|
يعتبر القلق أحد المشاعر الأساسية في تكوين النفس الإنسانية , وهو يعني الإحساس بالخطر وعدم الاطمئنان, ويرافق هذا الإحساس الداخلي أعراض وعلامات جسمية متعددة ترتبط بتكوين الجسم من الناحية الكيميائية العضوية , وتعكس ارتباط الجهاز العصبي بأجهزة الجسم جميعا. ودرجة معقولة من القلق تكون صحية وإيجابية لأنها تدفع الإنسان نحو العمل لدرء المخاطر الممكنة أو المحتملة والتي يتعرض لها المرء في مسيرة حياته , فالقلق باعث إيجابي يساعد في الحفاظ على الذات والنجاح في مشوار الحياة . أما المشكلة فتكمن في ازدياد درجة القلق واستمراره دون سبب واضح ومعقول .... وصراع الإنسان مع القلق المرضي صراع تاريخي طويل لتخفيف وطأته , وهناك تراث كبير من الوسائل الشخصية والاجتماعية والكيميائية عند مختلف الشعوب تهدف إلى تحصيل الشعور بالأمان والطمأنينة والسعي نحوهما . ويرتبط القلق بجميع الاضطرابات النفسية وأنواعها المختلفة وأيضا بعديد من الأمراض والاضطرابات العضوية. اضطرابات القلق المرضية هي أكثر الاضطرابات الانفعالية شيوعاً وانتشاراً حيث يعاني منها تقريباً واحد من بين كل تسعة أشخاص, كما أنها تختلف تماماً عن الشعور الطبيعي بالتوتر أو الحفز الذي يشعر به كل الناس. ولحالات اضطراب القلق أعراض تحدث في الغالب بدون إنذار سابق وتجعل أبسط روتينيات وتفاصيل الحياة مصدراً للإحساس بالتوتر والحفز لدرجة لا تحتمل أحياناً . وتشمل أعراض اضطرابات القلق ما يلي: شعور مسيطر من الهلع والخوف. وساوس لا يمكن السيطرة عليها. إلحاح الذكريات المؤلمة والأحلام المروعة والمتكررة. غثيان. عرق . شد عضلي . نبضات في القلب سريعة . تفاعلات جسمانية أخرى غير مريحة على شكل شعور بالتوتر العام والحفز والرغبة بالقيام بأي شكل من أشكال إفراغ الطاقة النفسية والجسدية بحركات سريعة ومتواصلة كتحريك الأيدي والأرجل أو المشي السريع أو... وتختلف اضطرابات القلق عن الشعور الطبيعي بالتوتر والحفز في أنها تحدث في الغالب بدون سبب ظاهر ولا تنتهي بانتهاء السبب أو المؤثر إن وجد ، يضاف إلى ذلك أنها تؤثر في أداء الأعمال والواجبات العامة في الحياة والأدوار الاجتماعية عموماً , وهذه التفاعلات المنذرة يمكن أن تجعل الممارسات اليومية مصدر ذعر كامن للشخص القلق , وإذا لم تعالج اضطرابات القلق فقد تدفع الأشخاص إلى ممارسات غريبة مثل (الامتناع عن مغادرة المنزل) لتجنب المواقف التي تشعل فتيل القلق أو تزيد من حدته , وهذا ما قد يؤثر على العلاقات الشخصية وعلى الأداء في العمل تأثراً جلياً تبعاً لهذه الاضطرابات , مما يعود مرة أخرى لتصعيد حالة القلق فيشعر الشخص القلق أنه غارق في دوامة القلق وغير قادر على التخلص منه إذا لم يتدارك نفسه باستشارة مختص أو أخذ أي نوع من العلاج ويؤكد الأخصائيون أن الأذكياء وبعيدي الخيال يشكلون نسبة مئوية كبيرة من مرضى القلق, وذلك لأسباب واضحة ... فالغبي لا يبالي بما قد يحدث فيما بعد, وتساؤل/ ماذا أفعل إذا../ هو لعبة متعبة لمن يتميزون بعقل مبدع ويفكرون دائماً بآلاف الاحتمالات , فضحايا القلق أشخاص صادقون جديرون بالثقة إلا إذا تعلق الأمر بقلقهم المرضي وهناك نوعان من القلق: خارجي المنشأ:
أو القلق المستثار, وهو الذي ينتاب الناس في الأحوال الطبيعية كرد فعل على الضغط النفسي أو الخطر, عندما يستطيع الإنسان أن يميز بوضوح ما يهدد أمنه وسلامته, كأن يصوب لص مسدساً إلى رأسه, أو كأن تفشل كوابح السيارة , فهو عندئذِ يشعر بالاضطراب والارتجاف, وجفاف الريق, وتعرق يديه وجبهته وتزيد نبضات قلبه وتهتاج معدته ويشتد توتره ويعاني الخوف العقلي والقلق, وأغلب الناس أحسوا بهذه المشاعر في أوقات الخطر أو الضغط, وكذلك إذا تعرض أحد الناس مرات متكررة للهجوم عليه, أو الخوف في موقف معين, فإنه يتعلم الإحساس بهذا الخوف كلما واجهه هذا الموقف, كاستجابة دفاعية عادية للضغط من خارج الفرد داخلي المنشأ:
