العالمية - جمادى الآخرة - 1427 هجرية - يوليو 2006 م - العدد (195) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

المبادئ العامة للنظرية الإسلامية في العلاقات الدولية (1من 3)

شريعة الإسلام هي المرجعية العليا للحكم على تصرفات البشر وتقييم أعمالهم وسلوكياتهم

  د. إبراهيم البيومي غانم *

 

الإسلام يقدم للإنسانية مبدأ وحدة الدين ويدعو إليه في وقت كانت الدنيا تشتعل بنيران الأحقاد الدينية وتضطرم بسعير الخصومات المذهبية

الفقه الإسلامي هو حصيلة الاجتهاد البشري الذي قام به العلماء لاستنباط الأحكام الشرعية التي تتعلق بتفاصيل الحياة العملية اليومية، وتكييفها وفق مقتضيات المبادئ والقيم الإسلامية

المبادئ التأسيسية العامة للنظرية الإسلامية في مجال العلاقات الدولية هي مجموعة القيم، والموجهات العقدية، والأخلاقيات العملية، المستمدة من المصدر الأساسي للإسلام (القرآن والسنة)، وهي التي تشكل إطارًا مرجعيًّا ومعيارًا عامًّا؛ من المفترض أن تستند إليه النظريات والرؤى والمواقف التي تتبناها الجماعات والنظم والحكومات المسلمة في علاقاتها الدولية، وأن تلتزم بها قبل أن تدعو غيرها إليها من ناحية، وأن يُقاس على هذا الإطار سلوكها الفعلي في هذا المجال من ناحية أخرى.

شريعة الإسلام هي المرجعية العليا للحكم على تصرفات البشر وتقييم أعمالهم وسلوكياتهم

وليس من مهمتنا -هنا- التطرق إلى النظريات والرؤى والمواقف الاجتهادية التي قال بها فقهاء الإسلام وعلماؤه ومفكروه، كجهد تنظيري منهم لتنظيم العلاقات الدولية للمسلمين في سياق مرحلة محددة جغرافيًّا وتاريخيًّا أو مكانيًّا وزمانيًّا، بكل ما أحاط بها من ملابسات داخلية وخارجية، وتوصلوا في ضوئها إلى تبني خيارات نظرية فقهية بعينها، من قبيل قسمة المعمورة في مرحلة من المراحل الماضية إلى ثلاث دور هي: دار الإسلام، ودار العهد، ودار الحرب.

وليس من مهمتنا -هنا أيضًا- أن نتطرق إلى تحليل السلوك الدولي الفعلي لجماعة أو حكومة أو دولة مسلمة -في هذه المرحلة أو تلك من تاريخ العالم الإسلامي- لمعرفة مدى اقتراب الممارسات السياسية العملية فيها من الأطروحات النظرية التي كانت سائدة خلالها.

مهمتنا تنحصر إذن في الكشف عن منظومة القيم الإسلامية العليا التي تشكل في مجموعها المبادئ العامة للنظرية الإسلامية في العلاقات الدولية، مع محاولة تأصيلها معرفيًّا (إبستمولوجيًّا)؛ استمدادًا من المصدرين الأساسيين في التشريع الإسلامي (القرآن والسنة)، واستنادًا إليهما.

بين المبادئ.. والممارسات

ولكن قبل الانتقال إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى ملاحظة أساسية في هذا السياق، هي أنه كثيرًا ما يقع الخلط بين هذا المصدر الأعلى (القرآن والسنة النبوية الصحيحة)، وبين مصادر التشريع الإسلامية الأخرى -وفي مقدمتها الفقه- والممارسة السياسية للدولة الإسلامية عبر مراحلها التاريخية المختلفة، وقد يصل الخلط إلى حد إلغاء التمييز بين الإسلام والمسلمين، وبين نظريات الفقه واجتهادات العلماء من ناحية، وممارسات الدولة وقرارات الحكام والسلاطين من ناحية أخرى، ومن ثم يكون من اليسير الاستدلال بخطأ في الاجتهاد أو في الممارسة على بطلان المبدأ أو عدم جدواه، والأكثر خطأ من ذلك أن يتم حبس المبادئ والقيم المجردة التي جاء بها الإسلام في حقبة تاريخية محددة لا تتعداها.

ولتفادي مثل هذا النوع من الخلط فإنه من المفيد التأكيد على الآتي:

1- أن القرآن والسنة هما أصل شريعة الإسلام، وفيهما بيان الإرادة الإلهية التي نزل بها الوحي على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون منهاجًا يهتدي به البشر في ترتيب شؤون حياتهم، وفي تنظيم علاقاتهم بعضهم ببعض، وفي تحقيق مصالحهم العامة منها، والخاصة.

