العالمية - جمادى الأولى - 1427 هجرية - يونيو 2006 م - العدد (194) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

   

ولــكــم فيمـا سبـقــكـم عـظـة وعبـــرة

الأمانة حمل ثقيل

 

اعداد يوسف ناصر اللهو

 

قال الله تعالى - والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون - المؤمنون - 8

ماعاشه الاباء والاجداد فيه الكثير من العظات والعبر - فهل لنا أن نعيد سيرتهم باقتفاء أثرهم ونبرز ماتركوه لنا من قيم واخلاق من خلال تعاملنا وتصرفاتنا لنستحق بان نكون خير خلف لخير سلف أرجو ذلك وآمله!

وهذه حكاية من كتاب (حكايات من الكويت) لفضيلة الشيخ عبد الله النوري يرحمه الله نموذجاً من تلك المواعظ والعبر.

وكان مما اعتاد عليه اهل البادية فيما سبق أنهم يمتارون من أصحاب الدكاكين في المدينة وعندما يحين موعد رحيلهم إلى البادية يضعون ما تبقى لديهم من أموال لدى اصحاب هذه الدكاكين أمانة حتى رجوعهم إلى البلد مرة أخرى حفاظاً عليها من السرقة أو الضياع فتوضع هذه الامانات باكياس من القماش او نحوه ويكتب اسم صاحبها لحين عودته وكان هؤلاء أشد حرصاً بالمحافظة على هذه الامانات التزاما بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (اضمنوا لي شيئاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة - أصدقوا اذا حدثتم وأوفوا اذا وعدتم وأدوا اذا أئتمنتم - فكان همهم حفظ الامانة ولو غرموا وكأني بهم يرددون قول الشاعر!

أرعى الامانة لا أخون أمانتي      إن الخؤون على الطريق الأنكب

(رحم الله امرأ جب الغيبة عن نفسه) (حديث شريف)

اعتاد أمراء الكويت منذ دخلوا باب التاريخ وسجل اسمهم في سجله، اعتادوا أن يتخذوا مجلساً عصر كل يوم يستقبل الأمير فيه الناس فيستشير ويستشار، ويسأل عن الأخبار، ويتحدث مع الجالسين فيما يفيد الإمارة أو يدفع عنها شراً.

وجلس عبد الله الثاني يوماً في مجلس أسلافه، وفي المجلس وجيه عرفه القوم بأبي حمود.

وغص المجلس بالجالسين، وتجاذب الناس فيه شتى الأحاديث، وأسكتهم بدوي دخل فسلم، ثم وجه وجهته إلى أبي حمود قائلاً له:

يا رجل مضى عليَّ زمن وأنا أبحث عنك لأنك تركت دكانك ولم تخبر أحداً بمكانك الجديد، فأعطني أمانتي التي أودعتك إياها في العام الماضي.

وكان أهل البادية يدعون نقودهم من الذهب والفضة عند أهل الحضر، لأنها في البادية معرضة للاعتداء وللسلب وللضياع.

قال أبو حمود للبدوي: وكم هي أمانتك؟

قال: خمسمائة ريال.

قال: وما وعاؤها؟

قال: كيس أبيض من قطن مربوط بخيط من شعر أسود.

قال أبو حمود: غداً إن شاء الله في مثل هذا الوقت تجدني هنا وهي معي.

وذهب البدوي إلى شأنه وانفض مجلس الأمير وكانت أبو حمود ممن انفض منهم.

وعاد في الغد إلى مكانه في مجلس الأمير، وحضر البدوي ومد له أبو حمود يده بكيس أبيض يحتوي على خمسمائة ريال مربوط بخيط أسود من الشعر.

ونظر البدوي إليه، وقال لأبي حمود: ليس هذا كيسي.

قال أبو حمود: إن كيسك قد بلي وخشيت ضياع الدراهم فاستبدلته بهذا الكيس، وهو خير لك من كيسك لأنه جديد. وسكت البدوي وأخذ ينظر إلى الكيس والخيط تارة والى وجه أبي حمود تارة أخرى، وطال جلوسه وأخيراً حمل الكيس وخرج يحرك شفتيه بكلام غير مسموع.

وانتهى اليوم واليوم الذي يليه، وفي اليوم الثالث وقد جلس أبو حمود في مكانه من مجلس الأمير وغص المكان كالعادة بالرجال، واذا بالبدوي نفسه جاء يلهث وسلم على الحاضرين ووقف مقابلاً أبا حمود وقال له:

يا ابن الحلال، أعذرني أرجو السماح من الله ثم منك لأني أخطأت عليك ولا أدري كيف أفعل فقد وجدت وديعي وسلم لي وديعتي وهذا مالك جزاك الله خيراً لقد أخطأت الشبه والله.

فقال له الأمير: كيف؟

قال: إن وديعي فلان سماه باسمه (وهو كثير الشبه بأبي حمود يعرفه الناس) وكنت في العام الماضي أودعته هذا المبلغ ولكنه ترك دكانه، وفي صباح هذا اليوم حيث كنت أقضي بعض حوائجي في السوق، أحسست بيد ثقلت على كتفي، فالتفت فإذا به يقول: ما بالك يا أخي، فلي أيام وأنا أبحث عنك فتعال معي وخذ أمانتك وقد استلمت دارهمي بجرابها كاملة غير منقوصة، وأنا والله خجلان من هذا الرجل الطيب الذي اعتديت عليه، واتهمته بما هو بريء منه، والتفت إلى أبي حمود وقال: سامحني سامحك الله.

وأجابه أبو حمود قائلاً له: لا تثريب عليك يغفر الله لنا ولك.

وسأل الأمير أبا حمود وقال له: لماذا لم تنكر؟ وأنت تعلم أن الأمانة ليست عندك، ولم تكن يوماً أمين بداة؟

قال أبو حمود: لم أذكر في حياتي أن بدوياً استأمنني على وديعة مثل هذه، ولكن هذا الرجل قصدني دون أحد من الجالسين، فلو أنكرته فلن يصدقني أحد منكم، وستقولون استضعف البدوي فأنكره، ثم أفقد مكانتي بينكم، وشعبيتي بين الناس، وخير لي في حاضري ومستقبلي وخير لأولادي أن أحتفظ بعزتي وبمكانتي ما دمت قادراً على بذل هذا المبلغ، أما وقد وضح الحق واستبان لكم فقد كسبت ما هو أعظم مما أملت والحمد لله رب العالمين ولقد صدق من قال:

نية المرء خير من عمله

وخرج البدوي يعجب من أمانة الوديع وصدقة، ومن تفكير أبي حمود وبعد نظره ويعجب مما جبل عليه الكويتيون من خلق كريم ونبل وعزة نفس، واحتفاظ بالفضائل وتمسك بالمكانة.

وانفض المجلس وكانت أحاديث الناس في مجالسهم تلك الليلة عن أبي حمود والبدوي.

ايها القارئ الكريم

هكذا كان الاباء والاجداد في تعاملهم ومعاملاتهم صدق في الحديث وامانة في البيع والشراء والتزاما بأوامر الدين ونواهيه لا يفارق وجدانهم، صدقوا الله فبارك لهم ويسر أمورهم وحفظهم وسترهم وعوضهم خيراً على صبرهم وعلى الظروف التي مرت (وبشر الصابرين) وما نعيشه الآن من خير وسعة في الرزق ما هو الا ثمرة من ثمار صبرهم ووفائهم لتعاليم الدين الحنيف فهل نعود الى ما كانوا عليه؟ فيبارك المولى لنا بما وهبنا هذا هو الرجاء والله المستعان.