العالمية - رجب - 1427 هجرية - أغسطس 2006 م - العدد (196) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

الــســفــــــــر... ضوابط شرعية واجتماعية ومادية

سعاد الولاياتي: المسافر سفير لبلده ودينه وقيمه وعليه ان يكون قدوة وسبباً في هداية الآخرين

سليمان مندني: رب الأسرة اعرف بإمكاناته ولا ينبغي أن يثقل كاهله بأقساط هو في غنى عنها

عدنان الشطي: التخطيط السليم ضمان لتحقيق الترويح عن النفس ولم شمل الاسرة والتخفيف من ضغوط الحياة

 

تحقيق/ محمد صلاح الدين

 

تلازم ذهني وعملي دقيق بين السفر والصيف فلا تكاد تسمع كلمة الصيف إلا تبادرت إلى ذهنك الرحلات السياحية وحجوزات الطيران وغير ذلك من أجواء السفر، وما إن تبدأ أشعة الشمس ترسل لهيبها إلا اعتبر الكثيرون ذلك رسالة قطعية الدلالة بأنه قد حان موعد الرحيل فلم يعد في الارض مقام بعد حلول الصيف.

موسم السفر هذا يجذب الكبير قبل الصغير ولا يتخلف عنه إلا القليل في الكويت وغيرها من دول الخليج، وما دامت هذه العادة حتمية ومنتشرة إلى هذا الحد فإنه من الواجب ضبطها بالضوابط الشرعية والاجتماعية والمادية حتى توفر لنا الراحة التي نرجو وحتى نستثمر فرصة السفر أحسن استغلال.

لقاؤنا مع فضيلة الشيخ د./سلمان مندني مدير كلية الشريعة سابقا استهل حديثه قائلا:

إن المسافر شخص ومواطن يمثل بلده ودينه قبل كل شيء فهو محط أنظار الناس في الخارج ينظرون إليه كمواطن لتلك البلاد قبل أن يكون سائحاً أو زائراً، وبالتالي عليه أن يعطي الانطباع الطيب في سلوكه وخلقه ومعاملته، ويعبر من خلال تعامله مع الناس عن مدى انتمائه لدينه وايمانه، فهو إذاً سفير من غير سفارة وليس انساناً غير معروف أو مجهول، ومن جانب آخر فهو يجد فرصة طيبة لاشباع حاجات نفسه بالترويح والانس والسعادة في اطار تلمس جوانب عديدة يشبع بها جانب الايمان والروح فهو يمارس ايمانه في تمتعه مع افراد اسرته وادخال السرور عليهم مضيفاً أن: السفر فرصة نادرة للقاء وجمع شمل الاسرة فتمر فيه مواقف يستطيع من خلالها رب الاسرة أو امها التوجيه والتربة والتأديب والتعلم ومن خلالها تكون المواقف بما فيها من لهو ولعب تزيد الأسرة ألفة ومعرفة ببعضها البعض.

ديون واقساط

وحول التدابير ومراعاة الظروف المادية يقول مندني: إن رب الاسرة اعرف بامكانياته المادية فهو ينفق في السفر بقدر ذلك لا تقتير ولا تبذير "لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعه" البقرة (286).

فلا ينبغي له أن يوهن كاهله بأقساط كثيرة تتعبه وهو في غنى عن ذلك، وإنما يختار من السفر ما هو أقل تكلفة، ومؤنة فإنما هو ترويح ومتعة لا تكليفاً للمسلم بما لا يطاق، فليختر من الاسفار القصيرة والقريبة ما يجدد به نشاطه ويعود أكثر همة وقدرة على العمل والإنجاز، كما أنه على المسلم أن يعلم أن قدرته على السفر والترويح للنفس انما هو لفضل مال وسعة في الرزق حباه اللّه بها فلا ينبغي أن يستغل هذه النعمة في معصية وليعرف اللّه تعالى في هذه النعمة ليمارس في أثناء مرحه ولعبه شكر اللّه وحمده على ما وسع به عليه وأتاح له فرصة السفر ورؤية بلاد اللّه، وليتذكر أنه في الوقت الذي هو في هذه السعة من الرزق والوقت هناك من هو في ضيق ذات اليد وازدحام الوقت بالأعمال وطلب الرزق بل هناك من لا يجد قوت يومه وليحمد اللّه على نعمة الرزق والصحة والأمن والحرية فهناك من هم مبتلون في صحتهم وحريتهم وغير ذلك، إن هذه النعمة العظيمة نحتاج إلى شكر وهذا الشكر أحرى أن يكون بالسلوك والخلق والتعامل والمحافظة على الواجبات والطاعات وأن يتجنب المعاصي والمحرمات وأن يعرف أن اللّه تعالى يعبد في كل مكان وفي كل أرض.

فإن المغبون من تساوى يومه مع أمسه والأكثر خسراناً من زاد يومه عن غده، والسفر فيه فوائد جمة وكثيرة لو عرف المسلم كيف يحصلها، فالطبيعة بجمالها والناس بأنواعهم والحياة باختلافها والجديد الذي يفرض واقعه على المسافر كل ذلك وغيره مجالات للتزود بالمعرفة والراحة والتقوى "وتزودا فإن خير الزاد التقوى" (الآية 197 البقرة).

