العالمية - رجب - 1427 هجرية - أغسطس 2006 م - العدد (196) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

الربيع بن خيثم

كان ابن مسعود يرى من صفاء نفس الربيع بن خيثم، وإخلاص قلبه، وإحسان عبادته ما يملأ فؤاده أسى على تأخر زمانه عن النبي صلوات الله عليه، وحرمانه من صحبته، وكان يقول له: يا أبا يزيد، لو رآك رسول الله [ لأحبك، كما كان يقول له: ما رأيتك مرة إلا ذكرت المخبتين.

ومن ذلك ما رواه أحد أصحابه قال: صحبت الربيع بن خيثم عشرين سنة، فما سمعته يتكلم إلا بكلمة تصعد، وتلا قوله جل وعز: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)

ولما شب الربيع ين خيثم قتلت نفس ونما، شب معه ورعه ونمت بنموه خشيته من الله، ولقد أررق أمه كثرة تضرعه، وشدة نحيبه في عتمات الليل والناس نيام حتى ظنت به الظنون، فصارت تناديه قائلة: ما الذي أصابك يابني؟ لعلك أتيت جرما، لعلك قتلت نفساً. فقال: نعم يا أمه، لقد قتلت نفسا. فقالت في لهفة: ومن هذا القتيل - يابني - حتي تجعل الناس يسعون إلى أهله لعلهم يعفون عنك؟ والله لو علم أهل القتيل ما تعاني من البكاء، وما تكابد من السهر لرحموك . فقال لا تكلمي أحداً، فإنما قتلت نفسي ، لقد قتاتها بالذنوب.
 

سلمان منا آل البيت

عن مالك بن أنس: أن سلمان الفارسي كان يستظل بالفئ حيثما دار، ولم يكن له بيت، فقال له رجل: ألا نبني لك بيتا تستظل به من الحر، وتسكن فيه من البرد؟ فقال له سلمان: نعم، فلما أدبر صاح به فسأله سلمان: كيف تبنيه؟ قال

: أبنيه ان قمت فيه أصاب رأسك وإن اضطجعت فيه أصاب رجليك. فقال سلمان: نعم. وقال عبادة بن سليم: كان لسلمان خباء من عباء، وهو أمير الناس.
 

ذكرت الموت

عن الحسين العجلي، قال خرجت إلى الجبانة فجلست فيها فإذا رجل قد جاء إلى قبر فسواه ثم تحول إليّ فجلس، قال: فقلت له: ما هذا القبر؟ قال: أخ لي، فقلت : أخ لك ؟ فقال أخ لي في الله رأيته فيما يرى النائم، فقلت: فلان عشت الحمدلله رب العالمين. قال: قد قلتها لأن أقدر علي أن أقولها أحب إلى من الدنيا وما فيها، ثم قال: الم تر حيث كانوا يدفنوني فإن فلانا قام فصلى ركعتين، لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إلى من الدنيا وما فيها.

قيل للربيع: ألا تجلس تتحدث معنا فقال: إن ذكرت الموت إذا فارق قلبي ساعة فسد عليّ قلبي.
 

خروج في جنازة

قال يزيد بن هارون: أخبرنا سلمان التيمي عن أبى عثمان النهدي: أن بن ســــاس خرج في جنازة في يوم، وعلية ثياب خفاف، فانتهى إلى قبر قال: فصليت ركعتين ثم اتكأت عليه فوالله إن قلبى ليقظان، إذ سمعت صوتا من القبر: إليك عني لا تؤذني فإنكم قوم تعملون ولاتعلمون، ونحن قوم نعلم ولا نعمل، ولأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلّي من كذا وكذا. فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر وبصلاته.

