العالمية - جمادى الآخرة - 1427 هجرية - يوليو 2006 م - العدد (195) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

معالم أساسية لانطلاقة الداعية

الداعية إلى الله لا يغلق بابًا ولا يسد طريقًا وإن عجز عن إتمام دعوته
فلا أقل من أن يقيم جسورًا مع المخالفين

الداعية الناجح لا يترك وسيلة لعرض دعوته وكسب الأنصار لها إلا استعملها

النظرة الحانية دعوة واللمسة الرقيقة دعوة والبسمة المشرقة دعوة
والكلمة الطيبة دعوة والاستماع الجيد للآخرين دعوة

 

اسبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق وجعله أكبر هميب.. بهذه الكلمات كان أحد الصالحين يسبح بحمد ربه، ويذكر نعمة الله عليه بأن جعله من الدعاة إليه، وهكذا يجب أن يكون حال الدعاة مع الله، يسبحون بحمد ربهم على ما أنعم عليهم به بعد نعمة الإسلام والإيمان بأن جعلهم من الدعاة إليه، والحاملين لرسالته، والمبلغين لدعوته.

والدعوة إلى الله أعظم رسالة وأشرف عمل يقوم به الإنسان في هذه الحياة؛ فهي ميراث النبوة: اقُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي« (يوسف: 108).

إن الدعوة إلى الله، وهي أشرف رسالة، بحاجة إلى رجال يحملونها، ويقومون بواجب تبليغها للناس، ويسرعون بها إليهم، ويدفعونها قدمًا إلى الأمام نحو أستاذية العالم وشعارهم: اإن الله ابتعثنا لبخرج من شاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

إن الناس في مشارق الأرض ومغاربها بحاجة إلى الدعوة لتخرجهم من الظلمات إلى النور، وتهديهم سبل السلام، وتأخذ بأيديهم إلى صراط الله المستقيم.

إن الدعوة بحاجة إلى داعية رحَّالة، يحمل دعوته ورسالته فوق ظهره، يتحرك بها في أرجاء الكرة الأرضية، شعاره: اوَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى« (يس: 20)، فهو ساعٍ إلى الخير دائمًا، في حركة دائبة وترحال لا يتوقف، وهو فارس لا يترجل، يجوب الأقطار والأمصار شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه.

والدعوة إلى الله بحاجة إلى رجل له من ميراث يحيى- عليه السلام- نصيب، فقد أمره الله بقوله: ايَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ« (مريم: 12)، فأخذه بهمة وعزيمة، وقام يبلغ قومه وينذرهم، وجعل من نفسه وقفًا لدعوته، حتى قطعت رقبته فداءً لدين الله، وهكذا يجب أن يكون الداعية في أخذه دعوة الله بقوة، وقيامه بها، ووقف حياته لها.

والدعوة إلى الله بحاجة إلى داعيةٍ له في اهدهد سليمانب العبرة والمثل، في تحركه وانطلاقه، وذاتيته وإيجابيته التي كانت سببًا في إسلام أهل اليمن؛ فأين الرجل الهدهد في دعاة اليوم، الذي يكون سببًا لإسلام أمة أو دولة أو قرية كما فعل الهدهد؟! بل أين الداعية الذي يكون سببًا في إسلام قبيلة أو عشيرة أو حتى رجل واحد على الأقل؟! قال - صلى الله عليه وسلم: الئن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من حمر النعمب، إن انطلاقة الداعية إلى الله لها معالم أساسية نذكر منها أنها:

1- دعوة الناس كافة:

وهذا المعلم مما يميز دعوة الإسلام عن غيرها من الدعوات السابقة، التي كانت لأقوام خاصة، أما هذه الرسالة فشعارها: اقُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا« (الأعراف:158)، والدعاة إلى الله مطالبون بأن يقدموا دعوتهم للناس كافة على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأوطانهم، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض دعوته على الناس كافة، ويراسل الملوك، ولا يترك أحدًا إلا وبلغه رسالة الله، وهاجر إلى الطائف، ثم إلى المدينة ليبلغ رسالة الله.

والداعية حتى يحقق هذا المعلم لا بد له من:

أ- الانطلاقة المزدوجة:

فالداعية لا يحقق الانتشار لدعوته إلا من خلال اتصاله المتعدد والمزدوج، فهو يبلغ دعوته للعامة من الناس والملأ في آن واحد، ويتوجه بدعوته إلى الغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والمؤيد والمعارض، كما أنه يسير بدعوته على محورين اثنين: الدعوة الجماهيرية العامة، والدعوة الفردية الخاصة، فهي انطلاقة مزدوجة تحقق له كما قال امحمد أحمد الراشدب اانسيابية المجتمع، والبحث عن الرواحل، واصطفاء الأخيارب، كما أنه يتوجه بدعوته للصغير والكبير وللرجال والنساء جميعًا، لا يترك أحدًا من خلق الله إلا وبلغه دعوته، وكما قال االبناب: اوددت لو أنني أبلغ الدعوة للجنين في بطن أمهب!

ب- مسافات منتصف الطريق:

فالداعية إلى الله لا يغلق بابًا، ولا يسد طريقًا، فإن عجز عن إتمام دعوته، فلا أقل من أن يقيم جسورًا ممتدة مع المخالفين، ويقطع معهم مسافات منتصف الطريق، وذلك بأن تكون هناك نقاط التقاء يتفق عليها الداعية مع من يدعوهم، فيما يشبه ادائرة الثوابت والمتفق عليهب، وشعاره في ذلك: انتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيهب، وذلك يجنب الداعية نفسه معارك جانبية كثيرة وصراعات، ويقطع مسافات كبيرة في طريق الاتفاق مع المخالفين.

