|
المؤمن لا يفارقه شعور في الحياة بأنه أعلى، وإن غُـلب، ومن ثم ينظر إلى غالبه من تلك القمة السامقة الشامخة، ويستيقن أنها على كل حال فترة وتمضي، وأن للإيمان كرّ ة لا مفرّ منها، وهبها كانت القاضية، فإنه لا يحني لها رأساً! والناس يموتون، أما هو فيستشهد، وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة، وغالبه يغادرها إلى النار!، وشتان شتان ما بين نهاية ونهاية، وهو يسمع نداء ربّـه الكريم: الاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِب! (آية 196-198 سورة آل عمران) ويضجّ الباطل ويصخب، ويرفع صوته، وينفش ريشه، كما في الظلال - وتحيط به الهالات المصطنعة التي تغشى على الأبصار والبصائر، فلا ترى ما وراء الهالات من قُبح شائه دميم، وفُجر كالح لئيم! مشاهد قـرآنـيـّـة وينظر المؤمن من قمته السامقة الشامخة إلى الباطل المنتفش، وإلى الجموع المخدوعة، فلا يهن ولا يحزن ، ولا ينتـقص إصراره على الحق الذي معه، وثباته على النهج الذي يتّـبعه، ولا تضعف رغبـته كذلك في هداية الضالّين والمخدوعين! ويغرق المجتمع في شهواته الهابطة، ويمضي مع نزواته الخليعة، ويلصق بالوحل والطين، حاسباً أنه يستمتع، وينطلق من الأغلال والقيود، وتعزّ في مثل هذا المجتمع كل متعة بريئة، وكل طيّـبة حلال، ولا يبقى إلا المشروع الآسن، وإلا الوحل والطين! وينظر المؤمن من قمته السامقة الشامخة إلى الغارقين في الوحل, اللاصقين بالطين، وهو غريب, فلا يهن ولا يحزن، ولا تراوده نفسه أن يخلع رداءه النظيف الطاهر ، وينغمس في الحمأة، وهو أعلى بمتعة الإيمان، ولذة اليقين! ويقف المؤمن قابضاً على دينه كالقابض على الجمر في المجتمع الشارد في التـيه والضلال! ويقف الآخرون هازئين بوقـفته, ساخرين من تصوراته، ضاحكين من قيمته، فما يهن ولا يحزن، وهو يبصر نهاية الموكب الوضيء، ونهاية القافلة البائسة: اإِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَء لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَب! (آية 29-36 سورة المطففين) وهذه المشاهد التي يرسمها القرآن الكريم لسخرية الذين أجرموا من الذين آمنوا، وسوء أدبهم معهم وتطاولهم عليهم، ووصفهم بأنهم ضالون .. مشاهد منتزعة من الواقع في مكة، ولكنها متكرّرة في أجيال، وفي مواطن شتى! وكثير من المعاصرين شهدوها كأنما هذه الآيات قد نزلت في وصفها وتصويرها.. مما يدل على أن طبيعة الفجّـار متشابهة في موقفها من الأبرار في جميع البيئات والعصور! ويطوي السياق الدنيا العاجلة الزائلة، فإذا المخاطبون في الآخرة، يرون نعيم الأبرار الذين آمنوا، وهو يذكر لهم ما كان من أمر الدنيا، وإذا بالذين كانوا يضحكون من الذين آمنوا استهزاءً بهم ، وسخرية منهم، إما لفقرهم ورثاثة حالهم، وأما لضعفهم عن ردّ الأذى، وإما لترفّـعهم عن سفاهة السفهاء .. وما إلى غير ذلك، مما يثير ضحك الذين أجرموا! وهم يتخذون المؤمنين مادة لسخريـتهم أو فكاهتهم المرذولة، ويسلّطون عليهم الأذى، ثم يضحكون الضحك اللئيم الوضيع، مما يصيب الذين آمنوا، وهم صابرون مترفّـعون متجمّـلون بأدب المؤمنين! والقرآن الكريم لا يجادل عن الذين آمنوا، ولا يناقش طبيعة الفرية، فهي كلمة فاجرة لا تستحق المناقشة، ولكنه يسخر سخرية عالية من الذين يدسّـون أنوفهم فيما ليس من شأنهم، ويتطفّـلون بلا دعوة من أحد في هذا الأمر، وينهي بهذه السخرية العالية حكاية ما كان من الذين أجرموا في الدنيا! اوَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ«! ويطوي هذا المشهد الذي انتهى، ليعرض المشهد الحاضر، والذين آمنوا في ذلك