|
هل تحسّ بالحبّ الإيجابيّ الذي يدفعك دفعاً إلى السير قدماً في الطريق ، لا تتردّد ولا تتلفّـت ، ولا تتحيّـز لنفسك ، ولكن تبلغ دعوة الله؟
النبي صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا ومثلنا الأعلى ، ويجب علينا ، أن ندرس سيرته
صلى الله عليه و سلم للتأسّي به ، ولكن ما كان لنا أن نقف عند هذا الحدّ من عظمته ، فلنتقدّم إلى الأمام .. إلى الناحية الإيجابيّـة في التأسّي بالرسول
صلى الله عليه و سلم .. فهناك الكثيرون ممن يتـشدّ قون بالحبّ، وقد تتساقط دموعهم، حتى وهم ينحرفون بهذا الحبّ إلى لون من التقديس! ذلك أنه حبّ عاطفي سلبي وكفى، لا صدى له في واقع الحياة والسلوك! إن صورة الحبّ في قلوب هؤلاء لتعاني عزلة وجدانيّـة عميقةً، كما تعاني بُعْدًا في السلوك والفهم والإدراك، لأنها صورة منعزلة في الوجدان ، وليست صورة حيّـةً متحركة في واقع الحياة، شاخصةً في سلوك أصحابها وأفكارهم ومشاعرهم وخواطرهم وماديّـاتهم وروحانيّـاتهم سواء! ولاشك أن لهذه العزلة أسباباً ترجع في جملتها إلى واقعنا كأمة تعيش كما نرى ونشاهد ونعايش .. لا كما عاش السلف الصالح، حكماً وتشريعاً، ودستوراً ونظاماً، حيث كانت الأسوة بالرسول
صلى الله عليه و سلم طابع الأمة، وحيث كانت الأمة تحسّ إحساساً عميقاً بأنها على الدرب تسير وفق سنة الرسول
صلى الله عليه و سلم، وأن تعاليم الرسول صلى الله عليه و سلم قائمة، وإن غابت ذاته الرفيعة في الحسّ! وما عالم الحسّ من واقع النفس؟! إن الأمور لا تقاس بوجودها أو عدم وجودها في عالم الحسّ وحده، وإنما تقاس بمقدار ما توجد في عالم النفس، وبالمكانة التي تملؤها من المشاعر والخواطر والأفكار والسلوك سواء! فهل تحسّ يا أخي بالحبّ للرسول صلى الله عليه و سلم؟! هل تحسّ بالحبّ الإيجابي الممتلئ بالحيويّـة؟! هل تحسّ بالحبّ الإيجابيّ الذي يدفعك دفعاً إلى السير قدماً في الطريق، لا تتردّد ولا تتلفّـت، ولا تتحيّـز لنفسك، ولكن تبلغ دعوة الله، حتى يرى بعضناً بعضاً في دائرة الحبّ الإيجابيّ الخالص لله ولرسوله، ولمن آمن بالله ورسوله؟! وسيظل الحبّ هو الروح الساري اللطيف، وستظل الدنيا خاشعةًَ خاضعةً أمام عطاء هذا الحبّ ، وعظمة الرسول
صلى الله عليه و سلم! ستظل خاشعةً خاضعةً أمام هذه العلاقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها! وستظل خاشعةً خاضعةً أمام تلك العظمة التي تعجز الكلمات عن تصويرها! وسيظل التاريخ يذكر أن تلك المعالم حين وُجدت اهتزّ إيوان كسرى ، وترنّـح قصر قيصر، وتمرّغ الباطل في التراب! وإذا الحفاة الذين لم يكن لهم شأن أمام الفرس والروم قد هزموا الباطل، وورثوا عرش هذا وتاج ذاك، واندفعوا بهذا الدّين القيّـم، حتى بلغوا أسوار الصين، وانطلقوا حتى وصلوا إلى ساحل المحيط الأطلسي، وأقاموا دولةً إسلاميّـةً في أسبانيا، ووصلوا إلى فيينا! وهذا ما شهدته الدنيا وسجله التاريخ! ونبصر جانباً كبيراً عمليـاً من عمق التأثير في الأجيال المتعاقبة من المسلمين، إحساساً عميقاً بمكانة الرسول