جـ- مراعاة أصناف الناس:

فالداعية يجد الناس أمامه أصنافًا عدة، منهم المؤمن بدعوته ورسالته، ومنهم المتحامل عليها، ومنهم المتردد في الإقبال عليها، لما يقال عنها من شبهات، ومنهم النفعي الذي ينتظر مغنمًا، ولكل صنف من هؤلاء جهد ودعوة خاصة، ولكن يبقى حرص الداعية على أن يبلغ دعوته إلى هؤلاء جميعًا.

2- دعوة للإسلام كافة:

وهذا المعلم أيضًا مما يميز دعوة الإسلام عما سبقها، فقد أُرسل كل نبي إلى قومه ليعالج قضية معينة، ويدعو إلى فكرة واحدة، أما دعوة الإسلام فقد جاءت شاملة الجوانب كلها، وشعارها: ايَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً« (البقرة: 208)، فهي دعوة إلى الإسلام الشامل، ادولة ووطن أو حكومة وأمة، وخلق وقوة أو رحمة وعدالة، وثقافة وقانون أو علم وقضاء، ومادة وثروة أو كسب وغنى، وجهاد ودعوة أو جيش وفكرة، وعقيدة خاصة، وعبادة صحيحةب.

هذا هو الإسلام الذي يجب أن يدعو إليه الداعية، ولابد للداعية هنا أن يتمثل ثلاث نقاط هامة، هي:

أ - أن يؤمن بشمولية الإسلام أولاً، وأن الإسلام كلٌّ لا يتجزأ.

ب- أن يدعو لهذا الشمول بكل وسيلة ممكنة، وفي كل محفل من محافل الدعوة.

ج - أن يحقق التوازن والاعتدال في عرضه للإسلام، فيعطي كل جانب من جوانب الإسلام حقه في العرض والتبليغ للناس.

3- دعوة بالوسائل كافة:

الداعية الناجح لا يترك وسيلة لعرض دعوته وكسب الأنصار لها إلا استعملها، وهو يستفيد من كل ما أتيح له من وسائل حديثة، ومن مستجدات العصر في الدعوة إلي الله؛ فهو يدعو عبر القنوات الفضائية وعن طريق شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، وكل ما يُستجد من وسائل وتقنيات حديثة، ولا يحصر نفسه في دائرة ضيقة من الوسائل، مع الحفاظ على ثوابت الدعوة وأصولها، والداعية الناجح يأخذ بالتنوع في وسائله الدعوية، وبما يتناسب مع الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وشعاره: اأُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهمب.

والداعية الناجح يهتم بالأهداف العامة للدعوة، وهي تحقيق االإيمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصلب، ثم يأخذ بالوسائل الأخرى الرئيسة منها والفرعية، ومن ذلك:

أ- وسائل الدعوة المسجدية:

والتي تشمل الخطب والدروس والمحاضرات والندوات والمواعظ والرقائق والخواطر والمؤتمرات... وكل ما يندرج تحت المسجد من وسائل وأنشطة دعوية.

ب- وسائل الدعوة الخدمية:

وهي من أقوى الوسائل تأثيرًا في الناس؛ ولذلك فإن شعار الداعية الناجح: انحن لكم لا لغيركم أيها الأحبابب، والداعية الناجح لا ينسى أن الدعوة الخدمية من أوجب الواجبات وأفضل العبادات، لأنها عبادة متعدية بالنفع للغير، وهي الأثر الباقي للداعية بعد موته.

جـ- وسائل الدعوة المرئية والمقروءة:

وتندرج تحتها وسائل الإعلام الحديثة كلها من صحافة وتلفاز وقنوات فضائية وأجهزة حاسوب وشبكة معلومات، ثم الكتب الدراسية والمطبوعات والنشرات والمطويات والملصقات، ولعل أثر الشيخ ايوسف القرضاويب على الجماهير المسلمة من خلال القنوات الفضائية يؤكد ذلك، وقد رأينا أثر الملصقات في الجامعات والميادين العامة، وهو يدعو النساء للحجاب فاستجبن لهذه الوسيلة الناجحة.

د- وسائل الدعوة بالجوارح:

وهي وسائل الداعية المتميز، فالنظرة الحانية دعوة، واللمسة الرقيقة دعوة، والبسمة المشرقة دعوة، والكلمة الطيبة دعوة، والاستماع الجيد للآخرين دعوة، ودعاء القلب بظهر الغيب دعوة، وما أقوى أثر الجوارح حين يسخرها الداعية، ويستخدمها كوسائل لدعوته.

هـ- وسائل أخرى عدة:

من ذلك الوسائل الدعوية التعليمية عبر وسائل التعليم المختلفة، والوسائل السياسية ممثلة في الانتخابات والمؤتمرات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، والوسائل الدعوية الرياضية من خلال الأندية ومراكز الشباب... إلى غير ذلك من الوسائل المتنوعة.

والداعية الناجح لا ينسى أن الدعوة بالقدوة، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والدعوة بالأمل من وسائله الدعوية الأساسية للوصول إلى الجماهير.

بهذه المعالم الأساسية الثلاثة من: دعوة الناس كافة، والدعوة للإسلام كافة، والدعوة بالوسائل كافة، تحقق لدعوتك الانتشار والتمكين والعالمية، فتصبح الدعوة متوغلة في كل أرض وتحت كل سماء: احَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ« (البقرة: 193).