النعيم! افَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَب! اليوم، والكفار محجوبون عن ربّـهم، يقاسون ألم هذا الحجاب الذي تُهدر معه إنسانيّـتهم، فيصلون الجحيم: اثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَب! اليوم والذين آمنوا على الأرائك ينظرون، في ذلك النعيم، وهم يتناولون الرحيق المختوم بالمسك الممزوج بالتسنيم ، يكون التوجيه بالسخرية العالية مرّة أخرى! اهَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَب! أجل! هل ثوّبوا؟! وهل وجدوا ثواب ما فعلوا؟! وهم لم يجدوا الثواب المعروف من الكلمة، فهم اللحظة في الجحيم، ولكنهم من غير شك يلقون جزاء ما فعلوا، فهو ثوابهم إذاً! ويا للسخرية الكامنة في كلمة الثواب في هذا المقام، في الوقت الذي نبصر فيه القلوب المؤمنة تشهد حالياً عند ربّـها ونعيمها في جناته، وكرامتها في الملأ الأعلى، على حين تشهد حال أعدائها، ومهانتهم في الملأ الأعلى، وعذابهم في الجحيم، مع الإهانة، وتشهد هذا وذاك في تفصيل .. وهي تستشعر حالها وتـتذوّقه تـذوقّ الواقع اليقين! وما من شك في أن هذا التذوّق يمسح على مرارة ما هي فيه من أذى، ومن سخرية وقلة ضعف .. وقد يبلغ في بعض القلوب أن تـتبدّل هذه المرارة فيها بالفعل حلاوة، وهي تشهد هذه المشاهد في ذلك القول الكريم! النصر في الدنيا يأتي بعد استسلام الشخصيّـة المسلمة
لمنهج ربّـها في كل خطراتها وخطواتها وحركاتها ويجيء النصر في الدنيا ، والغلب في الأرض ، بعد استسلام الشخصيّـة المسلمة لمنهج ربّـها في كل خطراتها وخطواتها وحركاتها! والقرآن الكريم ينشئ قلوباً يعدّهـا لحمل الأمانة .. وهذه القلوب يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد، بحيث لا تتطلع وهي تبذل كل شيء، وتحتمل كل شيء إلى شيء من هذه الأرض .. ولا تنتظر إلا الآخرة .. ولا ترجو إلا رضوان الله! ينشئ قلوباً مستـعدّة لقطع رحلة الأرض في نصب وشقاء، وحرمان وعذاب ، وتضحية واحتمال! ويضرب الله للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم.. من موكب الإيمان اللاحب الممتد على طول الطريق، الضارب في جذور الزمان .. من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، وقاتلوا مع أنبيائهم، فلم يجزعوا عند الابتلاء، وتـأدّبوا وهم مقدمون على الموت بالأدب الإيماني في هذا المقام .. مقام الجهاد.. فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربّـهم، وأن يذكروا أخطاءهم فيروها (إسرافاً) في أمرهم! وأن يطلبوا من ربّـهم الثبات والنصر على الكفار .. وبذلك نالوا ثواب الدارين، وجزاء إحسانهم في أدب الدعاء، وإحسانهم في موقف الجهاد. حتى إذا وجدت هذه القلوب، وعلم الله منها صدق نيّـتها، آتاها النصر في الأرض، ومن ثم تكون أمينة عليه، لا لنفسها، ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي، وهي أهل لأداء الأمانة.. ومع كل هذا نقرأ قول الكافرين للمؤمنين: اوَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاًب! (آية 73 سورة مريم) إنه منطق الأرض .. منطق المحجوبين عن الآفاق العليا في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل، وعصر ومصر! وإنها لحكمة الحق تبارك وتعالى أن تـقف العقيدة مجردة واضحة، لا لبس فيها ولا غموض، وهي في حدّ ذاتها عطاء.. ولكي يستبين الجهد والمشقة، والجهاد والاستشهاد.. ومن ثم يقبل عليها من يقبل، وهو على يقين من نفسه أنه يريدها لذاتها، خالصة لله من دون الناس، ومن دون ما تواضعوا عليه، وينصرف عنها من يبتغي ما تواضع عليه الجاهلون من مطامع ومنافع! المؤمن لا يستمد قيمه وتصوراته وموازينه من الناس، حتى يأسى على تقدير الناس ..