وحالات القلق من هذا النوع هي مرض, ويبدو أن ضحاياه قد ولدوا باستعداد وراثي له, وهو يبدأ عادة بنوبات من القلق تدهم المصابين فجأة دون إنذار أو سبب ظاهر, وأحياناً يبدو أن أعضاء مختلفة من الجسم قد أفلت زمامها, فقد يحدث أن تزيد دقات القلب أو أن يحس المصاب بالدوار, أو الاختناق, أو تقاصر النفس, أو التنمل حتى بعد غياب أي ضغط, أو خطر ظاهر, والمشكلة المركزية هنا تنبع من مصدر ما داخل جسم الفرد, بدلاً من صدورها كاستجابة لموقف من خارج الإنسان ... فالشخص المصاب يشعر في أثناء نوبات القلق كأن الأمر يدهمه من داخل جسمه, ومرض القلق هذا له حياته الخاصة مثل سائر الأمراض, وهو يجر على أصحابه الشقوة والمعاناة, وكثيراً ما يخطئ الأسوياء من الناس فينظرون إلى أعراض المريض على أنها مشابهة لاستجاباتهم عندما يواجهون ضغطاً أو تهديداً. ومن أشهر أسباب القلق 1- أسباب ناتجة عن الأفكار المكبوتة والنزعات والغرائز مما يؤدي إلى القلق , وتسمى بالعوامل الديناميكية. 2- العوامل السلوكية باعتباره سلوكاً مكتسباً مبنياً على ما يعرف بالتجاوب الشرطي. 3- عوامل حيوية تقوم بإثارة الجهاز العصبي الذاتي مما يؤدي إلى ظهور زمرة من الأعراض الجسمية وذلك بتأثير مادة الابنفرين على الأجهزة المختلفة , وقد وجد ثلاثة نواقل في الجهاز العصبي تلعب دوراً هاماً في القلق النفسي هي النورابنفرين (Norepinephrine) والسيروتونين (Serotonin) والجابا (GABA). 4- العوامل الوراثية: أثبتت الدراسات وجود عوامل وراثية واضحة في القلق النفسي لاسيما في مرض الفزع Panic Disorder. وهناك طريقتين للعلاج :
العلاج الدوائي، العلاج النفسي . ويمكن وصف إحدى الطريقتين أو كلتا الطريقتين معاً , ومع أن هذه الطرق غير شافية بالشكل النهائي , إلا أن كلاً منهما يؤثر في شفاء أعراض اضطرابات القلق بشكل ملحوظ , مما يجعل الفرد يتمتع بحياة صحية أفضل . وتتوفر العديد من الأدوية ذات فعالية , وإذا لم تتحقق نتائج العلاج المتوقعة مع استعمال أحد هذه الأدوية , فمن الممكن وصف دواء آخر ولأن هذه الأدوية تحتاج في غالب الأحوال إلى عدة أسابيع للوصول إلى تأثيرها الكامل, فإنه يجب على الطبيب المعالج متابعة تحسن الحالة لتحديد إمكانية استبدال الدواء بدواء آخر أو زيادة الجرعة المعطاة من نفس الدواء. وتوجد ثلاثة أنواع من العلاج النفسي تستخدم بنجاح في مواجهة اضطرابات القلق: العلاج السلوكي : ويستخدم فيه أساليب كالاسترخاء , أو التعرض إلى ما يشبه المواقف المسببة للاضطراب والتي كانت مصدراً للخوف , وذلك بتخطيط محكم وبطريقة تدريجية , حتى يمكن للشخص أن يتعلم كيف يتحكم في القلق. العلاج السلوكي المعرفي: يساعد المرضى على فهم أنماط تفكيرهم حتى يمكنهم التفاعل بشكل مختلف مع المواقف السلبية للقلق. العلاج الديناميكي النفسي: يعتمد على إدراك (فهم) أن الأعراض تنتج عن صراع عقلي لا شعوري ولممارسة التخلص من هذه الأعراض يجب كشف معناها. وأفضل ما تفعله الأدوية هو أنها تمنع النوبات غير المتوقعة , ولكن يبقى تأثيرها أقل وضوحاً وأبطأ, فالعلاج السلوكي يمكن أن يساعد كثيراً في التغلب على الخوف المرضي بإزالة الحساسية بين المريض والشيء الذي يثير فيه الخوف بشكل تدريجي مع الاسترخاء والإغراق في التصور أحياناً, وأفضل وسيلة هي التعريض أو المواجهة المباشرة مع الموقف لتصحيح نظرة المريض إلى الشيء المثير للخوف وإحلال الأفكار والصور الإيجابية مكانها. وأخيراً على المصاب بالقلق المرضي أن يتذكر أن هناك شيئاً يمكن أن يفعله لنفسه كخطوة أولى تتمثل في الحديث عن خوفه دون أن تدفعه الرزانة إلى إخفائه وعدم التعبير عنه , والأرجح أنه سوف يجد شخصاً آخر مذعوراً مثله , فهو ليس الوحيد في هذا العالم الذي يعاني من هذه المشكلة. وأكبر الخطأ أن يبحث عن عشرات المحاذير للتخلف عن موعد مثلا , وليعترف بخوفه من الخروج , ولن يحتقره أحد من معارفه كما يظن, وعندما يحل به الذعر عليه أن يتذكر أن ذعره سيبلغ ذروته ثم ينحسر من تلقاء نفسه ولن يموت منه....عليه أن يعترف بخوفه ويواجهه, ويتقبل الأعراض الجسدية على أنها حقيقة واقعة وأنها ستزول بإذن الله تعالى. المصادر : * القلق العام ونوبات القلق الحاد (الهلع) د. حسان المالح * القلق د. عمر المديفر * مرض القلق من اليأس.. إلى مواجهة الواقع أفرام اسكندر |