العالمية - جمادى الأولى - 1427 هجرية - يونيو 2006 م - العدد (194) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

العولمة: إمكانات وتحديات أمام الأمة

الدكتور محمد منظور عالم
رئيس معهد الدراسات الموضوعية، نيودلهي (الهند)

 

إن العولمة كلمة طنانة تستخدم للتعبير عما يوصف بعالم ما بعد الاستعمار وما بعد الصناعة وما بعد الحداثة. ومن الحقيقة التي لا ترفض سواء - أحبه الناس أم كرهوا - بأن العولمة ستظل باقية على ساحة العالم بل وتتعدى إلى أن تتعاظم وتتعاضد في الآونة القادمة.

ولكن منفتحين في الاعتراف بأن الإسلام بالمعنى الأساسي لا يرفض العولمة جملة وتفصيلاً. وإن كل حضارة تتميز بتاريخ بروزه إلى حيز الوجود على أساس الأحداث العظيمة التي تعتبر بداية تقويمها الحضاري الخاص وللمسلمين يتمثل هذا الحدث الجليل في الهجرة من أم القرى إلى المدينة المنورة إلا أن الإسلام قبل الهجرة إلى المدينة المنورة كان قد وصل إلى الحبشة وذلك ليس بحثاً عن الملاذ وإنما لتعريف مبادئه الحقة خارج مكة المكرمة فلا نبالغ إذا قلنا بأن الرحلة والهجرة ونشر الأفكار أصبحت من داخل طبيعة الإسلام ذات العولمة.

وإن العولمة تعد من بين الكلمات السائدة التي يستعملها كثير من الناس إلا أن عدداً ضئيلاً منهم يفهمون المدلول الحقيقي لها مما يسبب الارتباك وسوء التفاهم والآمال الجوفاء والتخوفات ألا أساسية بينما العولمة عبارة - في الإيجاز - عن عملية انتقال حر للمواد والخدمات والمنتوجات الحضارية وقيمها والاموال ورأس المال والعمال والمهارات الفنية عبر العالم.

ومن الطبيعي أن ذلك يحدث إمكانية تغلب المنتوجات والمعرفة التقنية ومنتوجات الحضارة (أي برامج تلفزيونية والأفلام والموسيقى والاقراص المدمجة وغيرها) من الدول المتقدمة على الدول النامية بما فيها العالم الاسلامي فيما يقدر على تذويب استعلاء دول آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية مضافاً إلى أن الشركات العالمية مدعومة بالاموال الهائلة تملي رغباتها بسهولة على معظم دول آسيا وافريقيا.

إلا أنه لا يجوز للمسلمين أن يخافوا من العولمة وراء نقطة معينة لانها توفر لدولنا ولمجتمعاتنا كذلك امكانات ضخمة للتقدم الحثيث استغلالاً مصادر التكنولوجيا والمادة والبشر.

وإذا حددنا عاملاً وحيداً وراء ظاهرة انتشار العولمة فذلك بكل صراحة بروز تكنولوجيا الإعلام الشامل خلال عشر سنوات ماضية فيما أهل تكنولوجيا الاعلام استثمار البلايين من الدولارات طول العالم خلال ثوان عدة لخدمات المهنية ومعرفة التقنية في أية ناحية من الكوكب الأرضي بجانب تطوير هائل للمعدات العسكرية وتنقلها والدقة وقوة المهاجمة للدول الراقية مثلما وضع تكنولوجيا الاعلام المعزز بالتقنية العالم بأجمعه تحت رقابة الاقمار الصناعية مما زاد بؤس وشقاء الدول الاقل تقدماً في المصطلح العسكري.