إنما يستمدها من ربّ الناس إن المؤمن لا يستمد قيمه وتصوراته وموازينه من الناس، حتى يأسى على تقدير الناس.. إنما يستمدها من ربّ الناس، وهو حسبه وكافيه.. ولا يستمدها من شهوات الخلق، حتى يتأرجح مع شهواتهم.. إنما يستمدها من ميزان الحق الثابت الذي لا يتأرجح ولا يميل .. ومن ثم لا يجد في نفسه وهناً، ولا يجد في قلبه حزناً! إن هذا لا يغيّـر من الحق شيئاً.. إنه على الحق، وليس بعد الحق إلا الضلال! ولن يختار مؤمن الضلال على الحق.. ولن يعدل بالحق الضلال، كائناً ما كانت الملابسات والأحوال! مـؤمـن آل فـرعــون كان فرعون يدّعي الألوهيّـة على شعبه المستذل! وكان يحكمه بشريعته وقانونه! وهذا ما يدّعيه كل ظالم يحكم بشريعته وقانونه، وبإرادته وأمره تمضي الشؤون وتُقضى الأمور! ولم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بالمعنى العام.. فقد كانت لهم آلهتهم! كما كان لفرعون آلهته التي يعبدها! وهذا هو الظاهر من قول الملأ له : اوَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَب! (آية 127 سورة الأعراف) لقد كانوا يخضعون لما يريده بهم، ولا يعصون له أمراً، ولا ينقضون له حكماً! أما قوله لقومه: امَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِيب! (آية 38 سورة القصص) فهو كذب وتطاول ، وضلال وبهتان ، وتهكّـم بقومه وسخرية! كلمة فاجرة كافرة يتلقّـاها الملأ بالإقرار والتسليم! ويعتمد فيها فرعون على الأساطير التي كانت سائدة في مصر! ثم على القهر الذي لا يدع لرأس أن يفكّـر ، ولا للسان أن يعبّـر! وهم يرونه بشراً مثلهم، ولكنه يقول لهم هذه الكلمة الفاجرة الكافرة، فيسمعونها دون اعتراض ولا تعقيب! ويفسّـر هذه الكلمة الفاجرة الكافرة قوله الذي سجله القرآن: اوَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَب! (آية 51-53 سورة الزخرف) إن ملك مصر وهذه الأنهار التي تجري من تحت فرعون، أمر قريب مشهود للجماهير، يبهرها، وتستخفها الإشارة إليه! أما ملك السماوات والأرض وما بينهما ومصر لا تساوي هباءة فيه فهو أمر يحتاج إلى قلوب مؤمنة تحسّـه، وتعقد الموازنة بينه وبين ملك مصر الصغير الزهيد! والجماهير المستعبدة المستغلّة يغريها البريق الخادع القريب من عيونها، ولا تسمو قلوبها ولا عقولها إلى تدبّـر ذلك الملك الكوني! ومن ثم عرف فرعون كيف يلعب بأوتار هذه القلوب، ويستغلها بالبريق الخادع! وعند الجماهير الساذجة الغافلة، لابدّ أن يكون فرعون الذي له ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحته، خيراً من موسى عليه السلام، ومعه كلمة الحق، ومقام النبوّة، ودعوة النجاة من العذاب الأليم! افَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍب! هكذا من ذلك العرض التافه الرخيص!