|
يقول أحد ثقات الزهاد أن : "فعل من حكيم فى ألف رجل أنفع من موعظة ألف رجل في رجل" وهى مقولة تعكس حقيقة إجتماعية يغفل عنها بعض الدعاة وتتمثل فى أن المحاكاة والتماثل من الصفات الإنسانية على المستوى الإجتماعى وبالتالي فإن الواقع الذي يشكو من قصور وإنحرافات ومشكلات لا تكفيه فقط المناهج التربوية وخطط التغيير الاجتماعية المحكمة وإنما يحتاج أيضا إلى الدعاة المربين والمخلصين الذين يحققون بسلوكهم وأساليبهم التربوية الغاية التى يراد إقامة المنهج التربوى عليها. وهذه الغاية ليست سوى عبادة الله فيقول تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" (الأنبياء: 25) ووظيفة الدعاة هى إرشاد الناس إليها من خلال العمل على تشييد علاقة الإنسان بربه? ليس بمجرد التغيير فى الوعي بل بتغيير الإنسان بوصفه كلا متكاملا ? وذلك لا يكون إلا بإبراز القيم الإسلامية فى نماذج واقعية للعمل الصالح ? أى بالقدوة. واقع الدعوة والدعاة تمر الأمة الإسلامية بظروف خاصة ربما لم تمر بها من قبل حيث تتنازعها التيارات والدعوات والمذاهب والآراء التى تتقسم عقول الناس وتتنازع ألبابهم وكل منها يقوم أصحابه بالدعاية له ويبالغون فيه بما يبرزه للناس جميلا ووصل بعض هذه التيارات لدرجة التجاسر على القيم الإسلامية واتخاذ مواقف تعارض أصول العقيدة الراسخة وآراء تقدح فى الثوابت الشرعية العقدية عن طريق الدعوة إلى إهمال بعض المعتقدات الدينية وتعطيل بعض الحدود الشرعية. وإذا كان وجود مثل هذه الدعوات يعبر عن قوة دعاة التغريب الذين أصبحوا يملكون الكثير من وسائل الإعلام والمنتديات الفكرية ويدعون من خلالها إلى فصل الدين عن الدولة فإنه يعكس فى نفس الوقت حالة معاشة من الجمود والتخلف أدخلت المجتمعات الإسلامية فى مرحلة بيات شتوي حضاري مهد التربة أمام كل من الاستبداد ? وهو أصل كل شر ? والاستلاب الحضاري والغزو الفكري.
الصورة ليست قاتمة فالدعوة الإسلامية تكسب أنصارا جددا
بعد أن وفر التطور التكنولوجي فرصا عديدة للعلماء والدعاة
ومع ذلك فالصورة ليست قاتمة تماما فما زالت الدعوة الإسلامية تكسب أراض وأنصارا جددا بعد أن وفر التطور التكنولوجي فرصا عديدة للعلماء والدعاة لتوضيح الإسلام وحقيقة تعاليمه وأحكام شريعته ومواجهة محاولات النيل من القرآن الكريم والسنة المطهرة فضلا عن أنه ساهم فى حفظ التراث الإسلامى فى شتى مجالات العلوم الشرعية ? التفسير والحديث والعقيدة والأخلاق .. إلخ ? ونقلها من أرفف المكتبات إلى حالة متحركة دائمة. وبالرغم من أن هناك الكثير من الطاقات الدعوية المؤهلة بالعلم الصحيح والمنهج السليم التى تحاول الإستفادة من التطور التكنولوجى فى مجال الدعوة إلى الله فإن ذلك الواقع يشير إلى أن زمام المبادرة والعمل أضحى لصالح مؤسسات تعبر عن قوى إجتماعية وإتجاهات فكرية أخرى فى الوقت الذى تشهد فيه ساحة العمل الدعوى تحديات ومشكلات عديدة لعل أبرزها التحزب والتعصب فما من يوم يمر إلا ونسمع عن الخلاف بين هذا الداعية وذاك أو قدح من داعية لأساليب وأفكار بعض زملاءه .. إلخ. مؤثرات التربية ومن الأمور البدهية أن الدعاة إلى الله يعتقدون أن الهداية بيد الله تعالى وإنما هم مبلغون إقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ما على الرسول إلا البلاغ" (المائدة: 29) كما أنهم يقومون بالدعوة أداء للواجب الملقى على عاتق كل مسلم ومسلمة أخذا من الآية الكريمة:
"قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى" (يوسف: 108). إلا أن البعض يظهر إحباطا من ذلك الواقع المعاش أو تهويلا لتأثير التيارات التغريبية فيه الأمر الذى يعكس لديهم نقصا فى منهج التربية وفهم الواقع على السواء إذ تحتاج التربية لجهد أكبر من التعريف بالقيم الإسلامية وإعادة الكشف عنها نظرا لأن النفوس لا تتخلى عن مألوفاتها بسهولة ولا تستجيب استجابة فورية لكل ما يطلب منها من تكاليف فضلا عن أن المطلوب هو بناء النفوس المؤمنة وإعداد الشخصيات التى تصلح لحمل المهمة الجليلة ? الدعوة ? هذا من جهة. المحبطون والمهولون لا يقرأون الواقع قراءة صحيحة
من ناحية وجود بعض المؤثرات التي قد تضعف التأثير التربوى للدعاة
ومن جهة أخرى نجد أن هؤلاء المحبطين والمهولين لا يقرأون الواقع قراءة صحيحة من ناحية وجود بعض المؤثرات التى قد تضعف التأثير التربوى للدعاة ? أو تقويه ? ولعل أهم هذه المؤثرات:
أولا: أخلاق الداعية . يقول الإمام الغزالى أن الخلق عبارة عن: "هيئة فى النفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر فإن كانت الأفعال محمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا وإن كان الصادر عنها أفعالا قبيحة سميت الهيئة خلقا سيئ". وحث الإسلام على التمسك بفضائل الأخلاق وجعلها من أهم وظائف النبى صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" بل إن خيرية الأمة الإسلامية كانت لتوفر صفات أخلاقية بعينها يقول تعالى
"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" (آل عمران: 110).
ما يملكه الداعية من أخلاق كالعدل والشجاعة والصبر والحلم وما يتبعها من صفات كالذكاء واللباقة وقوة الشخصية تجعله أقدر على الدعوة والتربية إن ما يملكه الداعية من أخلاق كالعدل والشجاعة والصبر والحلم وما يتبعها من صفات كالذكاء واللباقة وقوة الشخصية تجعله أقدر على الدعوة والتربية من صاحب الذكاء القليل الغضوب الذى لا يصبر وتتبع أحوال المجتمعات وإستقراء مستويات رجالها يؤكدان أن أصحاب الصفات الجيدة من العملات النادرة وهذا المعنى أشار إليه النبى صلى الله عليه وسلم حين قال:
"تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة" والراحلة هى القوية السهلة السريعة السير. ثانيا: الأحوال الإقتصادية والسياسية. إن المجتمع الذي يغلب عليه الفقر والأمية يبذل الناس فيه معظم أوقاتهم فى البحث عن لقمة العيش مما يلهيهم عن سماع كلمة الدعاة وهذا يتطلب أولويات جديدة فإلى جانب أولوية بناء النفوس الصالحة يصبح من الواجب أن يتناول الدعاة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وسبل التخفيف من حدة هذه المشكلات من خلال مؤسسات المجتمع الأهلى. كذلك فإن المجتمع الذى يسوده الإستبداد يصبح أكثر قابلية للفساد نظرا لأن المستبد يستخدم (العصا والجزرة) فى التعامل مع الناس فينوع في العصا التي يستخدمها، وطرائق استخدامها، فهذه للتخويف والإرهاب، وأخرى للتعذيب، وثالثة للقتل. والجزرة أنواع وأشكال، أولها الهبة والمنحة والعطية قلت أو كثرت، والمنصب صَغُرَ أو كَبُر، وأعلاها الحظوة. ويعرقل الاستبداد مسيرة البناء الحضاري للأمة، كما أنه يحول بين الدعاة وبين العمل والإبداع نظرا لأنهم لا يشعرون بالأمان، ولا يستطيعون أن يعملوا في أجواء فقدت فيها وبالتالى فإن النهوض الحضاري لا بد أن يبدأ من العودة إلى تحرير الإنسان المسلم من كل الأغلال والقيود، بناء على صحة القول القائل