العالمية - جمادى الأولى - 1427 هجرية - يونيو 2006 م - العدد (194) - السنة الثامنة عشر
   

عودة للصفحة الرئيسية

 

موقف المسلم في النوازل والأحداث

د. علي بن عبد العزيز الشبل*

 

الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على رسول وآله وصحبه وبعد:

فانه يتأكد على المسلم الحريص على دينه المشفق على نفسه عند وقوع الفئة وادلاهم المحن ان يراعي الاصول الشرعية التي ابانها دينه ليعتصم بشرع الله عند وقوعها، وليسلم من الانزلاق في مراديها، وهذ الاصول هي:

1 - البصيرة عند وقوع الفتن بها وبحكم الشرع الشريف بها فان العالم المستبصر بالفتنة ناج بها بنفسه ومنج غيره أما الجاهل بها وبعواقبها فانه يوشك ان يقع فيها.

ولا تتأتي البصيرة الا بالعلم الموروث عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

2 - الالتجاء الىالله عز وجل والانطراح بين يديه وسؤاله العفو العافي والعافية حيث يتأكد على المؤمن صدق تضرع مولاه وعبادته بالسؤال والالحاح عليه ان ينجيه من الفتن ويعصمه منها، ولذا من دعاء الصالحين (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب).

3 - يجب الرفق والتآني والحلم عند وقوع الفتن والتعقل فيها والحذر من العجلة، الرآي والحكم، والحذر من الطيشان والتصرفات غير المسؤولة فانها لا تأتي الا بالشر وبنتائج غير مسؤولة وما كان الرفق في شيء الا زانه، وما نزع من شي الا شانه وامتدح النبي صلى الله عليه وسلم اشج عبد القيس بخلتين هما: الحلم والاناة.

4 - مراعاة جانب السلامة للدين والعرض عند وقوع الفتنة، ولو بالهروب منها والعقود عنها (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه). ولما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال: ستكون فتن النائم خير فيها من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من السالمي، فمن وجد ملجأ او معاذاً فليستعذ به.

وفي صحيح مسلم من رواية ابي بكر رضي الله عنه نحوه وزاد »الا فاذا رفعت الفتن فمن كان له ابل فليلحق بابله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له ارض فليلحق بارضه. فقال رجل يارسول فمن لم يكن ذلك، قال: يعمد الى سيفه فيقه على حده بحجر، ثم لينج ان استطاع النجاء اللهم هل بلغت مرتين .. الحديث.

5 - ومن الاصول المهمة التي تحكم المسلم هنا رد امر الفتنة الى العالم بها والتبصر بعلمهم، وهم العلماء الراسخون في العلم، ضليعوا الديانة والحذر من اضدادهم من الجهال او القراء او المتعاملين وصغار السن والاحلام والسفهاء والصحفين. فان مسائل الفتن والنوازل والخطوت المدلهمة ليس لها الا الكبار علماً وعقلاً وديناً وحكمة.

6 - ومن الاصول التي يجب مراعاتها ولاسيما ضلال اولاهم الفتن اهمية الاجتماع من وحدة الصف بوحدة الكلمة في جماعة واحدة تقودها قيادة راشدة من العلماء ومن ولاه الله امر الناس، والحذر اشد الحذر مما يعكر صفو ذلك من التفرق وشق الصف بالقول والرأي او الفعل (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) (وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون).

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (يدالله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار) (والذئب انما يأكل من الغنم القاصية) وقد منَّ الله علينا مما فقده غيرنا من اجتماع الكلمة تحت راية شرعية معتبرة يقودها ولاة لهم في اعناق المسلمين عندما بيعه، ويسوسها العلماء بحكم الديانة والملة فله سبحانه الحمد في الاولى والآخرة، ولله الحكم واليه ترجعون.

ومن جهة ما نراه ونلحظه من تنوع التحليلات والشائعات والاتهامات، وكثير منها مبالغ فيه جداً او خارج عن معنى الحق المصداقية فهو من اظهر وسائل الارجاف بالمؤمنين وتخويفهم، وتخذيلهم وبث الرعب والفتن والشر فيهم، وتفريق اجتماعهم وكلمتهم وهذا كله شأن من ضعف ايمانه او قلت حكمته وبصيرته، وهو شأن المنافقين المرجفين قديماً وحديثاً كما حذرنا الله منهم في كلامه من القرآن امراً لنا بضد حالهم، كما في آية سورة النساء (واذا جاءهم امر من الامن او الخوف أذعوا به ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستظبونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا). وكان من قول المناقين المخذلين والمرجفين بالمؤمنين في غزو تبوك »اتحسبون فقال نبي الاصفر - اي الروم - كقتال العرب بعضهم بعضاً؟« تخويفاً وارجافاً بالمسلمين.

هذا واهم ما ينفع المسلم ويعصمه عند وقوع الفتن والنوازل ذكر الله تعالى الذي به طمأنة القلوب، ودعاؤه سبحانه والانطراح بين يديه والالحاح عليه وسؤاله كفاية شرها والعفو والعافية منها.

ومن ذكر الله دعاء الخوف والكرب والهم والحزن كدعوة ذي النون المكروب: يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين ودعا الكرب لا اله الا الله العظيم الحليم، لا اله الا الله ذو العرش العظيم، لا اله الا الله رب السموات والارض، رب العرش الكريم. ودعاء اللهم والحزن يا حي يا قيوم برحمتك استغيث. وغيرها من الادعية والاذكار النبوية النافعة في مثل هذه الخطوب.

ومن دعاء الله الذي امر الله به في قوله سبحانه (اذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) وقوله سبحانه (امن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض، أله مع الله قليلاً ما تذكرون).

مع ملاحظة تحري اوقات الدعاء المناسبة، ولا سيما اوقات الاجابة، كآخر الليل ساعة التنزل الالهي، ثلته الاخير، ودبر الصلوات المفروضة والنواقل، وحال السجود، وعند الفطر لمن كان صائماً، وعند نزول المطر، ووقوع الخطب والمصيبة لكمال التعلق والالتجاء الى الله وعند وقوع الظلم والكرب، نسأل الله العافية في الدين والدنيا والآخرة، وهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا الله العلي العظيم، والله اعلم.

* المدرس بقسم العقيدة بجامعة الامام