أمر على المقابر كل حين    فلا أدري بأي الأرض قبري

وأفرح بالغني إن زاد مالي    ولا أبكي على نقصان عمري
 

الدعوات

ويقول: حدثني محمد بن عبدالعزيز بن سليمان، ثنا بشر بن منصور قال: لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلي الجبان فيشهد الصلاة على الجنائز. فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال: انس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن مسيئكم، وقبل حسناتكم. لا يزيد على هؤلاء الكلمات. قال فقال:

فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر، فأدعو كما كنت أدعو، قال: فبينما أنا نائم إذا بخلق كثير قد جاؤوني فقلت: ما أنتم وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر، قلت: ما حاجتكم؟ قالوا: إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك، فقلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها. قال قلت: فإني أعود لذلك، قال : فما تركتها بعد.

وحكى أن رجلا من الصالحين رحمه الله حضر جنازة، فلما وضعوها في قبرها وانصرف أهلها، وقف على قبر صديق له فناداه يا حبيب. يا فلان الصديق فلم يجبه أحد، فأنشأ يقول:

أحبيب مالك لا تجيب مناديا    أنسيت بعدي جملة الأحباب

فأجابه مجيب يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول:

قال الحبيب وكيف لي بجوابكم                       وأنا رهين جنادل وتراب

أكل التراب محاسني ونسيتكم                 وحجبت عن أهلي وعن أحبابي

فعليكم مني السلام تقطعت                          مني ومنكم عقدة الأنساب
 

ثــــــــــــلاث تطمئن

رأى طاووس بن كيسان زين العابدين ذات مرة يقف في ظلال البيت العتيق وهو يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء السقيم، ويدعو دعاء المضطر. فوقف ينتظره حتى إذا كف عن بكائه، وفرغ من دعائه، تقدم نحوه وقال له: يا ابن رسول الله، رأيتك على حالتك هذه، ولك فضائل ثلاث أرجو أن تؤمنك من الخوف. فقال زين العابدين: وما هن ياطاووس؟ فقال: إحداهن أنك ابن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، والثانية: شفاعة جدك لك، والثالثة: رحمة الله.

فقال له: يا طاووس إن انتسابي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لا يؤمنني بعد أن سمعت قول الله عز وجل: (فاذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)

المؤمنون ( 101) . وأما شفاعة جدي لي فإن الله علت كلمته يقول: (ولايشفعون إلا لمن ارتضى) (الأنبياء28). وأما رحمة الله تعالى فهو يقول: (إن رحمت الله قريب من المحسنين (56) الاعراف).
 

مشغول القلب

عن جابر الجعفي - قال: قال: لي محمد بن علي يا جابر، إني لمحزون وإني لمشتغل القلب، قلت: وما حزنك وما شغل قلبك؟ قال: يا جابر، إنه من دخل قلبه شيء خاص غير دين الله شغله عما سواه. يا جابر، ما الدنيا ما عسى أن تكون؟ هل هي إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها؟ يا جابر، وإن المؤمنين لن يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم، ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة. ففازوا بثواب الأبرار، وإن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، وإن نسيت ذكروك وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله، قوامين بأمر الله، فأنزل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت منه، أو كمال أصبته في منامك، فاستيقظت وليس معك منه شيء، واحفظ الله تعالى ما استرعاك من دينه وحكمته.
 

زاد الراكب

خلال وجود أبى الدرداء في بلاد الشام قدم عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب متفقداً أحوالها، فزار صاحبه أبا الدرداء في منزله ليلاً، فدفع الباب، فإذا هو بغير غلق، فدخل في بيت مظلم لا ضوء فيه، فلما سمع أبو الدرداء حسه قام إليه، ورحب به وأجلسه. وأخذ الرجلان يتفاوضان الأحاديث، والظلام يحجب كلا منهما عن عينى صاحبه. فجس عمر وساد أبي الدرداء فإذا هو برذعة، وجس فراشه فإذا هو حصى، وجس دثاره فإذا هو كساء رقيق لا يفعل شيئاً في برد "دمشق". فقال له: رحمك الله، ألم أوسع عليك؟ ! ألم أبعث إليك ؟! فقال له أبو الدرداء: أتذكر - يا عمر - حديثاً حدثناه رسول الله [؟ قال: وما هو ؟ قال: الم يقل: "ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد راكب" ؟ قال: بلى. قال: فماذا فعلنا بعده ياعمر؟ فبكى عمر وبكى أبو الدرداء. وما زالا يتجاوبان بالبكاء حتى طلع عليهما الصبح.
 