وشريعة الإسلام بهذا المعنى هي الأصل، وهي المرجعية العليا للحكم على تصرفات البشر وتقييم أعمالهم وسلوكياتهم في كل زمان ومكان.

وإن وصف أمر ما بأنه أصولي أو شرعي، معناه أن الأساس الذي بني عليه مستمد من القرآن والسنة، وبالنسبة لموضوعنا فإن قواعد التعامل الدولي أو الخارجي شأنها في ذلك شأن قواعد التعامل الداخلي، إنما تستمد شرعيتها في المنظور الإسلامي من ارتباطها بتعاليم الإرادة الإلهية المعبَّر عنها في أصل الشريعة، وليس من ارتباطها بالإرادة الخاصة بالحكام، فتعاليم الإرادة الإلهية تتسم بالثبات والصلاحية لكل زمان ومكان، أما تقدير الظروف والملابسات التي تحيط بعملية صنع القرار واتخاذه؛ اهتداء بتلك الإرادة الإلهية فمستوى آخر له طابع عملي، ويتسم بالتغير والاختلاف والتنوع حسب ظروف الزمان والمكان.

2- أن تراث الفقه الإسلامي هو حصيلة الاجتهاد البشري الذي قام به العلماء؛ وهم يسعون لاستنباط الأحكام الشرعية التي تتعلق بتفاصيل الحياة العملية اليومية، وتكييفها وفق مقتضيات المبادئ والقيم الإسلامية الأصولية، بما يسمح في النهاية بصياغة حياة الأفراد والجماعات والأمم على هداها.

وعليه فإن موضوع الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وذلك عبر النظر العقلي في النصوص وبذل الوسع في فهمها واستخراج الحكم منها، أو استنباط حكم جديد لأمر مستحدث (لا نص فيه)؛ من خلال عمليات التمثيل، أو الاستقراء والاستدلال القياسي[1].

وإذا نظرنا إلى الفقه -بهذا المعنى- في مجال العلاقات الدولية، فسوف نلاحظ أنه لم يكن مساويًا للقرارات والسياسات الفعلية للدولة الإسلامية في أي مرحلة من مراحلها التاريخية -بعد العهد النبوي- مع الإقرار بأن تلك القرارات والسياسات قد استندت إليه، وأسهم هو بدرجة أو بأخرى في بلورتها وصياغتها، وبالطبع في تقويمها والحكم عليها من الوجهة الشرعية.

3- أن ممارسات الدولة الإسلامية في مجال العلاقات الخارجية -كما هي في مجال الشئون الداخلية- هي عبارة عن اختيارات للسلطات المسئولة، وهي محددة من حيث الزمان والمكان والوقائع، وهذه الممارسات يمكن الحكم على شرعيتها بمعرفة مدى التزامها أو ابتعادها عن الإجماع الشرعي الذي يحيط بها في كل مرحلة من مراحلها.

وكما أن احتمالات الخطأ في الاجتهاد الفقهي واردة، فإنها واردة أيضا في الممارسات السياسية المبنية علي اختيارات محددة، بل إن من المنطقي في هذا المستوى العملي أن تزيد احتمالات مجانبة الصواب؛ حتى في ظل توفر الاقتناع بالمبدأ العقيدي، والأخذ بمقتضيات الاجتهاد الفقهي؛ إذ إن ثمة عوامل أخرى كثيرة -داخلية أو خارجية وموضوعية ونفسية أو ذاتية- تؤثر بلا شك في عملية اتخاذ القرارات وتنفيذ السياسات.

إن ما نود قوله -باختصار- هو أن معطيات الممارسة التاريخية للسياسة الإسلامية في مجال العلاقات الدولية لا ترقى إلى مستوى المعطيات الفقهية الاجتهادية في التأصيل لنظرية العلاقات الدولية الإسلامية، وأن هذه المعطيات الفقهية ذاتها -على أهميتها- لا ترقى إلى مستوى المعطيات الأصولية العامة التي جاءت بها الشريعـة في أصلها الأول (القرآن والسنة)، وأن هذه العلاقة التراتبية بين أصل الشريعة، والاجتهادات الفقهية، والممارسات التاريخية، يجب أن تكون واضحة تمام الوضوح في الأذهان من حيث حجية كل منها، ومدى إلزامية ما تقدمه من معطيات تخص عملية التأصيل للعلاقات الدولية من المنظور الإسلامي، كما أنه من الأهمية بمكان في هذا السياق التمييز بين الثوابت التي تقدمها أصول الشريعة والمتغيرات التي تتضمنها آراء الفقهاء واجتهاداتهم، وخاصة فيما يتعلق بالممارسات التاريخية لتطور الدولة الإسلامية، وأنه لا يمكن أن يحل أحد المتغيرات محل أحد الثوابت؛ لا من حيث حجيته، ولا من حيث إلزاميته ووجوب العمل به.