، أسورة من ذهب تصدّق رسالة رسول! أسورة من ذهب تساوي أكثر من الآيات التي أيدّ الله بها رسوله الكريم! ولعله كان يقصد من إلقاء أسورة الذهب تتويجه بالملك ، إذ كانت هذه عادتهم ، فيكون ذا ملك وسلطان ! اأَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَب! وهو اعتراض آخر له بريق خادع كذلك من جانب آخر، تؤخذ به الجماهير، وترى أنه اعتراض وجيه، وهو اعتراض مكرور، ووجه به أكثر من رسول! افَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَب! (آية 54 سورة الزخرف) واستخفاف الطغاة البغاة العتاة للجماهير أمر لا غرابة فيه، فهم يعزلون هؤلاء أولاً عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى يبتعدوا عنها، ويقدمون لهم ما يشاءون من المؤثرات، حتى تنطبع نفوسهم بتلك المؤثرات المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم كل مذهب مطمئنين! ومضى فرعون في جبروته.. ووجد حاشيته يأتمرون، فذلك أقرب الطريق أمامهم، وأدنى السبل الممكنة، بعد أن أعيتهم الحيل، وسدت أمامهم منافذ الخلاص! وكان فرعون في أيام مولد موسى قد أصدر هذا الأمر .. وهذا منطق الطغيان الغليظ، كلما أعوزته الحجة، وخذله البرهان، وخاف أن يستعلي الحق، بما فيه من قوة، وهو يخاطب الفطرة الإنسانيّـة! ويطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر الآيات في ذلك! ويطالعنا قوله جل شأنه: اوَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌب! (آية 28 سورة غافر) وتمضي الآيات بعد ذلك تصوّر منطق الرجل المؤمن وحجته، وقد كان لهما من شدة الوقع الأثر البالغ، بحيث لم يستطع فرعون ومن معه تجاهل هذا الأثر، فاتخذ فرعون لنفسه مهرباً جديداً عرضت له الآيات بعد ذلك: اوَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأََظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍب! (آية 36-37 سورة غافر) وأمام هذه المراوغة، وهذا الاستهتار، وهذا الإصرار.. ألقى الرجل المؤمن كلمته الأخيرة مدوّيـة صريحة، بعدما دعا القوم إلى اتباعه في الطريق إلى الله، وهو طريق الرشاد، وكشف لهم عن قيمة هذه الحياة الزائلة، وأوضح لهم الطريق إلى نعيم الحياة الباقية، وحذرهم عذاب الآخرة، وبيّـن لهم ما في عقيدة الشرك من زيف وبطلان! لقد بدا الحق شامخاً في قلب هذا المؤمن.. وفي الجانب الآخر هزيمة فرعون وملئه الجاحدين مضرّجة بالدماء.. والتآمر على القتل والتعذيب والتصليب! افَلَمَّا آسَفُونَا انتَـقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْـنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ ب! (آية 55-56 سورة الزخرف) القلب يمتلئ بشحنة قويّـة من الكراهية لكل الظالمين بقدر
ما يمتلئ روعةً وإجلالاً بالإيمان القوي المستعلي على الفتـنة وإن القلب ليمتلئ بشحنة قويّـة من الكراهية لكل الظالمين، بقدر ما يمتلئ روعةً وإجلالاً بالإيمان القوي، المستعلي على الفتـنة، والمنتصر على الظلم، والمتجرّد من جاذبيّـة الأرض، والخوف من الظالمين! تلك معالم في طريق النجاة لمن أراد النجاة، رجاء أن تكون ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد! |