تكنولوجيا الاعلام

ولنعترف بوضوح بأن العالم الاسلامي قد ضيع الفرصة وتعد تكنولوجيا الاعلام اليوم من اكبر مولدي الثروة عبر العالم كما انه من أهم مضاعفي القوة - القوة في كل المجالات من القوة العسكرية إلى القوة الاقتصادية - ومن مسئوليتنا التوجه - مهما كان التأجيل كثيراً - إلى ترشيد شبابنا وطلابنا في الهند وغيرها من البلدان إلى الالتحاق بمؤسسات تكنولوجيا الاعلام، ومن الواقع أن مؤسسات تكنولوجيا الاعلام المتواجدة في الهند قد اصبحت سبب الجاذبية العالمية للطلاب الجدد. ويجب أن يفكر المستثمرون في الاستثمار في صناعة لتكنولوجيا الاعلام للهند التي اصبحت مركز اللاعبين الدوليين وهدفاً للاستثمار من قبل الشركات العالمية العاملة في مجال تكنولوجيا البيولوجية وللبحوث في ميادين الصناعات والتقنيات الأخرى. وإذا لم نتحرك في الموعد المناسب سوف نكون نحن - وليست العولمة - مسئولين للانهيار والتخلف.

التكنولوجيا البيولوجية

ومن ميادين النمو الاسرع ميدان تكنولوجيا البيولوجية الذي تحت توجيه قوات العولمة (لتسهيلات البحوث العالمية والتمويل وتسهيلات الانتاج المتداخل وسلسلة التسويق على الصعيد الدولي) سيكون مجالاً هاماً في المستقبل، وبهذا الخصوص نحن بحاجة مماثلة إلى اتخاذ خطوات نحو الحصول على التعليم العالي وبناء الموارد الخاصة بالتكنولوجيا والادارة والتمويل وانشاء البنية التحتية السليمة لتسهيلات النمو. وعلينا بدأ العمل في هذا المجال إذا لم نرغب في الاتمام في نهاية خاطئة للعولمة.

ويجب أن نتذكر بأن المسلمين العرب كان لهم قصب السبق في تعريف تطعيم النبات في معظم أنحاء العالم ومما يؤسف له اليوم بأن وضع عدد من اقطار العالم الاسلامي اليوم مأسوى بسبب نقص شديد في المواد الغذائية والزراعة الغير الكافية وقلة منتوجات اللحوم وربما يكون ذلك مدمراً فيما يسبب المجاعة والاموات على الصعيد الواسع.

وآن الأوان للعناية بالتكنولوجيا البيولوجية ليس للزراعة والبستنة والملبنة ومزرعة الحيوانات والسمك فحسب وانما لانتاج افضل أنواع الادوية وللمجالات المعنية الاخرى كذلك وذلك مما اصبح قابلاً للعمل اليوم بفضل العولمة.

امكانات حديثة

ولقد فتحت العولمة امكانات حديثة في مجالات مختلفة منها: التمويل والتصنيع والرعاية الصحية والخدمات الاخرى وسوق الاسهم والذهب مضافاً إلى أن التعليم (التعليم التقني والمهني بصفة رئيسية) من أهم مجالات للتطوير والتنمية الذي يتطلب اتخاذ خطوات فردية وجماعية. وفي بيئة العولمة المدعومة بالشبكة العالمية القوية يسهل الانضمام إلى أفضل الجامعات وأجود المؤسسات لايجاد الايدي العاملة ذات الكفائة العالمية في دولنا نحن.

تكنولوجيا النانو

وان تكنولوجيا الدقيق (تكنولوجيا النانو) الذي احرز تقدماً عظيماً في خمس سنوات ماضية يعتبر مجالاً مهماً لم نسجل حضورنا فيه: وفي بيئة العولمة يسهل أن نقطع أشواطاً بعيدة لأنه تتوفر لدينا الآن طرق عديدة مقابل عقد مضي.

فرصة غير عادية

وتنمي العولمة مجريات حضارية مشتركة كثيرة واسعة ولا يحسن بنا أن نصبح منكمشين ومشتكين ومتقلصين علماً بأن التفاعل العام لا يشكل تهديداً لهويتنا الاسلامية وإنما توفر فرصة غير عادية لوصول الاسلام والمسلمين إلى غير المسلمين وبإمكاننا صياغة برنامج خطيرة لتقديم الاسلام للعالم منتهزاً هذه الفرصة الحديثة.