وفي ضوء ما سبق، سوف نركز على بيان المبادئ العامة للنظرية الإسلامية في العلاقات الدولية، كما ترشد إليها أصول الشريعة من القرآن والسنة النبوية الصحيحة، دون الدخول في المستويين الآخرين: الفقهي والتاريخي؛ وفقًا للتوضيح السالف ذكره، مع ملاحظة أساسية هي أن ما يرد بشأن العلاقات الخارجية من قيم ومبادئ عامة، لا يقتصر الأمر به على هذا الشأن الخارجي فقط، وإنما ينصرف أيضا إلى كافة الشئون الداخلية (الفردية والجماعية)؛ حيث إن من أهم خصائص نظرية القيم الإسلامية هي وحدة معايير التعامل على كافة المستويات، فإذا كانت العدالة إحدى قيم العلاقات الخارجية، فهي أيضا وبالأساس إحدى قيم العلاقات الداخلية بمختلف تفريعاتها وتفاصيلها، وكذلك بالنسبة لمبدأ الوفاء بالعهد، والحرية، والتعاون،.. إلخ، ولا تعرف النظرية الإسلامية ظاهرة ازدواجية المعايير التي تتسم بها معظم السياسات الدولية المعاصرة.

وحتى تأتي منظومة القيم الإسلامية في مجال العلاقات الخارجية ضمن إطارها النظري العام، سوف نبدأ في القسم الأول من هذا البحث ببيان أصول الرؤية الإسلامية للعالم، ويلي ذلك في القسم الثاني الحديث عن منظومة القيم الخارجية أو الدولية؛ ثم ننهي بخاتمة نشير فيها إلى أن انحراف الأوضاع الدولية الراهنة عن منظومة القيم الإسلامية يؤثر سلبيًّا على السلم والاستقرار، ويضعف من فرص التعاون أو العمل المشترك في مجال العلاقات الدولية، وأن الواقع يتطلب ضرورة رد الاعتبار للقيم والمبادئ الإسلامية علي الساحة العالمية من أجل الإسهام في تصحيح هذا الانحراف، والقضاء على مصادر النزاعات والصراعات وعدم الاستقرار، وتحقيق الأمن والتقدم والرفاهية لشعوب العالم.

أصول الرؤية الإسلامية للعالم والعلاقة مع الآخر

تنبع الرؤية الإسلامية للعالم Islamic Weltanschauung من أصل عقيدي إيماني هو التوحيد؛ الذي يعني الإقرار بوجود الله وبوحدانيته سبحانه وتعالى، وأنه هو خالق هذا الكون ومالكه الحقيقي الوحيد ولا شريك له، وهو الذي خلق الإنسان، وجعله خليفة في الأرض ليعمرها، وليتصرف فيها طبقًا لأوامره عز وجل، وامتثالاً لإرادته سبحانه: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير)[2]، ويتضمن الإقرار بوحدانية الله كمال العقيــدة من جهــتي الربوبية (الخلق والتربية) والألوهية (العبادة).

ولكن كيف تؤثر هذه العقيدة التوحيدية على رؤية العالم في المنظور الإسلامي؟

إن تأثيرها يبدو من خلال هيمنة مبدأ الوحدة Unity والوئام على الرؤية الإسلامية للعالم، ومن ثم نبذ التجزئة والصراع مع عدم التواني عن ردع أو منع الاعتداء من المحيط الخارجي، ولا يعبر مبدأ الوحدة عن مجرد فكرة نظرية أو فلسفة مثالية Utopia، وإنما هو متجذر اجتماعيًّا في وحدة الجنس البشري، وروحيًّا في وحدة الدين ورسالته، من حيث مصدرها وغايتها معًا، وبيان ذلك كالآتي:

1 ـ وحدة الجنس البشري:

قرر الإسلام وحدة الجنس والنسب للبشر جميعًا؛ فالناس لآدم، ولا فضل لعربي على عجمي، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، وحكمة التقسيم إلى شعوب وقبائل إنما هي التعارف لا التخالف، والتعاون لا التخاذل، والتفاضل بالتقوى والأعمال الصالحة التي تعود بالخير على المجموع والأفراد، والله تعالى رب الجميع يرقب هذه الأخوة ويرعاها، وهو يطالب عباده جميعًا بتقريرها ورعايتها، والشعور بحقوقها والسير في حدودها.