بأن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها حين جاء القرآن إلى الناس بمفهوم (ويضع عنهم إصرَهُم والأَغلاَلَ التي كانت عَلَيهِم) (الأعراف:157). التربية بالقدوة وفى ظل هذه المؤثرات يكون التأثير بالعمل أقوى منه بالحديث والسماع ولهذا لما أخبر الله تعالى موسى عليه السلام أنه قد فتن قومه وأضلهم السامرى لم يحصل له من الغضب وإلقاء الألواح ما حصل له عند مشاهدة ذلك ولعل أوضح دليل على هذا النوع من التأثير يتمثل في المحاولات الإسلامية التى غيرت مجرى التاريخ حيث بدأ رسل الله تعالى والمجددون المسلمون من بعدهم بالعمل فرادى وآمن بهم البعض وعاونوهم وظل تأثيرهم يتوسع شيئا فشيئا ويوما بعد يوم. ويحصل ذلك التأثير ? فى المحاولات الإسلامية وغير الإسلامية على السواء ? من خلال حيازة الفرد لأفكار وعقائد معينة يقوم بترجمتها إلى وقائع محسوسة تؤثر لا شعوريا فى أفكار وعقائد الآخرين وهذا ما يعرف ب"القدوة". والقدوة والقدة وجمعها القدى ? كما جاء فى لسان العرب ? هى: الأسوة وهى نوعان: القدوة الحسنة: التى تثير النفس وتعطيها قناعة بأن بلوغ الأعمال الصالحة من الأمور الممكنة. والقدوة السيئة: وتظهر بوضوح فى قول المشركين حين دعتهم الرسل:
"بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون". وكانت "القدوة" من الوسائل التى تربى عليها النبى صلى الله عليه وسلم نفسه حيث عرضت عليه حياة الأنبياء عليهم السلام فى قصص القرآن الكريم ليقتدى بهم فى إبلاغ الرسالة والثبات على الحق والصبر والتوكل يقول تعالى:
"أولئك الذين هدَىَ الله فبهداهم اقتده" (الأنعام: 90). كما كانت الوسيلة الفعالة لتربية الأمة الإسلامية فلم ينزل القرآن الكريم مرة واحدة وإنما نزل منجما على قلب بشر ترجمه واقعا يراه الناس فكان ? صلى الله عليه وسلم ? أعلى درجات القدوة يقول تعالى:
"لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثير" (الأحزاب: 21) وسئلت عائشة رضى الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:
"خلقه القرآن". تجديد مطلوب وبناء عليه يمكن القول أنه : إذا أراد الدعاة المربون الحصول على تأثير ملموس فى ظل الواقع المعاش الذى تتصارع فيه الخطابات الفكرية والدعائية أن يتوافر أمرين: الأول: تجديد الأخلاق:
بأن يتكفل الداعية بتزكية نفسه دوما ? بتحليتها بالفضائل وتخليتها من الرذائل النفسية والخلقية ? إذ من الخطأ الفادح لدى البعض أن ينظم ما حوله ويترك الفوضى فى داخل قلبه فلا ذكر ولا أمر ولا نهى ولا إخلاص ولا احتساب ولا تصبر ولا توكل ولا إيثار ولا سخاء ولا حياء ولا خشوع فى الصلاة ولا تضرع ولا ابتهال فى الدعاء ولا زهد فى زخارف الدنيا ولا إيثار للآخرة على العاجلة ولا تشوق إلى لقاء اله. الثانى: التجديد الفكرى:
يقول تعالى: "قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين" (يوسف: 108) والدعوة على بصيرة منها جزء يكتسب بالتعليم عن طريق التعرف على السنن الربانية وتدبر التاريخ وأحوال الأمة الحاضرة ودراسة مخططات وأهداف القوى الخارجية المعادية وجزء آخر يكتسب بالخبرة مثل التجارب التربوية والدعوية والوعي بالواقع ? أو بالأحرى فقه الواقع ? الذى يقرر مسار العمل الدعوى. وإذا كان التجديد الفكرى يسمح بالإجابة على السؤال: كيف يتحرك الدعاة فى ظل الواقع المعاش؟ فإن التجديد الأخلاقى يؤسس القاعدة الدعوية على أسس متينة فلا يعرضها للإهتزاز أو التبدل فى التوجهات بين عشية وضحاها. |