الترويح عن النفس

ومن جانبه يقول د. عدنان عبدالكريم الشطي من قسم علم النفس بكلية العلوم الإجتماعية: إن الإنسان يستطيع تحقيق غاية السفر من الترويح عن النفس وغيرها وذلك بالتخطيط السليم والمسبق للسفر ويكون ذلك على اساس البلد أو الدولة التي اتخذها وجهة له وكذلك تقرير تكلفة السفر المالية حسب القدرات الممكنة بغرض تحقيق فرصة مناسبة للم شمل الاسرة واضفاء روح السعادة في نفوس ابنائها.

ويقول: لاشك أن وضع هدف لغرض السفر ينعكس ايجابياً على المسافر نفسه فالانسان بحد ذاته دون اهداف يصبح عضواً غير فعال وهامشياً في المجتمع عكس غيره ممن يضعون نصب اعينهم الاحتكاك بالثقافات الاخرى والتعرف على عادات جديدة لها أثر جيد في انفسهم. مضيفاً أن السفر يكون ايضاً عبادة حين يزور المسافر الاماكن والمرافق السياحية التي تتضمن معالم طبيعية بقصد التفكر في بديع صنع اللّه تعالى، ولا ننسى قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأن دعاء المسافر مستجاب.

- ويضيف قائلاً إن البعض قد يختار أن تكون مدة السفر قصيرة أو تمتد لفترة اطول وما يهمنا هنا هو مدى الاستفادة مما سبق ذكره، فلا ننسى أن المسافر سيعود لبلده وأن أي سلوك يصدر عنه مقابل بالتعميم سواء كان محموداً أو مذموماً، كما أن السفر فرصة مناسبة للم شمل الأسرة والالتقاء بالابناء لفترات طويلة في زمن طغت عليه السرعة والانشغال في الاعمال التي اخذت معظم أوقاتنا.

واخيراً يؤكد د. الشطي على ضرورة أن نسافر حسب امكانياتنا ولا نحمل النفس فوق طاقتها كما يفعل بعض الناس ممن يستدينون حتى يسافروا ومن ثم يفقدون حلاوة سفرهم عندما يجدون أن الديون قد حاصرتهم وضيقت عليهم علماً بأن اعظم فائدة للسفر هي أنه يرفه عن العقل ويفتق الذهن.

متاعب الحياة

د. سعاد الولايتي مديرة إدارة الشئون النسائية بلجنة التعريف بالاسلام بدأت حديثها قائلة: إن العطلة الصيفية فرصة جيدة للسفر، والترويح عن النفس، بعد عناء سنة دراسية كاملة بالنسبة للابناء، وعمل متواصل للوالدين، فالسفر فيه تخلص من مشاغل ومتاعب الحياة، إذ القلوب بحاجة إلى الترويح، حتى يعاود الانسان نشاطه وهمته ويستأنف عمله أو دراسته بهمة ونشاط، وهو أيضاً فرصة جيدة للم شمل الاسرة فلا ارتباطات ولا انشغال، وإنما يتفرغ افراد الاسرة للجلوس معاً، والاستمتاع بأوقات سعيدة بصحبة بعضهم، إلا أنه رغم اجواء المرح فإن الحكمة ضالة المسلم فهو يستفيد من كل ما يمر عليه في حياته، فلا يترك موقفاً ولا منظراً إلا ويتواصل من خلال تأملاته فيه إلى معلومة جديدة وخبرة، وقرباً من اللّه اكثر، وحتى يكتسب كل هذا، وحتى يستفيد ويستمتع أقصى الاستفادة والاستمتاع لابد من التخطيط لهذا السفر وهذه الرحلة: فيضع جدولاً لرحلته يملأ الاوقات بما يمتع ويفيد، فتكون هناك رحلات للاستمتاع واخرى يستفيد منها افراد الاسرة جميعاً ويكتسبون منها خبرات وثقافات جديدة عن هذا البلد الذي اقاموا فيه.

واضافت د. الولاياتي إنه يجب أن لا يفوت المسلم أن يتعلم ويعلم أبناءه مدى النعمة التي يتقلب فيها، فإن كنا نسافر للسياحة والراحة هروباً من حر شمسنا لنتمتع بجمال الجو في البلاد الأخرى، فإن غيرنا يسافر من بلده فيترك بيته وأهله واصحابه طلباً للقمة العيش، فيذوق طعم الغربة ويترك اهله شهوراً وربما سنيناً حتى يهيئ لهم اسباب الحياة الكريمة، وهناك ايضاً من هم مشردون ولاجئون، بينما تعيش أنت في رغد وراحة وتسافر راحة واستجماماً فأي نعمة وأي فضل من اللّه نعيش فيه.

ومن جانب آخر اكدت الولايتي أنه ليس من الحكمة أن يكلف المرء نفسه ما لا تطيق من دين أو تكاليف مرهقة خاصة ونحن نعيش في بلد يتمتع بكثرة المراكز الصيفية والاماكن السياحية والتي من الافضل أن يقضي المرء اجازته فيها، بدلاً من أن يتحمل من التكاليف مالا يطيق، مما يجعله يذوق طعم الندم إذا ما رجع إلى بلده وبدأ تسديد هذه التكاليف.

وأخيراً نقول: إن المسافر سفير لبلده ودينه وقيمه، ينقل عنها صورة حسنة بأخلاقه وقد يسيء اليها وإلى دينه أيما اساءة في تصرف قد لا يلقى له بالاً، ولذا كان لزاماً على المرء أن يتصرف ويتعامل مع غيره من سكان البلاد الأخرى بلباقة وأدب، يكون سفير خير لبلاده ودينه فيمثله خير تمثيل، وقد يكون بأخلاقه وسلوكه سبباً في هداية غيره لهذا الدين وبهذا ترتفع قيمة سفره في الدينار والآخرة.