صلى الله عليه و سلم، وجلال مقامه! ونبصر معالم هذا الحبّ في الإحساس العميق الذي يدفع الصادقين دفعاً إلى أن تختلج المشاعر ، وتتحرك الخواطر ، مما يضفي على الحياة بهجتها وسعادتها! ولم تنحسر تلك العلاقة شيئاً فشيئاً إلا حين أحكمت الحلقات، وانفرجت الشقة .. ولم تتكامل تلك العزلة الموحشة إلا حين تمّ الفصل نصّـاً ومفهوماً، وفقهاً وروحاً، وحياة وسلوكاً، بين واقع المسلمين، وتلك العلاقة الإيجابيّـة! إن صورة العلاقة الإيجابيّـة يجب أن تتضح في عالم الضمير وعالم الروح حيّـةً شاخصةً، ممتلئةً بالحيويّـة والعاطفة، والواقعيّـة والسلوك، حتى نرى النور الصافي يشرق من جديد، وينفذ إلى الأعماق .. ومن ثم تطمئن النفس، وترفرف الروح، وينشرح الصدر ، وينسكب هذا في الحنايا والجوانح، ويظهر في السلوك والجوارح! أي سكينة ينشئها هذا الإدراك؟! وأي طمأنينة يفيضها على القلب؟! وأي سعادة يضفيها على الروح؟! وأي قوة يسكبها في الضمير؟! إننا نسمع كلمات الأذان، ونردّد ما يقول المؤذن، وتسيطر علينا روحانيّـة عالية، وتهون الدنيا كلها، ونحسّ أنها تحت أقدامنا، ونستعلي على المادة ، ولا نكاد نقف في الصلاة حتى تزول الحجب ، وتنقشع الغيوم، وتأخذنا الصلاة بكل أنوارها .. ونجد أنفسنا نقرأ في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله! لا شك أن الكلمات تعجز عن تصور ما نجد، ولا شك أن هذا الإحساس يدفعنا إلى أن نسير في طريق الحق لا نخاف ولا نخشى باطلاً ولا ظالماً، لأن هذه العلاقة الإيجابيّـة تضع يدنا على معالم السلوك العمليّ الذي أنشأ جيلاً مثاليّـاً فـذًّا في التاريخ البشري! وحين يظلنا هذا الجو الطهور، نبصر مواقع خطونا، ولا نرى من حولنا شيئاً من معاني السمو والجلال، والرفعة والكمال، يتحرك إلا بين يدي الرسالة والرسول
صلى الله عليه و سلم! وننهل من معين الوحي ، وندرك أفق التجليات المباركات، ونبصر شفافية الروح! ونذكر ما رواه مسلم عن أنس قال: قال أبو بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسو الله
صلى الله عليه و سلم يزورها، فلما انتهيا إليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه و سلم، فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله
عليه و سلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء ، فهّـيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها! أرأيت منشأ هذا البكاء؟! أرأيت هذه القطرات التي تكونت وتجمعت وتساقطت؟! هل تحسّ بمثل ذلك؟! إن الحبّ هو الجناح الذي يطير به الإنسان إلى حيث السموّ والعلوّ، وإذا لم تستطع تكون محبوباً ففي مقدورك أن تكون محبّـاً ، وإننا نعيش في عصر مادي، ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى هذا اليقين الذي يجري من صاحبه مجرى الدم، إن وُضع في محله، وصادف أهله! وهنا تأنس الروح في رحلة الحياة الشاقة في هذه الأرض، ونبصر نوراً يضيء جوانب الحياة، وهذا يثير في النفس عالماً من المشاعر والخواطر .. وتسبح الروح في جنباته ، ويجول الفكر في جولاته ، وتعب النفس من فيضه بقدر ما ترتوي أو تطيق ، وترفرف الروح! والله وليّ التوفيق! |