واسمحوا لي أن اصرح بأن الامة الاسلامية لتواجه اليوم عديداً من التحديات التي لها علاقة قوية مع العولمة وأن لبعض هذه التحديات آثار عامة على شرائح البشرية الواسعة في العالم الثالث أمام التحديات الاخرى فهي تخص بالمسلمين.

التحديات

واما التحديات التكنولوجيا والاقتصادية الناجمة عن العولمة في سياق دول العالم الاسلامي فهي تنحصر في عدد غير كاف للمؤسسات والافراد المتدربين مهنياً لتعليم وتدريب الجيل الجديد في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتعليم المهني.

فهناك ازمة شديدة للمهنيين (نظراً إلى نسبة عدد المسلمين) وغياب مؤسسات العلوم الوطنية والهيكل اللازم غير عادل للموارد والخليج الواسع بين الغني والفقير كظاهرة عامة في دول العالم الثالث على الاطلاق. وبمعدل مائتين وستين ألف مقالاً ينشر في جرائد العلوم والتكنولوجيا سنوياً يكتب بالمسلمين ألفين وخمسمائة مقالاً فقط. وهذا ما يقدم وضعاً سيئاً لجاهزية الأمة لمواجهة تحديات العصر.

وتحتل التنمية البشرية مكانة مرموقة في جدول أعمال العالم. ومن سوء الحظ أن الدول المسلمة متخلفة جداً في هذا المجال الخطير. وإن معدل التعليم للمسلمين كذلك ضئيل للغاية في العالم كله. وإن معدل الأمية للمسلمين الذي يصل إلى أقل من خمس وثلاثين بالمائة على نطاق عالمي منخفض جداً من المعدل العالمي الاوسط وحتى المنخفض من معدل دول العالم الثالث. وإن ثلاثة أرباع المرأة المسلمة في العالم مصابة بالامية وإن حوالي ثلاثة ارباع الدول المسلمة تعاني من معدل منخفض جداً للامية وخدمات بائسة في مجال الرعاية الصحية ومعدل عال لوفيات الاطفال ومعدل الدخل المنخفض ومستوى المعيشة المنحطة وإن نسبة المسلمين الذين يستطيعون الحصول على التعليم العالي وخاصة التعليم المهني ضئيلة للغاية.

وقد رفعت العولمة مستوى التكنولوجيا على الصعيد العالمي وللاستفادة من التكنولوجيا المدعومة بالاقتصاد يجب أن يكون المسلمون متسلحين بالتعليم الأفضل. ويعتقد علماء الغرب بأن نظام تعدد الحضارات الذي يفتخر به الغرب كان قد أنشأته المجتمعات المسلمة، لذلك لا ينبغي أن نخاف كثيراً من تيار تعدد الحضارات المعاصر.

وإن الاثنين من كل ثلاثة دول العالم البالغ عددها إلى 192 دولة تتمتع اليوم بالديمقراطيات الانتخابية إلا أن واحداً فقط من أربع دول مسلمة يصل عددها إلى 47 دولة تتمتع بهذا النظام الديموقراطي. ومن حسن الحظ أن الرغبة متزايدة في اتخاذ نظام ديموقراطي في الدول المسلمة. ومما يسرنا أن العالم الاسلامي ككل يتقدم تدريجيا إلى نظام الشراكة مؤكداً صحة مبدأ الجمهورية »الشورى«. وإن الدول العربية قد أحرزت تقدماً كبيراً في هذا المجال خلال خمس سنوات ماضية. وقد بدأت النساء يشاركون في تأدية دور في الاقتصاد والإدارة والخدمات العامة حتى في مجال الخدمات التقليدية. وإن العالم قد أصبح يعترف بدور المرأة في العالم العربي اليوم.

