصائص هذا الدين وتصوراته، ومن ثم يتكون الفرد في جو نظيف شريف عفيف، بعيد عن العلاقة الآثمة، ويوجد الربط بين أمانة الكلمة - كما عرفنا - وأداء الأمانات، انطلاقاً من أن الدين القيم دين الحياة، بكل ما تحمله الحياة المباركة الطيبة من معان.. ونبصر في المشهد الثاني ثبات القلب المؤمن أمام الصعاب، مهما كان شأنها، ويتضاءل الإنسان أمام هذا الموقف المهيب، وأمام واقع المسجد الأقصى الذي يئن بحرقة، ويهيب بأتباع النبي أن يرفعوا راية الحق، ولسان حاله يقول كما قال الشاعر: المسجد الأقصى يئن بحرقة
مسرى الرسول يهيب بالعباد لبوا الندا إن اليهود بساحتي
فعلوا خسيس الفحش والإفساد فليشهد التاريخ أنا أمة تحمي الحمى بعقيدة وجهاد وهنا نبصر هذا المسجد محل عناية
الله ، ومكان رعايته، حيث أسري بخاتم رسله إليه، ولئن تاهت البلاد التي سبقت إلى الإسلام وافتخرت، لأن الفتح كان على أيدي السابقين الأعلام، وجحافل جيوش المسلمين، فإن لمواطن المسجد الأقصى أن يعتز بأنه قد اسرى
الله بخاتم رسله إليه، وجعل ذلك أمراً محكماً في القرآن الكريم، يتعبد المسلمون بتلاوته، وقد أدرك سلفنا الصالح هذه الحقائق، وتلك المعاني، فكانت الشهادة أمنية رفيعة الشأن، جليلة القدر، عظيمة الأثر، وكان الشهداء في مؤته، وحطين وغيرهما، ومن صلاح الدين إلى الشهداء فيما بعد، تسير مواكب المجاهدين، وقوافل المقاتلين إلى أرض فلسطين، أرض المسجد الأقصى، وكأن كل هذه الدماء لم تكن كافية لنا، على مايظهر، أن نجدد العزم على تحرير المسجد الأقصى، وكأنه لم يبق اسم ولارسم، ولاروح ولاجسم، بيد أن الأمل قائم، ومعادلة النصر حق،
والله لايخلف الميعاد، وصدق الله العظيم. (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لايشركون بي شيئاً).
|