|
من أبرز علامات المدّ الإسلامي المُعاصر في القارة الأفريقية عودة الإسلام إلى الجُزر الأفريقية الواقعة في المحيط الاطلنطي وذلك بعد انقضاء خمسة قرون على انتهاء الوجود الاسلامي في هذه الجُزر، مثل جُزر الرأس الأخضر و"سان تومي"، ولقد كانت هذه الجُزر الأفريقية جُزراً اسلامية، ولكن المستعمر البرتغالي قد بدأ مُنذ عام 1462 أكبر حملة لاقتلاع جذور الاسلام منها واحالها إلى أكبر مستودع لتجارة الرقيق الذين تاجرت بهم، ونقلتهم إلى الامريكتين في سُفن لا تليق بنقل البشر. وترصد "العالمية" أحوال المسلمين في هذه الجُزر، وتُسلّط دوائر الضوء على تاريخها الاسلامي المُشرق. اعداد/ محمد السعيد جُزر الرأس الأخضر
 وجُزر الرأس الأخضر، جمهورية افريقية تقع في مياه المحيط الاطلطني، وتبعد عن السنغال و"غينيا بساو" بحوالي 500 كيلو متر، لذا فهي احدى دول غرب القارة الافريقية، ويبلغ عدد سُكّانها 385 ألف نسمة، بينما بلغ عدد الجُزر التي تتكون منها هذه الجمهورية 10 جزر، وعاصمتها هي مدينة
"براي" التي توجد في جزيرة "سانت دياجو"، واللغة البرتغالية هي اللغة الرسمية، حيث استعمرتها البرتغال لمدة تزيد عن خمسة قرون من عام 1462م، حتى حصلت على استقلالها مُنذ عام 1975م، وتبلغ مساحة اراضي هذه الجمهورية 4033 كيلو متراً مربعاً، وقد انضمت بعد استقلالها الى الامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية. الجُزر والناس
 ومن اكبر الجُزر التي تتكون منها جمهورية جُزر الرأس الاخضر، جزر "سانت لويز" و"سانت نيكولو" و"سال" و"فوجو" و"براف" و"مايو" و"سانت دياجو" التي توجد بها العاصمة
"براي"، ويعيش في العاصمة اكثر من 50 ألف نسمة. وسكان هذه الجزر مجموعة من القبائل الافريقية التي هاجرت اليها من غرب افريقيا وخاصة من السنغال وجامبيا وغينيا بساو وسيراليون. وقد عرفت جزر الرأس الاخضر في التاريخ الافريقي بأنها جزر استراحة العبيد، وقد اطلق عليها هذا الاسم بعد ان قامت البرتغال بتحويلها إلى اكبر مركز لتجميع الافارقة تمهيداً لنقلهم الى العالم الجديد في الامريكتين في سفن لا تليق بالبشر. وقد شهدت هذه الجزر العديدة من المآسي التي تعرض لها الافارقة، الذين وقعوا في براثن الرق البرتغالي، حيث كان الافارقة يباعون بثمن بخس للغاية، فالافريقي كان يباع مقابل قطعة من القماش أو قطعة من الحديد، ولما انتعشت تجارة الرقيق باعت البرتغال الرجل الافريقي بـ 13 سيخاً من الحديد، بينما كان ثمن المرأة تسعة اسياخ، اما الصبية فقد تراوحت اثمانهم بين خمسة وسبعة اسياخ من الحديد، حيث كانت هذه الاسياخ تستخدم في صناعة الحراب والسهام، وهي من اهم الاسلحة التي كانت سائدة في افريقيا في هذا الوقت. الرحلة إلى العالم الجديد واعتبرت جزر الرأس الاخضر من أهم مستودعات جمع الرقيق الافريقي، ومن أهم الاسواق العالمية في هذا الوقت، وكانت رحلة نقل الافارقة إلى العالم الجديد في الامريكتين رحلة شاقة تستغرق ثمانية اسابيع، دون أن يعطى الافارقة حقهم في الراحة أو الطعام أو الشراب، ودون الحد الادنى من الرعاية الطبية، لذا تراوحت اعداد الضحايا ما بين 35 إلى 45% من اجمالي حمولة السفن التي حملتهم إلى الامريكتين، أما الذين تعرضوا للمرض خلال هذه الرحلة الشاقة، فكان قراصنة السفن يرمون بهم احياء في مياه المحيط الاطلنطي. 