وإن بعض دول الخليج قد منحت حق التصويت للمرأة مع اعطائها وظائف في مكاتب رسمية عالية. على كل، فإننا نتقدم إلى الامام منسجمين مع متطلبات العصر.

الاستعمار الجديد

 وإن الاحداث التي ظهرت بعد الحادي عشر من شهر سبتمبر والغزو الامريكي على العراق قد فتحت أبعاداً جديدة للاستعمار الجديد للولايات المتحدة وحلفائها. ويتمثل الاستعمار الجديد في الهيمنة الامريكية ذات أحادية القطب والتدخل الاحادي الجانب واللامبالاة الكاملة بالقانون الدولي والحقوق الانسانية ولعل ذلك اقبح وجه عولمة العالم التي تهدد سحب العالم إلى القرن التاسع عشر.

ولدينا منظمة المؤتمر الاسلامي والجامعة العربية وحركة دول عدم الانحياز وهيئة الأمم المتحدة والمحافل الدولية الاخرى حيث نستطيع أن نقدم قضايانا كما أن الحوار المباشر مع الطرف المعني مهم للغاية حيث يجب أن نصرح بأنه لو لم ينته العدوان فستبرز حركات المقاومة التي تحدث عدم الاستقرار في العالم بأسره كما أنه يجب أن نوضح بأن هناك أرضية مشتركة للاسلام والغرب حسبما أوضحه المفكرون أمثال السيد علي مزروئي وجوهن أيل اسبوسيتو فإن هناك حاجة لتوسيع هذه الأرضية إلا أن طاقات ثمينة قد استهلكت في الصراع الغير الضروري والذي معظم جزئه مفروض على الأمة الاسلامية من جانب واحد.

وأخيراً لابد من أن نضع في عين الاعتبار بأن العولمة تنقل منتوجات الغرب والخدمات ورأس المال والايدي العاملة ووسائل الترفيه حول العالم. فيما يضطرنا إلى استيراد قيمنا من نفس المصادر ولنتذكر بأننا لسنا بحاجة إلى ذلك لاننا نحمل شبكتنا الخاصة للقيم المبنية على توجيهات الكتاب والسنة.

التمسك بتعاليم القرآن الكريم والسنة

ويجب أن نتمسك بالتعاليم المبنية على القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف بالنواجذ لأنها هي التي وحدها قادرة على تجنيب الانسانية من مهالك العنف والفوضى والطمع الزائد وقيم مدمرة للاسر كما انها هي القيم الربانية التي تضمن انقاذ البشرية من مخاطر المادية والهم الوحيد في السوق والتجارة فإنها تدل إلى اخراج الانسان من معاناته عبر العالم. وإن هذه القيم لهي أوثق واجدر لانها الاكثر استقراراً من القيم المستوردة.

كما يحسن بنا أن نبذل عنياتنا إلى القيم الاسلامية المبنية على الخير والرفاهية مع مقارنة كلمة CHARITY للغة الانكليزية التي هي كانت تحمل مفاهيم حسنة قبل خمسين سنة فقط ثم أصبحت تستخدم في مفاهيم سيئة مخصصة لمن يأخذون الاموال ويدفعونها. وفي مرحلة صارت هذه الكلمة بمثابة امتهان البشرية فاسبتدلتها الحكومات الغريبة بكلمة WELFARE بمعنى دفع الأموال إلى شرائح فقيرة للمجتمع. وعندما فشلت هذه الكلمة كذلك في صيانة كرامة الإنسان بدأت الحكومات الغربية تستخدم كلمة WORK FARE إلا أن الكلمة الأخيرة كذلك بائت بالفشل في ازالة المفهوم المتدني السلبي.

وبالمقابل لن تكون كلمة الخير حاملة للمعاني السلبية إلى الأبد. فعلينا أن نستقبل نقاط العولمة الحسنة مع التمسك بمبادئنا الحقة.