العالمية - رجب - 1427 هجرية - أغسطس 2006 م - العدد (196) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

الكلمة الأخيرة

 

التسرع في الإفتاء

 

د. علـي بن عـبدالعـزيز الشبـل - المدرس بجامعة الامام بالرياض

 

إن ذم التسرع بالفتوى والافتاء مدرك خطره ديناً وواقعاً على المسلمين المعاصرين من جهة العلم والعمل، ومن جهة اجتماع المسلمين عليه، وانضباطهم العلمي والديني.

أما التسرع في الافتاء فقد علم بالضرورة من الواجب التحذير منه وأن تقول على الله وعلى رسوله، وهو توقيع عن رب العالمين.

أما حال السلف، في الحذر من المسارعة في الفتوى، وخوفهم من ذلك، وتدافعهم الافتاء فيما يعلمون فأكثر من أن يحصى، قولاً وعملاً.

ومن ذلك ما رواه عبد الله بن المبارك والإمام احمد بسنديهما عن عبد الرحمن ابي ليلى أنه قال:

"أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فما كان منهم من محدث الا وأعطى أخاه الحديث، ولامضت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.

وروى مالك عن ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهما أنهما قالا: "إن كل من أفتى الناس في كل ما يسألون عنه لمجنون".

والواقع أن الجسارة على الفتوى أو العجلة فيها سبب لقلة مخافة الله واجلال وجه وتحمل للإنسان حمالة ثقيلة "إناسنلقي عليك قولاً ثقيل".

ولذا كان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد نعمت عليه، بذل اجتهاده في مغرة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى.

ومن هذه الوجه وهذا الاعتبار كان الافتاء أعظم تبعة من القضاء، يدل عليه ما رواه ابن عبد البر عن أبي عثمان الحداد القيرواني أنه قال: القاضي أيسر قائما وأقرب للسلامة من الفقية - يريد المفتي - لأن الفقيه من شأنه إصدار ما يرد عليه من ساعته بما حضر. من القول، والقاضي شأن الأناة والتثبت، ومن تأنى وتثبت تهيأ له من الصواب مالا يتهيأ لصاحب البديهة".

هذا وقد ذكر الشاطبي في كتاب الحافل المانع من الموافقات. في فصل عقده لذلك أقوالاً وأحوالاً، ومواقف للإمام مالك بن أنس امام دار الهجرة في التحرج من التسرع في الفتوى بل وعدم المبالاة بكثرة قول "لا أدري"، مع أنه أعلم أهل وقته هذا مع شدة التثبت والتحري.

ومن ذلك قول مالك رحمه الله إني لا أفكر في المسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن.

ومن مواقفه رحمه الله ان سأله رجل عن مسألة وذكر أنه أرسل في مسيرة ستة أشهر من المغرب، فقال له: أخبر الذي أرسلك أنه لا علم لي بها. قال: ومن يعلمها؟

قال: من علمه الله!

وسأله رجل عن مسألة استودعه إياها أهل المغرب، فقال، لا أدري، وما ابتلينا بهذه المسألة ببلدنا، ولا سمعنا أحداً من أشياخنا تكلم فيها! ولكن تعود.

فلما كان من الغد جاء وقد حمل نقله على بغلة يقوده، فقال: سألتني! فقال: ما أدري ما هي؟ فقال الرجل: يا أبا عبد الله تركت خلفي من يقول ليس على وجه الأرض أعلم منك. فقال مالك: إذا رجعت فأخبرهم أني لا أحسن.

وسأله آخر فلم يجبه! فقال له: يا أبا عبد الله أجبني، فقال ويحك، تريد أن تجعلني حجة بينك وبين الله فأحتاج أنا أولاً أن أنظر كيف خلاصي، ثم اخلصك.

إننا حين نتأمل في هذه المواقف العملية الخيَّرة من كبار علماء الاسلام نعجب عجباً كبيراً من تسارع بعض المتعالمين أو غير المتخصصين في الفتوى والافتاء، ولو كانوا من الجاهلين بعلوم الشريعة في فروعها ومقاصدها. وقد لمسنا هذا واضحاً في بلاد العالم ولا سيما في بلاد الغربة حيث يتصدر لهذا الأمر الخطير من ليس أهلاً له ولا كفوءاً به من ذوي التخصصات التجريبية، فيؤدي بهم ذلك إلى تتبع شواذ الأقوال وغرائب الفتاوى، وتطرح الاقوال الضعيفة وبعثها، ومن المعلوم أن ناقل الفتوى، على أحسن أحوالها - ليس بمفتن - والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.