عــاقبــة الــذنب

يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ياصاحب الذنب لا تأمن عاقبة ذنبك، وأعلم أن ما يتبع الذنب أعظم من الذنب نفسه، فإن عدم استحيائك ممن على يمينك وعلى شمالك وأنت تقترف الذنب لا يقل عن الذنب، وإن ضحكك عند الذنب وأنت لاتدرى ما الله صانع بك أعظم من الذنب، وإن فرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب، وإن حزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب،

وإن خوفك من الريح إذا حركت سترك وأنت ترتكب الذنب مع كونك لا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب، يا صاحب الذنب: أتدري ما كان ذنب أيوب \ حين ابتلاه الله عز وجل بجسده وماله؟ إنما كان ذنبه أنه استعان به مسكين ليدفع عنه الظلم فلم يعنه.
 

اللهم لاتردني إليها

لما رأى عتبة بن غزوان أن الدنيا أقبلت على المسلمين في البصرة، وأن رجاله الذين كانوا منذ قليل لا يعرفون طعاماً أطيب من الأرز المسلوق بقشره قد تذوقوا مآكل الفرس من الفالوذج واللوزينج وغيرها واستطابوها. فخشي على دينه من دنياه، وأشفق على الآجلة من العاجلة.

فجمع الناس في مسجد "الكوفة" وخطبهم فقال: أيها الناس، إن الدنيا قدأذنت بالانقضاء، وأنتم منتقلون عنها إلى دار لازوال فيها، فانتقلوا إليها بخير أعمالكم، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله، ومالنا طعــام غير ورق الشجر حتى قرحت منه أشداقنا، ولقد التقطت بردة - ذات يوم - فشققتها بيني وبين سعد بن أبي وقاص فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها الآخر. فإذا نحن اليوم لم يبق منا واحد إلا وهو أمير على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون عظيماً عند نفسي صغيراً عند الله، ثم استخلف عليهم رجلاً منهم، وودعهم ومضى إلى المدينة.

فلما قدم على الفاروق استعفاه من الولاية فلم يعفه، فألح عليه فأصر عليه الخليفة، وأمره بالعودة إلى " البصرة"، فأذعن لأمر عمر كارهاً، وركب ناقته وهو يقول: اللهم لا تردني إليها، اللهم لا تردني إليها، فاستجاب الله دعاءه، إذ لم يبعد من المدينة حتى عثرت ناقته، فخر عنها صريعاً،وفارق الحياة.
 

الدنيا غالبة

عن عبد الرحمن بن حفص القرشي قال: بعث الأمراء إلى عمر ابن المنكدر بمال، فجاء به الرسول فوضعه بين يديه، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، ثم جاء أبو بكر، فلما رأى عمر يبكي جلس يبكي لبكائه، ثم جاء محمد، فجلس يبكي لبكائهما، فاشتد بكاؤهم جميعاً. فبكى الرسول أيضاً لبكائهم،ثم أرسل إلى صاحبه فأخبره بذلك، فأرسل ربيعة بن أبى عبد الرحمن ليستعلم عن ذلك البكاء،فجاء ربيعة فذكر ذلك لمحمد، فقال محمد: سله فهو أعلم ببكائه، فاستأذن عليه ربيعة، فقال: يا أخي ما الذي أبكاك من صلة الأمير؟ قال: والله إني خشيت أن تغلب الدنيا على قلبي، فلا يكون للآخرة فيه نصيب، فذلك الذي أبكائى قال: وأمر بالمال فتصدق به على فقراء أهل المدينة، قال: فجاء ربيعة فأخبره الأمير بذلك، فبكى وقال: هكذا يكون والله أهل الخير.