|
قال الله تعالى - ان الله يدافع عن الذين آمنوا ان الله لا يحب كل خوان كفور (الحج 38) وقال صلى الله عليه وسلم - حب الوطن من الإيمان - مواقف الرجال تنبئ عن معدنهم فاما أن يحفظ لهم التاريخ هذه المواقف بسجل العز والذكر الطيب واما أن يسقط القيد ولم يعد لهم الا النيسان والازدراء. ومن المواقف التي حفظها التاريخ لبعض رجالات بلدي ويذكرون بالحسن من الأفعال كلما جاء ذكرهم ما سطره فضيلة الشيخ عبدالله النوري يرحمه الله في كتاب - حكايات من الكويت - حيث كان الجميع يداً واحدة لحماية بلدهم يجمعهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم - حب الوطن من الإيمان - هذه الحكاية التي بين ايدينا لأحد مواطني هذا البلد القابع على ضفاف الخليج العربي - الصغير بمساحته الكبير بمواقف رجاله فقد كانوا رجالاً ولا كل الرجال (شهامة - ونخوة - واقدام) تجدهم صفاً واحداً لحماية وطنهم ويصدق فيهم قول الشاعر ومن كان في اوطانه حامياً فذكراه مسك في الانا وعنبر الحـكـــايــة (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) (قرآن كريم) (ياتي من ألطاف الله ما لا يخطر على بال) (أثر حسن) وفي الآثار التي أثبتها المسلمون ونسبها بعضهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة »حب الوطن من الإيمان«. ومنذ نشأت الكويت وعرفها التاريخ قرية، ثم بلدة، ثم مدينة، كان كل فرد من أبنائها جندياً لا يحتاج لأن يصف مع الجنود إلا أن يثأر بكلمة يقولها الرئيس الذي هو الأمير: إلى الجهاد إلى المعركة. فمتى نابت نائة أو طرأ حادث، كان الجميع مدافعين أو مهاجمين، ومتى صرخ صارخ كان الكل له مجيبين. وقد يحدث فرح وتكون له مواسم كالأعياد، أو تكون له بواعث كنصر في غزوة أو عرس في محلة، وإذا حصل تساووا بالفرحة واشتركوا بالأنس. وقد يموت ميت أو يصاب، فترى أهل المحلة مشتركين يطعمون الطعام ويعزون ويواسون. صفات عرفت في هذا البلد منذ كتب اسمه في البلاد العربية، ومنذ ظهر رسمه على شاطئ الجزيرة الشرقي، ولقد أثبت أهل الكويت فيما أثبتوا وقائع كانوا فيها الجنود المجهولين أو الفدائيين ودفعوا بأنفسهم إلى الفناء دفاعاً عن الوطن الغالي والحمى العزيز، وليحيا الشعب عزيزاً مدفوعا عنه البلاء، وكل شعب يطلب أفراده الموت توهب له الحياة. ومن هؤلاء الجنود علي، وما أدراك ما علي. علي من أهل الكويت نشأ في عائلة معروفة للجميع، نسبت إلى كحيل، وكان من أهل القبلة، والكويت تتكون في الماضي من ثلاثة أحياء لكل حي محلات يسمونها الفرقان ومفردها فريق. حي الشرق: ويفصل بينه وبين حي القبلة السوق، ثم حي المرقاب: وتفصل بينهما الصفاة. وخرج علي ذات يوم إلى البحر في زورق صيد كعادة الكثيرين من هواة صيد السمك، وأبصر وهو في عرض البحر أشرعه وقلاعاً أبصر من تحتها أربع عشرة سفينة، وقرب منها ليتبينها فإذا هي لعدو مغير، والكويت نائمة غافلة لا تعلم بما يخبئه القدر لها. اذاً فالويل لها إن لم تدركها رحمة الله القوي العزيز، فليسرع إلى الوطن الغالي ليستنفر أهله، لكن العدو رأى القارب فوجه إليه من قبض عليه وعلى صاحبه، وأخذوا ما فيه من ماء وطعام وقيدوا من فيه بعد أن عذبوهم وأوجعوهم ضرباً، ثم تركوهم في زورقهم في عرض البحر تتقاذفهم الأمواج. رفع