82 مليون أفريقي وتضم الدول الامريكية اليوم اكثر من 82 مليون أسود، هُم من سلالة الافارقة الذين تم نقلهم إلى هناك من غرب افريقيا، فيوجد في البرازيل 30 مليون زنجي، وفي الولايات المتحدة الامريكية نحو 26 مليون افريقي، ومثلهم في دول البحر الكاريبي، وفي هايتي وحدها نحو 8 ملايين افريقي. وبالرغم من هذه الحقائق التاريخية، فقد نسب الغرب - زوراً - إلى العرب المسلمين اتجارهم بالرقيق الافريقي، وقد اكد علماء الاسلام في افريقيا، أن الرق صناعة غربية، وأن الاسلام هو دين الحرية والعدالة الاجتماعية الذي صان حقوق الانسانية. وكانت جزر الرأس الاخضر قبل وقوعها في براثن المستعمر البرتغالي، تضم عناصر بشرية افريقية مسلمة، وكان الاسلام هو أول دين سماوي في هذه الجزر، كما كان غالبية سكانها من المسلمين. وقد اسس المسلمون في هذه الجزر العديد من المساجد والمدارس القرآنية، ولكن المستعمر البرتغالي قضى على كل اثر اسلامي هناك، وعمل على تفريغ الجزر من الوجود الاسلامي، فكان عدد السكان في القرن الخامس عشر الميلادي 800 ألف نسمة من الافارقة، نقل اغلبهم إلى الامريكتين لزراعة الأراضي، بدلاً من الهنود الحمر. عودة الإسلام
 وقد تكون في جزر الرأس الاخضر وفي "غينيا بساو" حزب سياسي واحد سعى لاستقلال البلاد، فحصلت بساو على استقلالها في عام 1974م، ثم حصلت الرأس الاخضر على استقلالها في العام التالي، واصبحت جزر الرأس الاخضر جمهورية منذ عام 1975م، ولكنها طبقت النظام الشيوعي لمدة 15 عاماً، ولم يسمح بالعمل الاسلامي في الجزر خلال هذه الفترة. ومع انتهاء الحكم الشيوعي هناك في عام 1990م، فتحت جمهورية جزر الرأس الاخضر صدرها لقبول دعوة الاسلام، واقامة العلاقات مع الدول الاسلامية والعربية، فقامت سفارة السنغال بانشاء مسجد في العاصمة
"براي"، ورحبت جزر الرأس الاخضر بقوافل الدعاة الذين وفدوا اليها من دول غرب افريقيا للتعريف بحقائق الدين الاسلامي الحنيف. وقد وافقت السلطات على انشاء أول مركز اسلامي في العاصمة، يضم مسجداً جامعاً ومدرسة اسلامية، كما طالبت المؤسسات الاسلامية العالمية بافتتاح المساجد في جميع الجزر، وقد ادى ذلك إلى وجود أول مجتمع اسلامي معاصر، بعد غيبة الاسلام لمدة تزيد على خمسة قرون. سان تومي
 والجمهورية الافريقية الثانية التي تقع في مياه المحيط الاطلطني، هي جمهورية "سان تومي" وهي عبارة عن جزيرتين، الاولى هي
"جزيرة برنسيب" وتقع في مواجهة الجابون، وتوجد الجزيرتان في خليج غينيا وتقعان شمال خط الاستواء، وتعرف منذ عام 1975م بجمهورية