ويعلن القرآن الكريم هذه الحقيقة بمعانيها جميعــًـا في وضـوح فيقـول: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[3]، ويقول: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[4]، ويقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أشهر خطبة له في حجــة الـوداع: إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بالآباء والأجداد، الناس لآدم، وآدم من تراب ويقول: ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية[5].

وبهذا التقرير نفى الإسلام أية شرعية لكل دعاوى التعصب للأجناس، أو الألوان، أو الأعراق، وعقيدة الإسلام وحدها هي التي تقرر على هذا النحو -بوضوح وقطعية- وحدة الجنس البشري في إطار التنوع البناء، أو بالتعبير الماليزي[6] Bhinneka Tunggal IKA

2- وحدة الدين:

قرر الإسلام وحدة الدين في أصوله العامة، وأكد على أن شريعة الله تبارك وتعالى للناس تقوم على قواعد ثابتة من الإيمان والعمل الصالح والإخاء، وأن الأنبياء جميعًا مبلغون عن الله تبارك وتعالى، وأن الكتب السماوية جميعًا من وحيه، وأن المؤمنين جميعًا في أية أمة كانوا هم عباده الصادقين الفائزين في الدنيا والآخرة، وأن الفرقة في الدين والخصومة باسمه إثم يتنافى مع أصوله وقواعده، ويتناقض مع غايته ومقاصده.

وإن واجب البشرية أن تتدين، وأن تتوحد بالدين، وأن هذا الدين الموحد هو الدين القيم وفطرة الله التي فطر الناس عليها، وفي ذلك يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيه)[7]، ويقول الله تعالى مخاطبًا النبـي محمـــدًا (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير)، وفي قول للنبي صلى الله عليه وسلم تصوير بديع لهذا المعنى حيث يقول: مثلي ومثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بني بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه[8]، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة! فأنا تلكم اللبنة وأنا خاتم النبيين[9].

وهكذا نرى الإسلام يقدم للإنسانية مبدأ وحدة الدين، ويدعو إليه في وقت كانت الدنيا تشتعل بنيران الأحقاد الدينية، وتضطرم بسعير الخصومات المذهبية، وفي هذا المعترك الروحي المتأزم بفعل الخصومات والجهالات يطلع القرآن على الناس بهذه الدعوة الجديدة؛ دعوة التآخي في الدين والاجتماع على أصوله الحقة، والإيمان به كوحدة ربانية؛ إن اختلفت فيها الفروع بحسب الأزمان، فقد اتفقت فيها الأصول الخالدة الباقية؛ لأنها من الفطرة التي لا تقوم إنسانية الناس إلا عليها.

ونظرًا للأهمية البالغة لمبدأ وحدة الدين ودورها في بناء الرؤية الإسلامية للعالم وانعكاسها على منظومة القيم العليا الحاكمة للعلاقات بين الأمم والشعوب من منظور هذه الرؤية؛ فقد يكون من المفيد الاستطراد قليلاً في بيان الأسس المعرفية العقيدية لهذه الوحدة، وأهم مجالاتها التطبيقية المفترضة في إطار العلاقة مع الآخر غير مسلم.

إن آيات القرآن تنص صراحة على وحدة الدين، وتـأمر النبي وأصحابه بأن يكونوا أول المؤمنين بهذه الوحدة، فالمسلم يجب عليه أن يؤمن بكل نبي سبق، ويصدق بكل كتاب نزل، ويحترم كل شريعة مضت، ويثني بالخير على كل أمة من المؤمنين خلت، قال تعالى: {قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[10] ثم يقفي على ذلك بأن هذه هي سبيل الوحدة، وأن أهل الأديان الأخرى إذا آمنوا كهذا الإيمان فقد اهتدوا إليها، وإن لم يؤمنوا به فسيظلون في شقاق وخلاف، وأن أمرهم بعد ذلـك إلى الله فيقــول: {فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَا ءَامَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم}[11].