علي رأسه إلى السماء متوجهاً بقلبه الى العلي الأعلى يسأل الله لوطنه السلامة ولقومه النصر المبين وأن يقويه ليخدم الوطن ويخلص الشعب من كيد الكائدين، ثم ليمت بعد ذلك. كان الهواء ساكناً لا يملاً شراعاً، وكان القيد وثيقاً لا يملك علي له فكاكاً، فأسند ظهره إلى حديدة في السفينة يحك بها حبل القيد، لأن الوطن في خطر والشعب والحاكم لا يدرون من أمر العدو الغادر شيئاً، والناس غافلون، وهو وحده الذي يدري، رفع طرفه مرة أخرى إلى القادر في سمائه يسأله الخلاص ليخلص الوطن من خطر محدق به. وجاء من لطف الله ما لا يخطر على بال، فانقطع الحبل وانفك القيد، واستطاع علي أن يدير دفة السفينة الصغيرة وأن يرفع الشراع. وجاء لطف الله فتحرك الهواء، وساق السفينة الصغيرة تمخر اليهم لا تبالي بالعدو ولا بعَدَده وعُدَده. ووصل علي إلى الساحل ظهراً وأهل الساحل لا يعلمون من العدو وأسطوله شيئاً، قد أغفى الأمن أجفانهم، وحتى حاكم الكويت قد نام، ولكن علياً لم يطلب الراحة وهو المحتاج إليها. وذهب علي يسرع الخطى إلى قصر الأمير وهو الجائع الظامئ، فأستأذن عليه فلم يؤذن له، لأن الوقت وقت راحة. ولكن علياً ألح ورفع صوته وسمعه مبارك، فاستيقظ من نومه، وعرف صوت علي وعلي غير مجهول، وأذن له بالدخول، وقص عليه القصة وبعد أن فرغ أغمى على علي من تعب وجوع وعطش، وضحك مبارك من غفلته التي كادت أن تمحو أثر الكويت وتقضي عليه وعلى آله. وأسعف مبارك علياً بنفسه، ولما استيقظ من غشيته قال مبارك: ياعلي أرني الدليل على صدق قولك، إنه لم تداخلني فيك ريبة، لكن ليس ثمة ما يشعرني أو يظهر لي منه لا من قريب ولا من بعيد خبر مثل هذا الغزو، فكشف علي عن ظهره وبعض أجزاء بدنه وإذا عليه أثر الضرب والتعذيب، وبعث به إلى أهله عزيزاً مكرماً. وأصبح اليوم التالي، وأقبل العدو بأسطوله وبعدده وعدته، ولكنه أبصر الساحل يموج بالرجال، وعلم أن أمره قد انفضح وأن هجومه على هذا العدد من الرجال المدافعين لا يعزه بل سيعود عليه بالنقص والفشل. وعض أصابعه ندماً على أن ترك علياً يعود إلى الكويت وهو يعرف أن الكويتي يفضل وطنه على نفسه وولده والناس أجمعين. وسلم الوطن وخاب العدو ....الحاكم والمحكوم إلى الخطر، وأخذوا حذرهم وحزموا أمرهم ونكصوا على أعقابهم، وعاش علي بعد هذا الحادث أكثر من أربعين عاماً حتى انحنى ظهره وأبيض شعره وضعفت قوته، ورأى الكويت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً، وأن ذلك كله يعود إلى تلك المنة التي أسداها لهذا الوطن الصغير بأرضه الكبيرة بمكانته في قلوب بنيه، ويقول في نفسه إنها ليست منة ولكنه واجب الوطن على ابنه. وحمد الله وأثنى عليه ومات علي بعذ ذلك قرير العين مطمئناً إلى أن الله جل جلاله أنعم عليه بالقوة وأيده بالنصر وأمده بالتوفيق. وبقي أبناء علي وأحفاده يتناقلون قصة هذا الجندي المجهول، قصة جدهم جيلاً بعد جيل وهم يفخرون بما كان عليه الجد ويتواصون ان يكون الإبن على سر أبيه ü بطل هذه القصة علي بن سليمان بوكحيل جد العائلة المعروفة (بوكحيل) وكانت حوادثها في عهد المرحوم الشيخ مبارك الصباح، وقد ذكرها الشيخ عبد العزيز الرشيد في كتابة تاريخ الكويت. وما كتبه هنا روايته عن المرحوم أحمد الفهد الخالد. |