"سان تومي وبرنسيب"، وقد حصلت على استقلالها بعد قرون طويلة من الاستعمار البرتغالي مثل جزر الرأس الاخضر وقد انضمت إلى الامم المتحدة في 12 يوليو عام 1975م. "وسان تومي" من اصغر الجمهوريات الافريقية، اذ تبلغ مساحة اراضيها 964 كيلو متراً مربعاً، وبلغ عدد سكانها 120 ألف نسمة من بينهم اكثر من 30 ألف نسمة من المسلمين، يمثلون ربع عدد السكان هناك، واللغة البرتغالية هي اللغة الرسمية في البلاد، كما توجد هناك لهجات افريقية يتحدث سكان البلاد من الافارقة، والعملة المتداولة هناك اسمها
"اسكودو"، و العاصمة هي مدينة "سان تومي"، وينص دستور هذه الجمهورية الافريقية على حربة العقيدة. الجذور الإسلامية
 وقد عُرفت "سان تومي" الاسلام مُنذ القرن الثالث الهجري، حيث وصلتها بعثات اسلامية من المغرب العربي ونشروا الاسلام بين سكانها وكانوا على وثنيتهم، فاعتنق السكان الاسلام طواعية لسهولة تعاليمه الربانية ولمزاياه التشريعية. وقد هاجر الى "سان تومي وبرنسيب" عدد من مسلمي الدول الافريقية التي تقع في غرب افريقيا ووسطها مُنذ القرن الرابع الهجري - مثل نيجيريا والكاميرون والكونغو والجابون - واسسوا في الجزيرتين حضارة اسلامية، ونشروا دعوة التوحيد، واقاموا العديد من مؤسسات الدعوة والتعليم، فانتعشت حركة المد الاسلامي في البلاد. ونشط الذين اعتنقوا الاسلام من قبائل "الفانج" و"البانتو" و"ألبوبي" و"البربر" في نشر دعوة الاسلام في الجزيرتين، حتى ان الشريعة الاسلامية كانت مطبقة في البلاد، واستقدموا القضاة الشرعيين من المغرب العربي في عام 493 هـ/1099م. إلاَّ أن الرحالة البرتغالي
"دي جو كام" وصلها في بداي القرن الخامس عشر الميلادي، وأسس هناك مركزاً لتجارة الرقيق، حيث تم شحن نصف مليون افريقي من
"سان تومي" إلى الامريكتين. وأد الحضارة الإسلامية وقد عمد المستعمر البرتغالي إلى محاربة انتشار الاسلام في البلاد، فتم الغاء القضاء الشرعي، واغلاق المساجد والمدارس الاسلامية، ومصادرة المصاحف والكتب الدينية، واحال البلاد إلى سوق للرقيق، وكانت سياسته معادية للاسلام والمسلمين، حتى لم يبق في الجزيرتين من يجاهر بإسلامه، وهكذا قضى على الاسلام والمسلمين في
"سان تومي وبرنسيب"، كما فرض المستعمر لغته وقانونه وثقافته على السكان، بعد أن ضرب كل مرتكزات العمل الدعوي والتعليمي، فنشأت الاجيال وهي لا تعرف شيئاً عن الاسلام. الانفراج النسبي ومن عام 1970م حدث انفراج نسبي للاتصال بالافارقة، فحدث هجرات نسبية أيضاً تمثلت في هجرة بعض مسلمين غرب افريقيا إلى
"سان تومي"، فتأسست من جديد جالية اسلامية، حتى انتعشت مؤسسات الدعوة بعد حصول
"سان تومي" على استقلالها في عام 1975م، فحدثت هجرات اسلامية افريقية معاصرة ركزت جهودها في ابلاغ دعوة الاسلام، وهكذا عاد الاسلام من جديد إلى
"سان تومي". 25% مسلمون وبلغ عدد المسلمين في "سان تومي" 50 أسرة مسلمة يمثلون 25% من اجمالي عدد السكان، وهذه الاسر ذات جذور اسلامية، لذا فإن جميع افراد الاسرة الواحدة يشهرون اسلامهم دفعة واحدة، ولا يوجد اختلاف عقائدي داخل هذه الاسر. |