وثمة أساسان قويان لدعم الوحدة الدينية وإزالة كل شبهة يمكن أن تؤدي إلى جعل تعدد الرسالات السماوية مصدراً للصراع أو الحرب باسم الدين، وقد نص القرآن على هذين الأساسين كالآتي:

الأول: أن ملة إبراهيم هي أساس للدين ومرجع الأنبياء الثلاثة الذين عُرفت رسالتهم وهم: موسى وعيسى ومحمد عليهم - جميعًا - السلام.

الثاني: تجريد الدين من أغراض البشر وأهوائهم والارتفاع بنسبته إلى الله وحده.

نقرأ عن ذلك في سورة البقرة قول الله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} إلى آخر الآيات (من 130 ـ 141 من سورة البقرة)، ونقرأ في آيات أخرى من سورة الأحزاب (آية 69)، ومن سورة النساء (آية 75)، ومن سورة آل عمران (آية 46)، ومن سورة المائدة (آية 44 وآية 75)، وفي آيات أخرى من سور أخرى؛ حيث نجدها تثني على الأنبياء جميعًا، وتقول: إن التوراة والإنجيل فيهما هدى ونور وموعظة للمؤمنين، ومن تلك الآيات ومن غيرها نخرج بنتيجتين تطبيقيتين في مجال علاقة المسلمين مع غيرهم، هما:

1- أن التعامل بين المسلمين وغيرهم من أهل العقائد والأديان إنما يقوم على أساس المصلحة الاجتماعية والخير الإنساني، يقــول الله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[12].

2- أن الحوار، أو الجدال بالتي هي أحسن ـ وليس الحرب ـ هو الوسيلة المثلى للتفاهم بشأن قضايا الإيمان والعقيدة، قال تعالى: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون}[13].

وإذا كان الحوار هو الوسيلة المعتمدة في مثل هذه القضايا على خطورتها وأهميتها؛ فإنه يكون أولى بالتطبيق فيما دونها من القضايا والمشكلات، وأولى أن يكون مبدأً عامًّا من مبادئ معالجة معضلات العلاقات الإنسانية بما فيها العلاقات الدولية.

ومما سبق يتضح أن الأصول المعرفية للرؤية الإسلامية للعالم تنفي كل مصادر الفرقة والحقد والخصومة والنزاع بين الناس من أي دين كانوا[14]، ولم تقف عند حدود التمهيد النظري، أو الخطاب العاطفي؛ بل فتحت باب التعاون العملي والتواصل الفعلي والعمل المشترك والتعايش السلمي، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها -مثلاً- ما يشير إليه قول الله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}[15].

أصالة السلام الإسلامي

إن مقتضى الرؤية الإسلامية للعالم -التي تقوم كما أسلفنا على أساس عقيدة التوحيد الديني، ووحدة البشرية- هو أن تكون رسالة الإسلام عالمية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين)[16]، وليست قطرية، أو إقليمية، أو عرقية، وأن يكون السلام مركبًا هيكليًّا في صلب البناء العالمي الذي ينشده الإسلام، وليس أمرًا طارئًا أو استثنائيًّا، وبالتالي فإن الحرب هي الاستثناء، والصراع هو الخروج على القاعدة.

ونؤكد -مرة أخرى- على بنيوية فكرة السلام وأصالتها في الرؤية الإسلامية على كافة المستويات؛ ابتداء من الفرد، ومرورًا بالأسرة والجماعة والمجتمع والدولة، وصولاً إلى النطاق العالمي بأسره[17]. إنها رؤية متكاملة يدعو الإسلام للنظر من خلالها إلى العالم باعتباره كلاً متناسقًا، والسلام قرين التناسق، ولا تأتي الحرب إلا بالخروج من هذا التناسق بالبغي والظلم، أو بالفساد والتنازع؛ فترده الحرب الموقوتة إلى السلام الدائم من جديد.

وليس يكفي لتحقيق هذا السلام العالمي الذي يدعو إليه الإسلام أن تكون مثاليته معلقة في السماء، ولا أن يكون التزام المسلمين التزامًا دينيًّا ومصلحيًّا[18]؛ بل لا بد من معرفة طرق تحقيقها على الأرض، وفي حياة الناس والمجتمع الدولي، وهذه الطرق تخضع للاجتهاد حسب اختلاف ظروف الزمان والمكان، ولكنها في كل الأحوال يجب أن تكون منضبطة في إطار منظومة من القيم والمبادئ المعيارية المجردة؛ التي تكون حاكمة لها وليست محكومة بها، وهذه المنظومة هي موضوع الحلقة القادمة .

*باحث وخبير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية